استراتيجية مصرفية تعتمد على الذكاء الاصطناعي من الداخل
في وقت تتسابق فيه المؤسسات المالية إلى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، يبرز نموذج VietBank باعتباره مثالاً على اعتمادٍ أكثر تحفظاً وحسماً في الوقت نفسه. فبدلاً من شراء حلول جاهزة من مزودي البرمجيات، اختارت إدارة التقنية في البنك بناء التطبيقات داخلياً باستخدام مكونات مفتوحة المصدر ونموذج لغوي مستضاف ذاتياً، وذلك انسجاماً مع قاعدة أساسية لا تقبل التفاوض: بيانات العملاء والعمليات الحساسة يجب أن تبقى داخل بيئة البنك.
هذا التوجه لم يكن مجرد قرار تقني، بل جزء من رؤية أوسع لإعادة تعريف دور إدارة المعلومات داخل مؤسسة مصرفية متوسطة الحجم. وفق هذا المنظور، تصبح تقنية المعلومات شريكاً في النمو وليست وظيفة دعم خلفية، خصوصاً عندما تكون المنافسة في السوق المصرفية مرتبطة بسرعة الابتكار، وكفاءة التشغيل، والقدرة على تحويل البيانات إلى قرارات أسرع وأكثر دقة.
أمثلة عملية: أنظمة حققت نتائج ملموسة
النهج الداخلي في VietBank انعكس في مشاريع محددة، من أبرزها نظام تتبع الأعمال المكتبية Smart Office Tracking System المعروف اختصاراً باسم SOTs، ونظام الإدارة الذكية Intelligent Management System أو IMS. وقد جرى تطوير هذه الحلول بالكامل داخل البنك خلال نحو ثلاثة أشهر ونصف فقط، وبميزانية محدودة نسبياً، ما يعكس قدرة الفرق التقنية الصغيرة على إنجاز أدوات ذات أثر واضح عندما تكون الأولويات محددة بدقة.
النتيجة الأبرز كانت تقليص دورة الموافقة على المستندات بنسبة 35%، وهو مؤشر مهم في بيئة مصرفية تعتمد كثيراً على التدقيق والمراجعة والامتثال. كما حصد أحد هذه الابتكارات جائزة إقليمية للابتكار في عام 2025، قبل أن يُطلب من البنك عرض تجربته أمام الجهات الحكومية المختصة بالحوكمة الرقمية في فيتنام. هذه النتائج توضح أن القيمة لا تأتي من حجم الاستثمار فقط، بل من ملاءمة الحل للمشكلة الفعلية.
فلسفة التنفيذ السريع بدل انتظار البيانات المثالية
من بين الرسائل الأوضح في تجربة VietBank أن مشاريع الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تبقى رهينة البحث عن الكمال. المقاربة التي يتبناها البنك تقوم على اختيار حالة استخدام واحدة، ثم بناء نموذج أولي داخل بيئة معزولة، وقياس أثره، وبعدها الانتقال إلى التوسع إذا ثبتت الجدوى.
هذه الفلسفة تبدو مناسبة لأسواق متغيرة بسرعة، لأن انتظار اكتمال جودة البيانات أو مثالية البنية التحتية قد يعني ببساطة خسارة الوقت أمام المنافسين. لذلك، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي هنا كأداة تشغيلية يمكن اختبارها وتحسينها تدريجياً، لا كحل نهائي يجب أن يعمل بكامل طاقته منذ اليوم الأول. وفي القطاع المصرفي، قد يكون هذا النهج أكثر واقعية من مشاريع ضخمة تستهلك الميزانيات قبل أن تقدم أي قيمة محسوسة.
الأمن السيبراني يظل التحدي الأكبر
على الرغم من حماسة السوق تجاه الذكاء الاصطناعي، فإن الجانب الأمني يظل في صدارة المخاطر بالنسبة للمؤسسات المالية. فالقفزة السريعة في قدرات الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تضع أنظمة الحماية التقليدية تحت ضغط متزايد، خصوصاً في أسواق تُعد من بين الأكثر استهدافاً عالمياً.
