تدفع شركة ريفيان نحو تصور مختلف لما يجب أن تكون عليه برمجيات السيارة الحديثة. الفكرة الأساسية لا تتعلق فقط بشاشة أكبر أو تطبيقات أكثر، بل ببناء سيارة تعمل كمنصة حوسبة متكاملة يمكن تحديثها وتوسيعها بمرور الوقت، مع دور متزايد للذكاء الاصطناعي بوصفه واجهة الاستخدام الرئيسية. وضمن هذا التوجه، تبدو الشركة أقل اقتناعاً بالحاجة إلى أنظمة عرض الهاتف مثل Apple CarPlay، كما ترى أن كثرة الأزرار المادية لم تعد الخيار الأفضل في المقصورة.
هذا التوجه يأتي في وقت توسع فيه ريفيان استراتيجيتها البرمجية عبر مشروع مشترك مع مجموعة فولكس فاجن، في خطوة تهدف إلى نقل بنيتها التقنية إلى عدد أكبر من السيارات الكهربائية، من الطرازات المتوسطة إلى العلامات الأعلى سعراً.
منصة موحدة للسيارات الكهربائية
بدأ المشروع المشترك بين ريفيان وفولكس فاجن قبل نحو عام ونصف، مدعوماً باستثمار يقترب من 6 مليارات دولار من فولكس فاجن. الهدف من هذه الشراكة هو بناء نظام تشغيل وهندسة كهربائية يمكن استخدامها في السيارات الكهربائية المستقبلية للمجموعة، بما يشمل علامات مثل أودي وعلامات أخرى جديدة.
تعتمد الفكرة على نقل خبرة ريفيان في تطوير البرمجيات الداخلية للسيارة إلى نطاق أوسع، مع الحفاظ على قدرة كل علامة تجارية على تقديم واجهتها الخاصة وشخصيتها المختلفة. بمعنى آخر، المنصة الأساسية مشتركة، لكن التجربة التي يراها السائق يمكن أن تختلف من علامة إلى أخرى.
وتتوقع ريفيان أن تكون سيارة R2 أول طراز يعتمد هذه البنية الجديدة، بينما يجري العمل أيضاً على استخدام التقنية في سيارة كهربائية منخفضة السعر من فولكس فاجن تستهدف فئة أوسع من المستهلكين.
لماذا تتغير صناعة السيارات برمجياً
ترى ريفيان أن صناعة السيارات تمر بتحول كبير بسبب زيادة اعتماد المركبات على الاتصال الدائم والقيادة الذكية والخصائص الرقمية. في الماضي، كانت السيارة تعتمد على عدد كبير من الوحدات الإلكترونية المنفصلة، وغالباً ما يأتي كل جزء من مورد مختلف ويؤدي مهمة محددة. هذا الأسلوب كان مقبولاً عندما كانت التوقعات من البرمجيات محدودة.
لكن مع السيارات الكهربائية الحديثة، أصبح المستخدم يتوقع تجربة مترابطة تشبه ما يراه في الأجهزة الذكية: دخول السيارة فيتعرف النظام عليه، يضبط المقعد والمقود والتكييف والترفيه تلقائياً، ويواصل العمل من خلال تحديثات مستمرة. تنفيذ هذه التجربة في البنية التقليدية يتطلب تنسيقاً معقداً بين عدد كبير من الأنظمة والموردين، ما يجعل التطوير بطيئاً ومكلفاً.
الحل الذي تتبناه ريفيان يقوم على تقليل عدد الحواسيب داخل السيارة والاعتماد على حواسيب أقوى وأكثر مركزية تعرف باسم الحواسيب المناطقية. بهذه الطريقة يصبح من الممكن تطوير الخصائص عبر منصة واحدة أكثر تكاملاً، بدلاً من توزيعها على مكونات منفصلة يصعب تنسيقها.
ما الذي يبنيه المشروع المشترك فعلياً
المشروع لا يركز على شاشات الترفيه فقط، بل على الطبقة العميقة التي تدير السيارة كلها: البنية الكهربائية، النظام التشغيلي، وتنسيق الوظائف الأساسية مثل الملاحة واستهلاك الطاقة والراحة داخل المقصورة والتحكم في الأنظمة المختلفة.
