أعلنت Limitless Labs عن حصولها على جولة تمويل Series A بقيمة 20 مليون دولار، في خطوة تهدف إلى تسريع توسع منصتها القائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيلي داخل بيئات التصنيع الدقيقة المعتمدة على CAD/CAM. وتعكس الجولة اهتمام المستثمرين المتزايد بحلول الذكاء الاصطناعي التي لا تكتفي بتحسين العمل المكتبي، بل تدخل مباشرة إلى العمليات الصناعية التي تتطلب دقة عالية وتحكماً معقداً.
التمويل قادته Dell Technologies Capital وSquare Peg، بمشاركة Grove Ventures وMeron Capital وKinetica. وذكرت الشركة أن رأس المال الجديد سيُستخدم لتعزيز عملياتها في الولايات المتحدة، وتطوير نموذجها الأساسي المخصص للذكاء الاصطناعي الفيزيائي، إلى جانب توسيع قدراتها في أتمتة برمجة ماكينات CNC.
منصة تستهدف عنق الزجاجة في التصنيع
تأسست الشركة في عام 2024 وكانت تحمل اسم LimitlessCNC، وتتخذ من تل أبيب مقراً لها. وتركز على واحدة من أكثر المراحل حساسية في التصنيع: برمجة ماكينات التحكم الرقمي CNC التي تُستخدم لإنتاج مكونات معقدة في قطاعات مثل الطيران والدفاع والطب والصناعة الثقيلة.
هذه المهمة تعتمد عادة على خبرة نادرة لدى مختصين يمتلكون معرفة دقيقة بالأدوات، وحدود الماكينات، وخصائص المواد، وتسلسل العمليات اللازمة لتحويل التصميم الهندسي إلى قطعة قابلة للتصنيع. وفي وقت تسعى فيه شركات كثيرة إلى أتمتة المهام الرقمية، تحاول Limitless Labs نقل الذكاء الاصطناعي إلى قلب خطوط الإنتاج، حيث تكون القرارات أكثر حساسية وأي خطأ قد يرفع الكلفة ويؤخر التسليم.
كيف تعمل داخل أنظمة CAD/CAM الحالية
بدلاً من فرض بيئة عمل جديدة على المصانع، صممت الشركة منصتها لتعمل داخل برامج CAD/CAM المعروفة التي يستخدمها المهندسون والمبرمجون، ومنها Siemens NX CAM وMastercam وPTC Creo. وضمن هذا الإطار، يقدم ما تسميه الشركة CAM Agent دعماً مباشراً للمهندسين عبر التعرف على الخصائص التصنيعية في النموذج، واقتراح أدوات التشغيل المناسبة، وترتيب المراحل الإنتاجية، وتوليد مسارات القطع، والمساعدة في إنتاج برامج التشغيل الجاهزة للماكينات.
وتقول الشركة إن بعض العملاء تمكنوا من تقليص وقت برمجة CNC بنسبة تصل إلى 50%، مع الإبقاء على الإشراف البشري في كل المراحل. ويعد هذا التفصيل مهماً في التصنيع الصناعي، إذ إن الهدف ليس الاستغناء عن المهندس أو المبرمج، بل رفع الإنتاجية وتقليل الوقت الضائع في المهام المتكررة والمعقدة.
كما تراهن المنصة على تحويل المعرفة التصنيعية المتراكمة داخل الشركات إلى أصول رقمية قابلة للاستخدام المستمر. فالكثير من أفضل الممارسات في المصانع لا توجد في قواعد بيانات منظمة، بل في خبرة مهندسين ومشغلين مخضرمين يصعب نقلها بسرعة إلى الجيل الجديد.
نموذج أساسي مخصص للعالم الفيزيائي
في قلب المنصة يوجد ما تسميه الشركة Physical AI Foundation Model، وهو نموذج يختلف عن النماذج اللغوية التقليدية التي تُدرَّب أساساً على النصوص والبرمجة. وبدلاً من ذلك، تقول Limitless Labs إن نموذجها يتعلم من بيانات مرتبطة بالتصنيع مثل هندسة CAD، والقيود التشغيلية، وسلوك الماكينات، وقوانين قطع المعادن.
هذا النهج يعكس اتجاهاً أوسع في الذكاء الاصطناعي الصناعي، حيث تتزايد الحاجة إلى نماذج تعرف حدود العالم الواقعي، وليس فقط أنماط اللغة. وفي بيئات التصنيع، يجب أن تكون النتيجة دقيقة وقابلة للتكرار ومتوافقة مع معايير الإنتاج والجودة والسلامة، وهو ما يجعل النماذج العامة أقل ملاءمة من الأنظمة المتخصصة.
