الذكاء الاصطناعي والتقنية 13-Jan-2026 7 دقائق قراءة

CREAO تراهن على وكلاء الذكاء الاصطناعي الذاتيين لإعادة بناء تشغيل الشركات

تطرح CREAO رؤية تقوم على وكلاء ذكاء اصطناعي لا يكتفون بالمساعدة، بل ينفذون المهام بشكل مستمر داخل حلقات عمل مغلقة تشمل الذاكرة والتكاملات والمراجعة الذاتية، مع طموح لتغيير طريقة بناء البرمجيات وتشغيل الشركات.

تسعى شركة CREAO إلى ترسيخ فكرة مختلفة عن استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. فبدلاً من الاعتماد على أدوات محادثة تساعد الموظف على إنجاز مهمة واحدة في كل مرة، تبني الشركة منصة تهدف إلى إنشاء وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ العمل بشكل مستمر، والاحتفاظ بالسياق، والتعامل مع أدوات خارجية، ثم تحويل المهام الناجحة إلى تدفقات عمل قابلة لإعادة الاستخدام.

هذا التوجه يضع الشركة ضمن موجة متسارعة في سوق التقنية تعرف باسم الذكاء الاصطناعي الوكيلي، حيث لا يقتصر دور النظام على الإجابة أو الاقتراح، بل يمتد إلى تنفيذ المهام ومتابعتها وقياس نتائجها. الرهان هنا ليس على نموذج لغوي أفضل فقط، بل على طبقة تشغيل تجعل هذه النماذج جزءاً من دورة عمل كاملة داخل المؤسسة.

من الدردشة إلى التنفيذ المستمر

تنطلق رؤية CREAO من ملاحظة أن كثيراً من أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية ما زالت تعمل كواجهة محادثة: يطلب المستخدم مهمة، يحصل على نتيجة، ثم يتوقف كل شيء عند هذا الحد. في هذا النموذج، لا توجد ذاكرة تشغيلية حقيقية، ولا تكرار ذاتي منظم، ولا انتقال تلقائي من الفكرة إلى التنفيذ.

أما النموذج الذي تدفع به الشركة فيقوم على ما يمكن وصفه بـالحلقة المغلقة. في هذا الإطار، يبدأ النظام بمراقبة البيانات أو حالة العمل، ثم يحدد المشكلات أو الفرص، ويقترح الحلول، وينشئ وكلاء أو أدوات تنفذ تلك الحلول، وبعد ذلك يعيد تقييم النتائج ويعدل الأداء في الجولة التالية. بهذا المعنى، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عملية مستمرة وليس مجرد مساعد عند الطلب.

وتقول الشركة إن منصتها تدعم نماذج من عدة مزودين كبار، من بينهم OpenAI وAnthropic وGoogle، ما يشير إلى أنها تريد التموضع كطبقة تنسيق وتشغيل فوق النماذج، لا كمنافس مباشر لها.

خلفية تقنية من Meta وApple

يقود الجانب التقني في CREAO بيتر بانغ، الشريك المؤسس والمدير التقني، وهو يحمل خبرة بحثية وهندسية امتدت عبر Meta وApple ومؤسسات بحثية علمية. خلال فترة عمله في Meta، شارك في مبادرات مرتبطة بنماذج LLaMA، بما في ذلك أنظمة تعتمد على النماذج اللغوية في توليد البيانات الاصطناعية وعمليات الوسم. وقبل ذلك، عمل في Apple على تقنيات معالجة اللغة الطبيعية والتعلم العميق والأنظمة التنبؤية.

هذه الخلفية انعكست على مقاربة الشركة، التي ترى أن المشكلة لم تعد في قدرة النماذج على إنتاج النص أو الكود، بل في غياب النظام الذي يسمح لها بالعمل بشكل متصل داخل بيئات التشغيل الفعلية. وبدلاً من التركيز على قدرات النموذج وحدها، تراهن CREAO على تصميم بنية تجعل الوكلاء جزءاً من دورة تنفيذ وتحسين متكررة.

ما الذي يميز النظام المغلق عن المساعدات الذكية التقليدية

التمييز الأساسي الذي تطرحه الشركة هو الفرق بين الذكاء الاصطناعي المساعد والذكاء الاصطناعي المشغل. في الحالة الأولى، يظل الإنسان هو من يدير كل خطوة، بينما يقدم النظام اقتراحات أو مسودات أو أجزاء من الحل. في الحالة الثانية، يحدد الإنسان الهدف، بينما يتولى النظام التنفيذ والمتابعة والتحسين ضمن قواعد وحدود محددة.