في هذا السياق، يتعامل VietBank مع الأمن السيبراني باعتباره طبقة متعددة المستويات، تشمل فرقاً حمراء لاختبار الدفاعات، واختبارات اختراق منتظمة، وتعاوناً مع الجهات الوطنية المختصة. لكن الخطر لا يقتصر على البنك منفرداً؛ إذ يمكن لهجوم على أحد المكونات أو الموردين في سلسلة الخدمات المالية أن يمتد أثره إلى النظام بأكمله. ولهذا، تبدو إدارة المخاطر التقنية هنا جزءاً أصيلاً من استراتيجية الذكاء الاصطناعي، وليست بنداً منفصلاً عنها.
المنافسة في التقنية المالية تدفع إلى ذكاء أفضل لا إنفاق أكبر
في سوق يضم منصات مالية ضخمة وقاعدة مستخدمين واسعة لدى الشركات المنافسة، لا يحاول VietBank التفوق عبر الإنفاق الأكبر، بل عبر الاستثمار في ذكاء أدق. الرهان الأساسي يتمثل في استخدام تحليلات سلوكية قائمة على الذكاء الاصطناعي، وربطها بأنظمة إدارة علاقات العملاء، ثم توظيفها في تقديم عروض أكثر تخصيصاً وتحسين تجربة العميل.
هذا الاتجاه يدعم كذلك مبادرات رقمية جديدة مثل منصة DigiBiz الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تحديث تطبيق الخدمات المصرفية عبر الهاتف مع خطط لدمج مزايا إضافية في المدفوعات وتمويل التجارة. هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تجريبية إلى طبقة تشغيلية تساعد البنك على فهم عملائه، وتوجيه المنتجات المناسبة، وتحسين الكفاءة من دون الحاجة إلى مضاعفة الإنفاق على البنية التقليدية.
تكاليف العتاد والاحتفاظ بالمواهب أبرز القيود
رغم وضوح الرؤية، لا تبدو رحلة التحول سهلة. فارتفاع أسعار الأجهزة المتخصصة، مع تسارع الطلب العالمي على شرائح الذكاء الاصطناعي، يمثل عبئاً حقيقياً على أي مؤسسة تحاول توسيع قدراتها التقنية. كذلك، يظل خطر عدم اتساق التبني داخل وحدات العمل واحداً من العوامل التي قد تُبطئ التنفيذ حتى عندما تكون الخطة جيدة على الورق.
أما التحدي الأصعب، بحسب التجربة المطروحة، فهو الاحتفاظ بالمواهب التقنية. في بيئة تنافسية، لا تكفي الرواتب وحدها لضمان الاستقرار الوظيفي، لذلك يعتمد البنك على ثقافة تمنح الفرق قدراً أكبر من الاستقلالية وفرص التطور، مع جعل العمل نفسه أكثر إرضاءً ومعنى. هذه النقطة تحديداً مهمة لأن نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي يعتمد كثيراً على الأشخاص الذين يصممونها ويطوّرونها، لا على الأدوات وحدها.
درس أوسع للمؤسسات المالية في المنطقة
ما تكشفه تجربة VietBank يتجاوز حدود بنك واحد في سوق واحد. فهي تقدم نموذجاً لمؤسسات مالية متوسطة الحجم يمكنها أن تنافس بفاعلية عندما تملك رؤية واضحة، وتفكيراً عملياً، وقدرة على التنفيذ السريع. ففي القطاعات التي تتطور فيها التكنولوجيا بمعدلات عالية، قد تكون المرونة أهم من الحجم، والوضوح في اختيار الحالة الاستخدامية أهم من كثرة المشاريع.
والخلاصة أن الذكاء الاصطناعي في البنوك لا ينجح بالضرورة عندما يُستخدم بأكبر ميزانية أو عبر أكبر فريق، بل عندما يُربط مباشرةً بمشكلة محددة، ويُدار داخل حدود صارمة للبيانات والأمن، ثم يُنقل من التجربة إلى الإنتاج بخطوات محسوبة. هذا هو الدرس الذي تقدمه VietBank: الابتكار الحقيقي ليس وعداً تقنياً مجرداً، بل مزيج من الانضباط والسرعة وفهم دقيق لما يحتاجه العمل المصرفي فعلاً.