في وقت تتشابه فيه معظم عروض الذكاء الاصطناعي بين الشركات الكبرى، تبدو آبل وكأنها تحاول إيجاد زاوية مختلفة: بدلاً من الاكتفاء بمساعد محادثة أو أدوات توليد نصوص وصور، تتجه الشركة إلى دمج الذكاء الاصطناعي داخل المهام اليومية التي ينفذها المستخدم على الهاتف والتابلت.
الفكرة لا تقوم على تقديم واجهة ثورية جديدة بقدر ما تقوم على تبسيط التعامل مع الأدوات الموجودة أساساً. وهذا ما يجعل التجربة التي تختبرها آبل في Shortcuts وسفاري مثيرة للاهتمام، لأنها تحاول تحويل الأوامر المكتوبة باللغة الطبيعية إلى إجراءات فعلية داخل النظام والتطبيقات.
الذكاء الاصطناعي عند آبل: من المحاكاة إلى الفائدة العملية
خلال عروضها الأخيرة، بدت آبل وكأنها تلحق بالاتجاه السائد في الصناعة أكثر مما تقوده. فقد ركزت على ميزات مألوفة لدى المستخدمين: المساعدات الحوارية، تلخيص النصوص، وبعض أدوات توليد الصور. هذه المقاربة قد تكون مفيدة، لكنها لا تميز الشركة كثيراً عن منافسيها الذين سبق أن قدموا أفكاراً مشابهة على أندرويد وفي تطبيقات مثل Claude وChatGPT.
الاختلاف الحقيقي يظهر عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة للرد إلى كونه أداة للتنفيذ. وهنا تدخل Shortcuts إلى الصورة، باعتبارها منصة تسمح بإنشاء سلاسل من الأوامر تنفذ تلقائياً عبر التطبيقات. آبل تريد الآن أن تجعل هذا المستوى من الأتمتة أسهل بكثير عبر فهم ما يطلبه المستخدم بلغة عادية، ثم تحويله إلى خطوات عملية.
Shortcuts تتحول إلى مساحة «برمجة» بالأسلوب الطبيعي
التجربة الجديدة في Shortcuts تعتمد على كتابة وصف بسيط لما يريده المستخدم، مثل إرسال رسالة محددة أو تشغيل وضع عدم الإزعاج في ظروف معينة. في النظرية، هذا يعني أن المستخدم لم يعد مضطراً إلى بناء shortcut خطوة بخطوة عبر واجهة معقدة، بل يمكنه شرح النتيجة النهائية والاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتوليد التسلسل المناسب.
هذا التوجه مهم لأن Shortcuts كانت دائماً أداة قوية لكنها صعبة على كثير من المستخدمين. فهي تسمح بأتمتة دقيقة بين التطبيقات، لكنها تحتاج إلى فهم جيد للبنية الداخلية للأوامر والخيارات. ومع دمج الذكاء الاصطناعي، تحاول آبل خفض حاجز الاستخدام بحيث تصبح الأتمتة أكثر قرباً من اللغة اليومية وأقل ارتباطاً بالبرمجة التقليدية.
لكن هذه الرؤية ما زالت في مرحلة مبكرة جداً. النسخة الاختبارية الأولى تظهر أن النظام ينجح في بعض المهام البسيطة، مثل إرسال رموز تعبيرية في رسالة، بينما يتعثر في مهام أكثر تعقيداً أو في الحالات التي تتطلب تفاعلاً مع تطبيقات خارجية. بمعنى آخر، الفكرة واعدة، لكن الاعتماد عليها بصورة كاملة ما زال بعيداً.
الاعتماد على المطورين يحدد مستقبل التجربة
نجاح هذه المقاربة لا يعتمد على آبل وحدها. فلكي تصبح الأوامر الطبيعية في Shortcuts مفيدة على نطاق واسع، تحتاج الشركة إلى دعم كبير من المطورين عبر توفير تكامل أعمق مع التطبيقات. وإذا لم تُفعّل التطبيقات واجهاتها وخدماتها بالشكل المطلوب، ستظل قدرة النظام محدودة عند حدود ما تتيحه آبل نفسها.
هذه نقطة جوهرية في أي منصة أتمتة. فالمستخدم قد يطلب من النظام أن ينفذ إجراءً داخل تطبيق معين، لكن إذا لم يكن التطبيق مستعداً لذلك، فسيتراجع النظام إلى الطريقة التقليدية أو يفشل في تنفيذ المهمة. لذلك، فإن نجاح آبل في هذا المجال سيعتمد على قدرتها على إقناع المطورين بأن دعم Shortcuts يضيف قيمة فعلية للمستخدم، وليس مجرد طبقة إضافية من التعقيد.