وتصف CREAO منصتها على أنها إطار يربط الوكلاء بمصادر البيانات الفعلية داخل المؤسسة، مثل مستودعات الشيفرة البرمجية وسجلات الأخطاء وحسابات الإعلانات وأدوات العمل المختلفة. بعد هذا الربط، يبدأ النظام في التدقيق وتحليل الوضع الراهن، ثم يبني وكلاء متخصصة لتنفيذ مهام محددة، وتعود نتائج هذه المهام لتصبح مدخلاً للدورة التالية.

هذا النموذج قد يكون جذاباً للشركات التي تبحث عن تقليل الأعمال التشغيلية المتكررة، لكنه يطرح أيضاً أسئلة مهمة حول الاعتماد والحوكمة والجودة، خاصة عندما يتحول الوكيل من أداة اقتراح إلى طرف ينفذ فعلياً داخل بيئة الإنتاج.

إعادة تصميم هندسة البرمجيات حول الوكلاء

من أكثر النقاط لفتاً للانتباه في طرح الشركة قولها إن الجزء الأكبر من الكود في بيئتها الإنتاجية يكتب الآن بواسطة الذكاء الاصطناعي. لكن الفكرة الأهم ليست النسبة نفسها، بل البنية التي سمحت بذلك. فالشركة أعادت تنظيم قاعدة الشيفرة في مستودع موحد حتى تتمكن الأنظمة الآلية من رؤية الصورة الكاملة، بدلاً من التشتت عبر عدة مستودعات منفصلة يصعب على الوكلاء فهم العلاقات بينها.

كما طورت خطوط تكامل وتسليم مستمرة تمر عبر مراحل تحقق متعددة، إلى جانب مراجعات آلية تركز على جودة الكود والأمان والاعتماديات. في هذا السياق، يتراجع دور المهندس من كتابة الكود سطراً بسطر إلى تصميم النظام الذي يحدد قواعد الكتابة والمراجعة والتحقق.

هذا التحول ينسجم مع اتجاه أوسع في قطاع البرمجيات، حيث بدأت أدوات توليد الكود تتقدم من المساعدة الفردية إلى المشاركة في دورة التطوير الكاملة. لكن اعتماد هذا النموذج على نطاق واسع يتطلب بنية قوية للضبط، لأن الخطأ في بيئات الإنتاج لا يتعلق فقط بصحة الكود، بل أيضاً بالأمان والامتثال وتأثيره على المستخدمين.

المنظمات التي تقول إنها AI First

ترى CREAO أن كثيراً من الشركات التي تصف نفسها بأنها تعمل وفق نموذج AI First لم تغير في الواقع سوى الأدوات، بينما بقيت العمليات نفسها كما هي. فالاعتماد على مولدات النصوص في كتابة المواصفات، أو على أدوات برمجة ذكية في تسريع التطوير، لا يعني بالضرورة أن المؤسسة أعادت بناء طريقة اتخاذ القرار أو تنفيذ العمل.

من هذا المنظور، تكون المؤسسة معتمدة على الذكاء الاصطناعي بحق عندما تصبح العمليات نفسها مصممة على أساس وجود وكلاء قادرين على التنفيذ. فإذا كانت الهندسة البرمجية أسرع بفضل الذكاء الاصطناعي، لكن التسويق أو التخطيط أو التقارير التشغيلية ما زالت تعمل وفق السرعة البشرية التقليدية، فإن الاختناق ينتقل ببساطة من قسم إلى آخر.

ولهذا دفعت الشركة، وفق ما تعلنه، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في عدة وظائف داخلية، من توليد ملاحظات الإصدارات إلى إنتاج تقارير الصحة التشغيلية وإدارة بعض المحتوى والتنسيق بين الفرق.

الصيانة الذاتية للأنظمة البرمجية

أحد أكثر الجوانب طموحاً في رؤية CREAO هو ما تسميه الصيانة الذاتية. وتقول الشركة إنها تشغل بالفعل مسارات آلية لمراقبة الأنظمة في بيئة الإنتاج، وتحليل أنماط الأخطاء، وتجميع المشكلات المتشابهة، وتقييم شدتها، ثم إنشاء تذاكر متابعة تلقائياً مع بيانات تشخيصية ومسارات مقترحة للتحقيق.

