أعلنت Buildots عن إطلاق مختبر Buildots للذكاء الاصطناعي كمبادرة بحثية جديدة تهدف إلى تحويل البيانات التشغيلية في مواقع البناء إلى معرفة قابلة للقياس والمقارنة، في قطاع ما زال يعتمد في كثير من قراراته على التقارير اليدوية والخبرة المتراكمة أكثر من اعتماده على المعايير الموضوعية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه الحاجة داخل صناعة الإنشاءات إلى أدوات تمنح فرق العمل رؤية أدق للتقدم الفعلي، وتساعدها على اكتشاف الانحرافات في الوقت المناسب، بدل الاكتفاء بمراجعة متأخرة لما حدث بالفعل بعد أن تتفاقم التأخيرات والتكاليف.
المبادرة الجديدة لا تقتصر على تحسين أداء مشروع واحد، بل تسعى إلى بناء طبقة أوسع من الذكاء الصناعي تجمع بين القياس والتحليل والمقارنة بين المشاريع والقطاعات المختلفة. وبهذا تنتقل الشركة من مستوى المراقبة الميدانية للمشاريع إلى مستوى إنتاج معرفة قطاعية يمكن أن يستفيد منها المقاولون والمالكون والباحثون على حد سواء.
من مراقبة الموقع إلى استخلاص مؤشرات قطاعية
ترتكز منصة Buildots على التقاط الواقع الميداني عبر كاميرات بزاوية 360 درجة تُثبت على خوذات العاملين، ثم تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لمقارنة ما يتم تصويره مع نماذج BIM والجداول الزمنية وخطط التنفيذ. والنتيجة هي قياس آلي للتقدم، ورصد للفروق بين المخطط والمنفذ، واكتشاف مبكر للمخاطر التي قد تؤثر على التسليم.
هذا النموذج يمنح مديري المشاريع رؤية شبه لحظية لما تم تنفيذه فعليًا في الموقع، بدل الاعتماد على تقارير قد تتأخر أو تستند إلى تقديرات شخصية. وتقول الشركة إن استخدام هذه المنصة ساعد بعض المشاريع على تقليص التأخيرات بنسبة تصل إلى 50% نتيجة التعرف المبكر على المشكلات واتخاذ قرارات أسرع وأكثر استنادًا إلى البيانات.
الخطوة الجديدة هي توسيع لهذا النهج، إذ يجري تجميع البيانات من مشاريع متعددة حول العالم بعد إخفاء هوية المعلومات وتوحيدها، بحيث تتحول التفاصيل الميدانية إلى قاعدة معرفية أكبر يمكن أن تكشف أنماط الأداء عبر مختلف أنواع المشاريع وفرق العمل والمناطق الجغرافية.
فجوة البيانات في قطاع يعاني من القياس غير الموحد
لطالما واجهت صناعة الإنشاءات صعوبة في الإجابة عن أسئلة تبدو بسيطة، مثل: ما المستوى الطبيعي للإنتاجية في أحد التخصصات؟ وكيف يمكن مقارنة مشروع بآخر مشابه؟ وما المعدل الواقعي المتوقع لأعمال الميكانيكا والكهرباء والسباكة خلال أسبوع واحد؟
في كثير من الحالات، كانت الإجابات تعتمد على افتراضات تاريخية أو تقديرات داخلية محدودة أو خبرات شخصية لا تسمح بمقارنات دقيقة. هذه الفجوة في البيانات تعني أن الكثير من قرارات التخطيط والجدولة والموارد تُبنى على رؤية غير مكتملة، ما يزيد احتمالات التأخير ويصعّب إدارة المخاطر.
وتقول Buildots إن قطاع الإنشاءات افتقر طويلًا إلى ما يمكن وصفه بـالحقيقة الشاملة على مستوى الأداء الكلي، وهو ما جعل تحسين الإنتاجية أكثر صعوبة. ويهدف المختبر الجديد إلى سد هذه الفجوة من خلال نشر أبحاث تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:
- المقاييس: تعريف موحد لمؤشرات الأداء التي تقلل الاعتماد على الانطباعات الفردية.
- المعايير المرجعية: مقارنات بين أنواع المشاريع والمناطق والتخصصات المختلفة.
- الرؤى: تحليلات تكشف الاختناقات والأنماط المتكررة والمؤشرات المبكرة على التعثر.
وما يميز هذا النموذج أنه لا يعتمد على استطلاعات رأي تقليدية، بل على بيانات تشغيلية تُجمع باستمرار من مواقع عمل حقيقية، ما يمنحه درجة أعلى من الواقعية في تفسير الأداء الفعلي.
