الذكاء الاصطناعي والتقنية 28-Jun-2026 6 دقائق قراءة

دراسة: نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي يرتبط بجاهزية البشر أكثر من قوة الأدوات

رغم تسارع استثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي، تشير المعطيات إلى أن معظم المشاريع التجريبية لا تحقق عائداً ملموساً. السبب، وفق هذا الطرح، ليس ضعف التقنية بقدر ما هو غياب البنية البشرية المناسبة: التفكير المنضبط، وحوكمة القرار، وثقافة التعلم من الأخطاء.

تتسارع خطط الشركات لاعتماد الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، لكن الفجوة بين حجم الإنفاق والنتائج الفعلية ما زالت واسعة. وبينما تتعامل إدارات كثيرة مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً تقنياً بحتاً، تكشف الخبرة العملية أن التحدي الحقيقي غالباً ما يكون تنظيمياً وسلوكياً أكثر منه برمجياً.

المفارقة الأساسية اليوم أن المؤسسات تضخ ميزانيات كبيرة في المنصات والنماذج والبنية السحابية، ثم تكتشف أن الإنتاجية لم ترتفع بالقدر المتوقع. السبب في حالات كثيرة لا يعود إلى ضعف الأدوات نفسها، بل إلى غياب استعداد الموظفين والقيادات للتعامل معها وفق منهجية واضحة، وهو ما يجعل العائد النهائي أقل بكثير من التوقعات.

الأرقام تشير إلى مشكلة أعمق من التقنية

عدد من الدراسات الحديثة يرسم صورة مقلقة عن واقع تبنّي الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. فبحسب دراسة صادرة في 2025 عن معهد ماساتشوستس للتقنية، فإن 95% من برامج الذكاء الاصطناعي التجريبية في الشركات لا تحقق عائداً مالياً قابلاً للقياس. كما تشير أبحاث من BCG إلى أن 74% من الشركات تواجه صعوبة في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة يمكن توسيعها على نطاق واسع.

وتزداد الإشارة وضوحاً عندما نعلم أن 57% من المؤسسات التي تنشر حلول ذكاء اصطناعي تفعل ذلك لأن المنافسين يفعلون الأمر نفسه، لا لأن لديها خطة محددة أو حالة استخدام واضحة. هذا النوع من التبني القائم على الخوف من التخلف عن السوق قد يدفع الشركات إلى الاستثمار بسرعة، لكنه لا يضمن أبداً تحقيق النتائج.

كما أن وتيرة الإنفاق نفسها تتصاعد بسرعة. فقد أظهر استطلاع لـ Deloitte في 2025 أن 85% من المؤسسات رفعت استثماراتها في الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، بينما تخطط 91% لزيادة هذه الاستثمارات مرة أخرى. ومع ذلك، فإن نسبة محدودة جداً من هذه المؤسسات تحقق أثراً كبيراً على الأرباح، ما يعني أن المشكلة ليست في حجم الرهان، بل في طريقة إدارة الرهان.

لماذا تتعثر المبادرات رغم وفرة الأدوات؟

في كثير من البيئات المؤسسية، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه طبقة تقنية يمكن إضافتها فوق العمليات الحالية من دون تغيير عميق في طريقة العمل. لكن هذا الافتراض يثبت فشله سريعاً. فالذكاء الاصطناعي لا يعوض الفوضى التنظيمية، بل يكشفها ويضخمها. وإذا كانت القرارات بطيئة، أو الأدوار غير واضحة، أو آليات المتابعة ضعيفة، فإن النظام الجديد سيصبح مجرد تسريع للأخطاء القديمة.

كما أن المؤسسات غالباً ما تنفق على التقنية أكثر مما تنفق على إعادة تصميم العمل نفسه. فهي تشتري الأدوات، لكنها لا تعيد تدريب الموظفين على التفكير النقدي في مخرجاتها. وتبني أنظمة متقدمة، لكنها لا تطور الثقافة الداخلية التي تسمح باستخدام هذه الأنظمة بفعالية ومسؤولية. وهنا تظهر الفجوة الحقيقية بين التبني الشكلي والتحول الفعلي.

بكلمات أخرى، الذكاء الاصطناعي يعكس ما هو موجود أصلاً في المؤسسة. فإذا كانت البيئة البشرية تعاني من التردد أو الانحياز أو الخوف من الخطأ، فإن التقنية لن تصلح ذلك تلقائياً. بل قد تجعل العيوب أسرع انتشاراً وأكثر كلفة.

ثلاثة سلوكيات بشرية تعرقل العائد من الذكاء الاصطناعي

أول هذه السلوكيات هو الانحياز التأكيدي. في هذه الحالة، يستخدم بعض الموظفين أو المديرين الذكاء الاصطناعي فقط لتأكيد ما يعتقدونه مسبقاً، بدلاً من استخدامه كأداة لاختبار الفرضيات أو تحدي الافتراضات. وهكذا يتحول النموذج إلى مرآة فنية متقدمة، لا إلى شريك في التفكير.

السلوك الثاني هو التحفظ المفرط المتخفي في شكل حوكمة. فبعض المؤسسات تبني طبقات طويلة من المراجعة والموافقة تحت عنوان تقليل المخاطر، لكن النتيجة تكون إبطاء التنفيذ إلى درجة تفقد معها المخرجات قيمتها. في بيئة سريعة التغير، تصبح المعرفة المتأخرة شبه عديمة الفائدة.