وبعد دفع الإصلاحات، تمر طلبات الدمج على مراجعات متعددة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ثم يعاد فحص الأنظمة بعد النشر للتأكد من اختفاء الخطأ الأصلي. كما تعتمد الشركة نظام تقييم لردود الوكلاء الحية عبر أكثر من نموذج تحكيم، بحيث تتحول النتائج الضعيفة إلى دورة تصحيح إضافية.

هذا لا يعني أن البرمجيات باتت قادرة على إصلاح نفسها بالكامل، لكن الفكرة تشير إلى أن نسبة معتبرة من أعمال الصيانة المتكررة قد تصبح قابلة للأتمتة، خصوصاً في الحالات المعروفة أو المتكررة. أما المشكلات الغامضة أو تلك المرتبطة بقرارات معمارية أو تجارية، فما زالت تحتاج إلى تدخل بشري واضح.

تأثير محتمل على هيكل الشركات

النتيجة الأبعد لهذا النموذج ليست تقنية فقط، بل تنظيمية أيضاً. فإذا أصبحت مجموعة صغيرة من الأفراد قادرة على إدارة عمليات هندسية وتسويقية وتشغيلية عبر وكلاء مترابطين، فقد يتغير شكل الشركة نفسها. وتذهب CREAO إلى أن بعض الأنشطة الرقمية ذات الأعمال المتكررة وردود الفعل الواضحة قد تشهد انتشار شركات صغيرة جداً أو حتى شركات يديرها شخص واحد مدعوماً بطبقة من الوكلاء.

القطاعات الأقرب لهذا التحول هي الأعمال الرقمية التي تعتمد على معالجة المعلومات وتوزيعها، مثل إنتاج المحتوى، وعمليات التسويق، والتجارة الإلكترونية، وأدوات المطورين، وبعض الوكالات الرقمية. أما القطاعات الأبطأ تأثراً فهي المجالات التي ترتبط بتنظيم صارم أو عمل مادي مباشر أو قرارات حساسة عالية المخاطر، مثل الرعاية الصحية والصناعة الثقيلة وبعض المجالات القانونية.

ومع ذلك، حتى هذه القطاعات قد تشهد تقليصاً في الأعباء الإدارية والتشغيلية المحيطة بالعمل الأساسي.

تمويل جديد وسوق يتجه إلى طبقة التنفيذ

جمعت CREAO تمويلاً بقيمة 10 ملايين دولار بقيادة Prosperity7 Ventures، الذراع الاستثمارية التابعة لأرامكو السعودية، ليرتفع إجمالي ما جمعته الشركة إلى 25 مليون دولار عبر ثلاث جولات خلال أقل من عام، بحسب ما ورد في المحتوى المصدر. وترى الشركة أن هذا الدعم لا يقتصر على رأس المال، بل يفتح لها فرصاً للتوسع المؤسسي والجغرافي، خاصة في أسواق الشرق الأوسط وآسيا.

أهمية هذه الجولة تكمن أيضاً في الإشارة إلى أن المستثمرين بدأوا ينظرون بجدية إلى طبقة التنفيذ في الذكاء الاصطناعي، لا إلى النماذج الأساسية فقط. فمع تقارب القدرات العامة للنماذج الكبرى، قد تتحول الميزة التنافسية إلى الجهة التي تبني أفضل بنية لتشغيل هذه النماذج داخل الأعمال اليومية للشركات.

ما الذي يعنيه ذلك للسوق

ما تطرحه CREAO يعكس تحولاً أوسع في قطاع الذكاء الاصطناعي: الانتقال من الإعجاب بقدرة النموذج على الإجابة إلى تقييم قدرته على إنجاز العمل فعلياً. وإذا نجح هذا النموذج، فقد تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي أقل شبهاً بواجهات محادثة وأكثر شبهاً بطبقات تشغيل مؤسسية تتكامل مع الأنظمة وتدير أجزاء من العمل تلقائياً.

لكن النجاح هنا لن يعتمد على قوة النموذج وحدها. سيكون الحكم النهائي مرتبطاً بمدى موثوقية هذه الأنظمة، وقدرتها على العمل بأمان، ووضوح آليات المراجعة، وسهولة تدخل الإنسان عندما يكون ذلك ضرورياً. هذه هي النقطة التي قد تحدد ما إذا كانت وكلاء الذكاء الاصطناعي سيبقون أدوات مساعدة متقدمة، أم يتحولون فعلاً إلى بنية تشغيلية جديدة للشركات.