في وقت تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البرمجة وتحليل البيانات، ما تزال بيئات العمل الرياضي تعتمد إلى حد كبير على أدوات قديمة ومجزأة. هذا الفراغ تحاول شركة كوركا الناشئة في نيويورك معالجته عبر منصة جديدة تهدف إلى تحديث الطريقة التي يكتب بها المهندسون والباحثون المعادلات ويشاركونها ويعالجونها.
أعلنت الشركة حصولها على تمويل جديد بقيمة 7.8 مليون دولار في جولة قادتها NEA، بمشاركة كل من Bloomberg Beta وDaft Capital وNVentures. وتهدف هذه الأموال إلى توسيع فريق الهندسة، وتسريع تطوير المنتج، وتعزيز القدرات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي داخل المنصة.
مشكلة قديمة في مجال يعتمد عليه الذكاء الاصطناعي
تقوم الرياضيات بدور أساسي في الهندسة والتمويل والبحث العلمي، وهي أيضاً في قلب كثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة. لكن الأدوات المستخدمة في هذا المجال لم تشهد تطوراً يوازي ما حدث في البرمجيات أو التعاون السحابي خلال السنوات الأخيرة.
في كثير من الحالات، يتنقل المستخدم بين برامج متعددة لإنجاز مهمة واحدة: حسابات في MATLAB، ونماذج في منصات منفصلة، وتوثيق في ملفات LaTeX، وعرض النتائج عبر مستندات أو صور أو دفاتر ملاحظات. هذا التشتت يضيف طبقات من التعقيد إلى عمل يفترض أنه قائم أصلاً على الدقة والتنظيم.
وترى كوركا أن المشكلة ليست في نقص الأدوات، بل في غياب مساحة عمل واحدة صُممت من البداية خصيصاً للرياضيات بوصفها لغة إنتاج وتعاون، لا مجرد وسيلة لنشر الصيغ النهائية.
منصة تسعى إلى أن تكون "Cursor للرياضيات"
تصف كوركا منتجها بأنه مساحة عمل تعاونية أصلية للذكاء الاصطناعي، تجمع بين تحرير المعادلات، والحوسبة الرمزية، والتفكير الرياضي، والعمل الجماعي في بيئة تعمل عبر المتصفح.
الفكرة الأساسية هي تقليل الاعتماد على الصيغ المعقدة والأوامر الخاصة التي غالباً ما تتطلب خبرة تقنية مسبقة. بدلاً من حفظ أوامر محددة، يمكن للمستخدم إدخال كلمات طبيعية مثل “integral” أو “root” ليتم تحويلها تلقائياً إلى الصياغة الرياضية المناسبة.
وتشبه واجهة المنصة من حيث التجربة أدوات الإنتاجية الحديثة أكثر من البرامج الرياضية التقليدية. إذ يمكن لعدة مستخدمين العمل في الوقت نفسه على نفس المسألة أو النموذج أو المعادلة، بما يفتح الباب أمام أسلوب تعاون أقرب إلى ما يحدث في Google Docs أو Figma، لكن داخل بيئة مخصصة للرياضيات.
كما تدمج المنصة أدوات ذكاء اصطناعي تساعد في حل المسائل، وإعادة ترتيب التعبيرات، وتوليد الشيفرة، وتنفيذ الحسابات، من دون الحاجة إلى التنقل بين تطبيقات مختلفة. وبهذا تتحول المنصة من مجرد محرر معادلات إلى مساحة متكاملة للفكر الرياضي والتنفيذ والتحقق والمراجعة.
لماذا يهم هذا الاتجاه في عصر الذكاء الاصطناعي
يأتي هذا التوجه في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التعامل مع الرياضيات بوصفها بنية رمزية دقيقة، لا مجرد نصوص قابلة للتنبؤ اللغوي. فالنماذج اللغوية الكبيرة أظهرت قدرة كبيرة في الكتابة والتلخيص والمحادثة، لكنها ما تزال تواجه تحديات واضحة عند التعامل مع الرموز والعلاقات المنطقية الصارمة.
السبب في ذلك أن المعادلة الرياضية ليست نصاً عادياً؛ فهي تحمل بنية داخلية وعلاقات وترتيباً وتبعات منطقية، وأي خطأ بسيط في تفسيرها قد يغيّر النتيجة بالكامل. ولهذا تعتمد كوركا على محرك رياضي رمزي صُمم للتعامل مع الكائنات والعلاقات الرياضية مباشرة، بدلاً من تحويل المعادلات إلى تسلسل كلمات فقط.
هذا النوع من البنية قد يمنح الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر موثوقية عند العمل على مسائل معقدة في الهندسة، أو النمذجة، أو البحث العلمي، أو التحليل الكمي. كما قد يساعد على تقليل الفجوة بين الفهم البشري الدقيق والقدرة الحاسوبية على المعالجة.
تأثير محتمل على سير العمل في العلوم والهندسة
إذا نجحت كوركا في بناء بيئة متكاملة تجمع الكتابة والحساب والتعاون والذكاء الاصطناعي، فقد يكون أثرها أوسع من مجرد تحسين تجربة المستخدم. فالكثير من الوقت في العمل العلمي والهندسي يضيع اليوم في نقل النتائج بين أدوات غير مترابطة، أو إعادة تنسيق المعادلات، أو مطابقة الصيغ بين فرق مختلفة.
هذا الاحتكاك قد يبدو ثانوياً، لكنه يصبح مكلفاً عندما يتعلق الأمر بمشروعات معقدة تشمل المحاكاة، أو تصميم الأنظمة، أو التحليل المالي، أو تطوير نماذج تعلم الآلة. وكل خطوة إضافية بين الفكرة والتنفيذ تزيد احتمالات الخطأ وتبطئ دورة العمل.
من هنا، تطرح كوركا نفسها كطبقة بنية تحتية جديدة يمكن أن تختصر هذه المسافة. فإذا كانت منصات التعاون البرمجي قد غيّرت طريقة بناء التطبيقات، فإن منصات العمل الرياضي التعاوني قد تغيّر طريقة بناء المعرفة التقنية نفسها.
رهان على تحديث مجال تأخر عن بقية الصناعات
تعكس جولة التمويل الجديدة قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على النماذج الضخمة أو التطبيقات الاستهلاكية. فهناك قيمة متنامية في الأدوات المتخصصة التي تعيد تنظيم طرق العمل داخل المجالات العلمية والتقنية الأساسية.
وتنتمي كوركا إلى هذا الاتجاه الذي يركز على إعادة تصميم الواجهات التي يتعامل معها الخبراء يومياً، وليس فقط تحسين المخرجات النهائية. فبدلاً من الاكتفاء بتحسين الحسابات أو تبسيط العرض، تحاول الشركة بناء مساحة يمكن فيها التفكير الرياضي نفسه أن يصبح أكثر مرونة وتعاوناً وارتباطاً بالذكاء الاصطناعي.
وبينما لا تزال هذه الفئة من الأدوات في مراحلها الأولى، فإن التمويل الجديد يمنح كوركا مساحة أكبر لتجربة هذا التصور وتوسيعه. وإذا أثبتت المنصة قدرتها على تقليص الفجوة بين الرياضيات والذكاء الاصطناعي، فقد تجد لها مكاناً في قطاعات واسعة تمتد من البحث العلمي إلى التمويل الكمي وصولاً إلى هندسة الأنظمة المعقدة.