وتؤكد الشركة أن منصتها لا تعمل كواجهة دردشة مستقلة، بل كمساعد هندسي مدمج في برامج الإنتاج الحالية. وعند توليد التوصيات، تأخذ في الاعتبار حدود الماكينة، والقيود المرتبطة بالأدوات، وسرعات القطع، والتفاوتات المسموح بها، ومتطلبات التشغيل الفعلية.
مواجهة نقص الخبرات في قطاع التصنيع
تأتي هذه الجولة في وقت يواجه فيه قطاع التصنيع تحدياً متنامياً في استبقاء المعرفة والخبرات. ووفقاً لبيانات تشير إليها الشركة، فإن نحو ربع القوى العاملة الصناعية في الولايات المتحدة يبلغ عمرها 55 عاماً أو أكثر، بينما ترى 97% من الشركات المصنعة أن الحفاظ على المعرفة يمثل مشكلة رئيسية.
وتزداد الضغوط مع وجود أكثر من 400 ألف وظيفة شاغرة في القطاع، مع توقعات بأن يتسع هذا الفارق خلال السنوات المقبلة. وفي الصناعات الحساسة مثل الطيران والدفاع والتصنيع الطبي، يمكن أن تكون أخطاء البرمجة مكلفة للغاية، كما أن بناء الخبرة العملية يتطلب سنوات من العمل المتواصل.
ومع اقتراب عدد كبير من المخضرمين من سن التقاعد، تبحث الشركات عن أدوات تساعدها على نقل المعرفة إلى المهندسين الجدد بسرعة أكبر. وهنا ترى Limitless Labs أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعمل كأداة لحفظ الخبرة وتوسيع نطاقها، بدلاً من أن يكون بديلاً كاملاً عن العاملين ذوي الخبرة.
من التجارب الأولية إلى النشر الفعلي
تقول الشركة إنها انتقلت بعد الخروج من مرحلة التطوير السري إلى نشرات إنتاجية فعلية لدى عدد من الجهات، من بينها Blue Origin وCadillac F1 وSandvik وIscar. وتمتد هذه الاستخدامات عبر قطاعات تتطلب دقة تشغيلية عالية، مثل الفضاء، وسباقات السيارات، والدفاع، والآلات الصناعية.
كما تؤكد الشركة أن بنيتها التقنية صممت لتناسب متطلبات المؤسسات الكبرى، إذ تدعم العمل عبر السحابة الخاصة، وبيئات VPC الخاصة، وAWS GovCloud، مع الالتزام بمتطلبات ITAR، وهي نقطة بالغة الأهمية للعملاء في قطاعات الدفاع والفضاء الخاضعة لرقابة صارمة.
لماذا يختلف الذكاء الاصطناعي الصناعي عن الذكاء التوليدي العام
شهد الذكاء الاصطناعي التوليدي انتشاراً واسعاً في مجالات كتابة البرمجيات وإنتاج المحتوى وأتمتة الأعمال المكتبية. لكن الصناعة تقدم اختباراً أكثر صعوبة، لأن النموذج لا يعمل هنا داخل نصوص ورسائل فقط، بل داخل بيئات مادية تحكمها قيود هندسية وتشغيلية صارمة.
ولهذا السبب تتجه شركات عديدة إلى بناء حلول متخصصة، سواء في التصميم الهندسي أو المحاكاة أو التصنيع. والفكرة الأساسية هي أن الذكاء الاصطناعي إذا أراد أن يكون مفيداً في المصنع، فعليه أن يفهم المادة والماكينة والتفاوتات والعمليات، لا أن يكتفي بفهم اللغة.
وبالنسبة إلى Limitless Labs، فإن المرحلة التالية تتمثل في تطوير نموذجها الأساسي نحو مزيد من الاستقلالية في سير العمل الخاص ببرمجة CNC، مع توسيع الحضور التجاري في الولايات المتحدة. وتخطط الشركة أيضاً لتوسيع فريق البحث في تل أبيب، ومضاعفة عدد الموظفين تقريباً خلال العام المقبل.
ويشير هذا الاتجاه إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في المساعدات الرقمية أو أدوات الإنتاجية، بل أصبح يقترب من المصانع التي تصنع المكونات الفعلية التي تقوم عليها الصناعات الحديثة. وفي هذا السياق، تتجه المنافسة من السؤال عن قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة النصوص أو إنشاء البرمجيات إلى سؤال أكثر تعقيداً: هل يمكنه المساهمة في إدارة التعقيد الصناعي نفسه؟