أما السلوك الثالث فهو غياب ثقافة التعلم من الأخطاء. فالأنظمة الذكية تتحسن عبر التغذية الراجعة والتجريب المستمر، لكن الكثير من المؤسسات لا تزال تعالج الفشل بوصفه تهديداً يجب إخفاؤه. وعندما يخشى العاملون من الاعتراف بالخطأ، تنقطع الحلقة التي تسمح بتحسين الأداء لدى البشر والأنظمة معاً.

ما الذي تعنيه البنية البشرية الجيدة؟

إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى بيانات نظيفة وضوابط واضحة وحلقات تغذية راجعة، فإن النظام البشري يحتاج إلى ما يشبه هذه العناصر لكن بصيغة مختلفة. العنصر الأول هنا هو جودة التفكير؛ أي قدرة الموظفين على الملاحظة الدقيقة، وتحليل المعلومات بوضوح، والتمييز بين الإشارة والضجيج.

العنصر الثاني هو الانضباط السلوكي. ويشمل القواعد والعادات وأطر اتخاذ القرار التي تنظم العمل حتى تحت الضغط، لا في الظروف المثالية فقط. فالمؤسسة التي تعتمد على الاجتهاد الفردي دون معايير مشتركة ستجد صعوبة في الاستفادة من أدوات تعمل بكفاءة عالية وتتطلب وضوحاً في الاستخدام.

العنصر الثالث هو التعلم القائم على الفشل البنّاء. وهو قدرة المؤسسة على استخراج الدروس من التجارب غير الناجحة وتحويلها إلى تحسينات ملموسة في العمل. هذه الثقافة لا تظهر تلقائياً، بل تحتاج إلى دعم قيادي واضح، ونظم متابعة، ومناخ لا يعاقب على الخطأ عندما يكون جزءاً من عملية التعلم.

خطوات عملية أمام القيادات التنفيذية

أول خطوة هي التوقف عن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمجرد مشروع لتكنولوجيا المعلومات. فالمسألة أوسع من تركيب أداة جديدة أو شراء ترخيص إضافي. الذكاء الاصطناعي هو تحول في طريقة اتخاذ القرار وتوزيع المسؤولية وإعادة تصميم سير العمل، ولذلك يجب أن يُدار باعتباره أولوية أعمال لا مجرد تحديث تقني.

الخطوة الثانية هي إدخال التأمل المنظم في روتين العمل. الفرق عالية الأداء لا تنتظر نهاية الربع السنوي لتراجع ما حدث، بل تعتمد دورات مراجعة قصيرة ومنضبطة تطرح أسئلة محددة: ماذا تعلمنا؟ ما الافتراضات التي ثبت خطؤها؟ ما الذي يجب تعديله الآن؟ هذا النوع من المراجعة يمنع تكرار الأخطاء بوتيرة أسرع.

الخطوة الثالثة هي بناء حوكمة قرار واضحة. يجب أن يكون معروفاً من يقرر، وما المعلومات المطلوبة، وكيف يتم قياس النتائج مقارنة بالمنطق الذي قاد إلى القرار. وعندما تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بسرعة أعلى، تصبح الحوكمة الدقيقة شرطاً لتجنب التسرع غير المنضبط.

الخطوة الرابعة هي قياس الأثر الفعلي لا المدخلات. شراء الأدوات أو زيادة ساعات التدريب لا يساوي قيمة تشغيلية بالضرورة. المؤشرات الأهم هي جودة القرار، وسرعة التنفيذ، وكفاءة التكلفة، والقدرة على التمييز في السوق. من دون هذه المقاييس، قد تبدو المؤسسة نشطة بينما هي لا تحقق تحولاً حقيقياً.

الخطوة الخامسة هي أن تكون القيادة نفسها نموذجاً للسلوك المطلوب. الفضول الفكري، والارتياح للتجريب، والاستعداد للاعتراف بالخطأ والتعلم منه ليست صفات ناعمة كما يُظن أحياناً، بل هي متطلبات تشغيلية في بيئة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. فالثقافة التي تقوم على الخوف والإجهاد المعرفي قادرة على إفساد أفضل الأنظمة من الداخل.

الميزة التنافسية المقبلة ستكون بشرية بقدر ما هي تقنية

خلال السنوات القليلة المقبلة، من المرجح أن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها أكثر شيوعاً وأقل تميزاً. وعندها لن يكون التفوق لمن يملك النموذج الأحدث فقط، بل لمن يملك البيئة البشرية القادرة على استخدامه بحكمة ومرونة. بمعنى آخر، ستصبح جودة النظام البشري سقفاً لما يمكن أن يحققه النظام التقني.

المؤسسات التي ستنجح في المرحلة المقبلة هي تلك التي تدرك أنها تدير نظامين في الوقت نفسه: نظاماً تقنياً يزداد تطوراً، ونظاماً بشرياً يحتاج إلى قدر مماثل من الانضباط والتطوير. وإذا كان أحد النظامين أضعف من الآخر، فإن الأداء الكلي سيظل محدوداً.

الرسالة الأهم هنا بسيطة لكنها حاسمة: لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعوض ضعف الحكم البشري، ولا أن يصلح ثقافة مؤسسية تخاف من التعلم. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الخوارزمية وحدها، بل من العقل البشري الذي يفسرها ويستخدمها ويصحح مسارها.