كما أن هناك تحدياً تقنياً آخر يتمثل في قدرة نماذج آبل على فهم واجهات التطبيقات، وخرائط الاستخدام، وواجهات البرمجة، والطرق البديلة مثل روابط URL أو App Intents. وكلما زادت مرونة النظام، زادت أيضاً الحاجة إلى دقة عالية حتى لا تتحول الأتمتة إلى مجموعة من المحاولات غير المضمونة.
سفاري يدخل السباق من بوابة الإضافات الذكية
إلى جانب Shortcuts، تقدم آبل توجهاً آخر يبدو أبسط وأكثر مباشرة: إنشاء إضافات لسفاري باستخدام أوامر طبيعية. الفكرة هنا أقل طموحاً من حيث التعقيد، لكنها أكثر قابلية للتطبيق في الوقت الحالي. فبدلاً من بناء إضافة يدوياً، يمكن للمستخدم أن يصف ما يريده، مثل نسخ الصفحة كرابط بصيغة Markdown، ليقوم النظام بإنشاء الإضافة تلقائياً.
هذه التجربة تبدو أكثر استقراراً من Shortcuts في نسختها الأولى، على الأقل في المهام البسيطة. وهي لا تدّعي أنها ستمنح المستخدم ذكاءً اصطناعياً قائداً لكل شيء، بل تركز على تسهيل مهام محددة في المتصفح، مثل تنظيم الألسنة المفتوحة أو تنفيذ تغييرات صغيرة على طريقة التصفح.
أهمية هذا النهج أنه يضع الذكاء الاصطناعي في مكانه العملي: ليس بديلاً عن النظام، بل طبقة تساعد المستخدم على تشكيل النظام بما يناسبه. وهذا يتماشى مع فلسفة آبل التقليدية التي تفضل التحكم في التجربة من داخل المنظومة نفسها، بدلاً من فتح الباب أمام أدوات خارجية تقلب طريقة الاستخدام بالكامل.
آبل تراهن على الهاتف بوصفه «المنصة الذكية» الأصلية
في جوهرها، تراهن آبل على فكرة بسيطة لكنها قوية: الهاتف الذكي هو بالفعل المركز الرقمي للمستخدم، فلماذا لا يصبح أيضاً المنصة التي تُفهم فيها الأوامر وتُنفذ فيها المهام دون تنقل مرهق بين التطبيقات؟
هذا الرهان ينسجم مع سلوك المستخدمين اليوم. فالكثير من المهام تتكرر يومياً: إرسال رسائل، ضبط التنبيهات، نقل النصوص، فتح التطبيقات، حفظ المحتوى، أو الجمع بين خطوات من مصادر مختلفة. وإذا استطاعت آبل تقليل عدد اللمسات المطلوبة لإنجاز هذه الأعمال، فإنها لا تحتاج إلى إعادة اختراع الهاتف، بل فقط تحسين الطريقة التي يعمل بها.
غير أن الطريق ليس سهلاً. فالذكاء الاصطناعي الوكيلي، أي القادر على تنفيذ إجراءات نيابة عن المستخدم، ما زال من أكثر مجالات التقنية صعوبة. النجاح هنا لا يقاس بمدى الإبهار في العرض التوضيحي، بل بقدرة النظام على العمل بثبات في الاستخدام اليومي، وعلى فهم ما يريده المستخدم بالفعل، لا ما يبدو أنه يريده.
التحدي الحقيقي: جعل الأشياء الصغيرة تعمل جيداً
قد لا تكون الرؤية الجديدة من آبل هي الأكثر ضجيجاً في سوق الذكاء الاصطناعي، لكنها قد تكون من أكثرها واقعية إذا نجحت. فبدلاً من السعي إلى وعد كبير يغير كل شيء، تتجه الشركة إلى هدف أكثر تواضعاً: جعل الأشياء الصغيرة تعمل بسهولة أكبر.
وهذا بالضبط ما قد يمنحها أفضلية تنافسية. فالمستخدم لا يحتاج دائماً إلى نموذج يكتب النصوص أو يولد الصور بقدر ما يحتاج إلى نظام يفهم طلبه، ويتعامل مع التطبيقات، ويقلل الفوضى الرقمية المحيطة به. وإذا استطاعت آبل أن تجعل Shortcuts وسفاري يعملان بهذا الشكل، فقد تقدم نموذجاً مختلفاً للذكاء الاصطناعي: نموذجاً لا يطلب من المستخدم التكيف مع التقنية، بل يجعل التقنية تتكيف مع المستخدم.
النتيجة النهائية ما زالت مرهونة بالتطوير والدعم الواسع من المطورين، لكن الرسالة واضحة: آبل لا تريد أن تكون مجرد منافس آخر في سباق الشات بوت، بل منصة تحاول تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة عملية داخل الجهاز الذي يحمله المستخدم طوال الوقت.