نتائج أولية تعيد رسم بعض الافتراضات
أولى الدراسات الصادرة عن المختبر كشفت عن مؤشرات لافتة قد تدفع شركات البناء إلى إعادة النظر في طريقة قياس الأداء. ومن أبرز النتائج أن مشاريع مراكز البيانات تسجل فجوة تتراوح بين 20% و50% بين الإنتاج الأسبوعي المخطط لأعمال MEP وبين ما يتم تسليمه فعليًا.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في ظل تسارع الطلب العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، حيث تصبح أي فجوة في التنفيذ عاملًا مباشرًا في تأخير التسليم ورفع التكلفة.
كما رصدت الأبحاث ما تصفه Buildots بتأثير الذيل الطويل، حيث يستغرق آخر 20% من بعض الأنشطة نحو 27% من إجمالي زمن التنفيذ. ويشير ذلك إلى أن التباطؤ في المراحل النهائية ليس مجرد استثناء، بل قد يكون سمة بنيوية متكررة في المشاريع الكبرى.
ومن النتائج الأخرى أن أعلى فرق MEP أداءً تنجز العمل بسرعة قد تصل إلى ثلاثة أضعاف الفرق المتوسطة، ما يعكس وجود فجوة كبيرة قابلة للردم عبر تحسين التخطيط، وتنسيق الفرق، وتسلسل الأعمال داخل الموقع.
أما على مستوى أنواع المشاريع، فقد جاءت المنشآت الصحية في المقدمة من حيث الالتزام الزمني بمتوسط يقارب 65%، تلتها مراكز البيانات بنحو 57%. في المقابل، تراوحت مشاريع القطاعات التجارية والصناعية في نطاق الأربعينيات المنخفضة إلى المتوسطة، بينما سجلت مشاريع التعليم أدنى مستويات الالتزام بأقل من 39%.
هذه الفوارق توضح أن الحكم على أداء المشروع لا ينبغي أن يقتصر على الانطباع العام، بل يحتاج إلى معايير مقارنة تأخذ في الاعتبار نوع المشروع وطبيعته وتعقيده التشغيلي.
الذكاء الاصطناعي يوسع دوره في البناء
تعكس هذه الخطوة تحولًا أوسع داخل قطاع الإنشاءات، حيث بدأ الذكاء الاصطناعي يتجاوز استخداماته التقليدية في أتمتة المستندات أو دعم التصميم أو تخطيط الجداول، ليتجه نحو المراقبة المستمرة للمواقع وتحليل التنفيذ في الزمن شبه الحقيقي.
وتدخل تقنيات مثل الرؤية الحاسوبية والتوأم الرقمي والتحليلات التنبؤية بصورة متزايدة في إدارة المشاريع، لأنها تمنح الفرق رؤية أكثر دقة لما يجري على الأرض، وتسمح بالتدخل قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى عوائق كبيرة. وفي هذا السياق، تجمع منصة Buildots بين التقاط الواقع والمقارنة مع الخطط والنماذج الرقمية لتكوين صورة متجددة عن التقدم في المشروع.
مختبر الذكاء الاصطناعي الجديد يضيف طبقة أخرى فوق هذه المنظومة، لأنه لا يكتفي باستخدام البيانات لصالح مشروع واحد، بل يعيد توظيفها لإنتاج معرفة عامة يمكن أن تدعم القطاع ككل.
نموذج بحثي قائم على المشاركة والخصوصية
تؤكد Buildots أن المختبر يعمل كوحدة بحثية مستقلة داخل الشركة، وأن هدفه الأساسي هو تطوير القطاع وليس إنتاج تقارير تجارية مغلقة. كما تدعو الشركة المهندسين والأكاديميين والمحللين والمستشارين ووسائل الإعلام إلى طرح أسئلة بحثية واقتراح فرضيات يمكن دراستها لاحقًا.
وتشير الشركة إلى أن البيانات المستخدمة في الأبحاث تخضع لعملية تجميع وإخفاء للهوية قبل إدراجها في قواعد التحليل، بما يحافظ على الخصوصية ويحد من ربط النتائج بمشاريع أو جهات بعينها.
هذا النهج يجعل المختبر أقرب إلى بنية معرفية مشتركة منه إلى أداة تسويقية، خاصة أنه يَعِد بإتاحة نتائجه مجانًا بدل حصرها ضمن اشتراكات أو تقارير مدفوعة. وفي صناعة طالما اعتمدت على الخبرة المتفرقة والبيانات غير المترابطة، قد تمثل هذه الخطوة بداية انتقال أوسع نحو قرارات أكثر دقة واستنادًا إلى الأدلة.
ومع استمرار توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الثقيلة، تبدو بيانات التنفيذ الميداني مرشحة لأن تصبح أحد أهم مصادر الميزة التنافسية. وفي قطاع الإنشاءات تحديدًا، قد يكون امتلاك معيار واضح للأداء أهم من امتلاك المزيد من البيانات غير المنظمة.