وفق هذا التصور، تنجز المنصة المشتركة ما بين 80 و90 بالمئة من العمل التقني الأساسي، ثم تتيح لكل علامة تجارية تخصيص التجربة النهائية. يمكن مثلاً أن تختلف واجهات العرض أو سلوك القيادة أو تصميم الرسوميات، لكن الأساس البرمجي يبقى واحداً.
هذا النموذج يتيح، نظرياً، خفض التعقيد وتكلفة المكونات، مع تسريع تطوير الخصائص الجديدة. كما يمنح فولكس فاجن فرصة لتبني نهج أكثر قرباً من شركات التقنية في تطوير المركبات الكهربائية.
مساعد ذكي بدلاً من طبقة إضافية فوق الشاشة
أحد أهم ملامح هذه الرؤية هو Rivian Assistant، وهو مساعد ذكي مدمج داخل السيارة. الفكرة هنا لا تقتصر على إضافة روبوت محادثة يجيب عن الأسئلة، بل إنشاء طبقة تحكم ترتبط مباشرة بأنظمة المركبة نفسها. لذلك يستطيع المساعد تنفيذ أوامر تتعلق بالسيارة، مثل تعديل بعض الإعدادات أو تفعيل أوضاع قيادة محددة أو التعامل مع وظائف متعددة بصياغة طبيعية.
وتؤكد ريفيان أن المساعد ليس مجرد واجهة منفصلة، بل جزء من نظام التشغيل نفسه. لهذا يمكنه فهم سياق السيارة والربط بين خصائصها المختلفة وبين خدمات المستخدم الرقمية.
هذا النهج يفتح الباب أمام استخدامات أكثر تعقيداً، مثل دمج التقويم مع الملاحة أو إنشاء تفاعلات تمتد إلى خدمات أخرى. الشركة عرضت مثالاً يتم فيه التخطيط لرحلة مع محطات شحن محددة وإضافة الملخص إلى التقويم وإرساله برسالة، وهي خطوة تشير إلى توجه أوسع نحو ما يسمى بالتكاملات الوكيلة، أي أنظمة تنفذ سلسلة من المهام عبر خدمات متعددة.
القيود الأمنية وحدود المساعد الصوتي
مع ذلك، لا يعني دمج الذكاء الاصطناعي داخل السيارة أن كل شيء سيكون قابلاً للتحكم صوتياً. ريفيان تشير إلى أن بعض الوظائف تبقى محجوبة عن المساعد لأسباب تتعلق بالسلامة والتنظيم، مثل وظائف مرتبطة بمساحات الزجاج أو بعض أنظمة القيادة على الطرق السريعة. كما أن هناك مهام لا تُفتح للمستخدم إذا لم يكن مستوى الاعتمادية كافياً.
هذا يوضح التحدي الحقيقي في استخدام النماذج اللغوية داخل المركبات: ليس المطلوب فقط أن يفهم المساعد اللغة الطبيعية، بل أن يتصرف ضمن ضوابط صارمة تمنع الأخطاء في القرارات الحساسة. لذلك تعتمد ريفيان على طبقة تنسيق داخلية تحدد ما الذي يمكن للمساعد الوصول إليه، وما الذي يجب منعه أو تقييده.
كما تعترف الشركة بأن التجربة ما زالت في بدايتها، وأن بعض الإجابات أو السلوكيات قد تحتاج إلى تصحيح عبر تحديثات هوائية لاحقة، وهي نقطة مهمة لأن نجاح هذا النوع من الأنظمة يعتمد على التحسين المستمر أكثر من اعتماده على الإطلاق الأولي.
لماذا ترفض ريفيان CarPlay في سياراتها
رغم أن المشروع المشترك مع فولكس فاجن قد يدعم خيارات مختلفة لعلامات أخرى، فإن ريفيان لا تبدو مستعدة لتبني CarPlay في سياراتها. مبررها الرئيسي هو أن أنظمة عرض الهاتف تستحوذ على الشاشة بالكامل وتفصل المستخدم عن التجربة المتكاملة التي تريد الشركة بناءها داخل السيارة.
من وجهة نظر ريفيان، القيمة الحقيقية تأتي من ترابط الملاحة مع أوضاع القيادة وكفاءة البطارية والتكييف وباقي الأنظمة. وإذا تم استبدال هذه الطبقة بواجهة الهاتف، فإن جزءاً كبيراً من التكامل يضيع. كما ترى الشركة أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي سيجعل الجدل حول CarPlay أقل أهمية مع الوقت، لأن المستخدم سيتجه إلى التفاعل مع السيارة بطريقة أكثر طبيعية عبر الصوت والمساعدات الذكية.
مع ذلك، لا تنكر الشركة أن الطلب على CarPlay كان مرتفعاً في بداياتها، لكنها تقول إن هذا الطلب تراجع مع تحسن خصائص النظام الداخلي وتوسع إمكاناته.
ماذا عن الأزرار التقليدية
تتبنى ريفيان موقفاً مماثلاً من الأزرار المادية. فهي ترى أن الصوت مرشح ليصبح الواجهة الرئيسية أثناء القيادة، لأن السائق يكون بحاجة إلى إبقاء انتباهه على الطريق. في هذا السياق، تعتبر الشركة أن الاعتماد على قوائم عميقة داخل الشاشة أو عدد كبير من الأزرار ليس الحل الأمثل على المدى الطويل.
لكن الموقف ليس رفضاً كاملاً للعناصر اللمسية. فالشركة ما زالت تقر بأن بعض وسائل التحكم اللمسية يمكن أن تبقى مفيدة، ولذلك تتحدث عن حلول وسط في الطرازات المقبلة، مثل عناصر تحكم لمسية أو مدمجة في عجلة القيادة للتعامل مع وظائف مثل التكييف.
هذا يعني أن ريفيان لا تقول إن السيارة ستصبح بلا أي تحكم مادي، بل إن الدور الرئيسي قد ينتقل تدريجياً من الأزرار إلى الصوت، مع الإبقاء على بعض نقاط التحكم اللمسية حيث تكون أكثر عملية.
الحوسبة المحلية والاعتماد على السحابة
يعتمد جزء من قدرات المساعد الحالي على الاتصال السحابي، ما يجعل جودة الشبكة عاملاً مؤثراً في سرعة الاستجابة. لكن ريفيان تخطط لتوسيع الحوسبة المحلية داخل السيارة في الأجيال القادمة، خصوصاً مع R2 التي ستدعم اتصال 5G وستضم قدرة أعلى لمعالجة تطبيقات الذكاء الاصطناعي محلياً.
وتقول الشركة إن بعض الأوامر البسيطة يمكن تنفيذها بالفعل عبر نموذج محلي صغير داخل السيارة، بينما ستسمح البنية الأحدث بتنفيذ نسبة أكبر من المعالجة على الجهاز نفسه. هذا لا يحسن زمن الاستجابة فقط، بل قد يقلل أيضاً من تكاليف الاعتماد على السحابة واستهلاك الاتصال.
أما على مستوى النماذج، فالشركة توضح أن بنيتها ليست مرتبطة بنموذج واحد فقط، بل مصممة للتعامل مع نماذج مختلفة. وهي تستخدم حالياً مزيجاً من نماذج داخلية للمهام المحلية ونماذج من Google في الجوانب السحابية.
إلى أين تتجه تجربة السيارة الذكية
الرسالة التي تحاول ريفيان ترسيخها واضحة: السيارة الحديثة لم تعد مجرد مركبة مزودة بشاشة، بل نظام حوسبة متصل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح مركزه التشغيلي. وهذا التحول لا يقتصر على تحسين الأوامر الصوتية، بل يمتد إلى طريقة بناء السيارة نفسها، من الهندسة الكهربائية إلى نظام التشغيل إلى شكل التفاعل بين المستخدم والخدمات المحيطة به.
لكن نجاح هذه الرؤية سيعتمد على أكثر من عامل: دقة المساعدات الذكية، وضوح حدودها الأمنية، سرعة الاستجابة، وقدرة الشركات على إقناع المستخدم بأن التجربة المدمجة أفضل فعلاً من عرض تطبيقات الهاتف على الشاشة. حتى الآن، تبدو ريفيان مقتنعة بأن هذا هو الاتجاه الصحيح، وبأن مستقبل السيارة سيُعرَّف بالذكاء الاصطناعي بقدر ما يُعرَّف بالبرمجيات.