كشفت غوغل عن نموذج لغوي تجريبي جديد يحمل اسم DiffusionGemma، في خطوة تعكس انتقال تقنيات الانتشار من عالم توليد الصور إلى توليد النصوص. النموذج مفتوح المصدر، ويعتمد نهجاً مختلفاً عن النماذج اللغوية التقليدية التي تنتج الكلمات أو الرموز واحداً تلو الآخر، إذ ينشئ دفعة كاملة من الرموز بالتوازي ثم يعيد تنقيحها تدريجياً حتى يستقر الناتج النهائي.
يمثل هذا الطرح محاولة لخفض زمن الاستجابة في بعض بيئات التشغيل، خصوصاً عند الاستخدام المحلي أو في السيناريوهات ذات التزامن المنخفض، حيث لا تستفيد وحدات المعالجة الرسومية دائماً من النمط التقليدي للتوليد المتسلسل. وفي الوقت نفسه، لا تخفي غوغل أن هذا المكسب في السرعة يأتي على حساب مستوى الجودة العام مقارنةً بنموذج Gemma 4 القياسي.
توليد النصوص بأسلوب يشبه الانتشار في الصور
الفكرة الأساسية وراء DiffusionGemma تشبه ما تفعله نماذج الصور المعتمدة على الانتشار: يبدأ النظام من حالة غير مستقرة أو عشوائية، ثم يعيد تحسين المخرجات في عدة جولات. لكن بدلاً من الرسم على هيئة بكسلات، يعمل النموذج هنا على 256 رمزاً نصياً في وقت واحد، مع قدرة كل موضع على الانتباه إلى المواضع الأخرى داخل نفس الكتلة.
هذا الأسلوب يختلف جذرياً عن طريقة النماذج التوليدية المعتادة، التي تسلك مساراً أحادياً من اليسار إلى اليمين. ففي ذلك النهج التقليدي، يلتزم النموذج بكل رمز بمجرد إنتاجه، ولا يعود عادةً لتعديله. أما DiffusionGemma فيستطيع إعادة النظر في المواضع الأقل ثقة في الجولات اللاحقة، ما يفتح الباب أمام نوع من التصحيح الذاتي أثناء التوليد.
وتقول غوغل إن هذا التصميم يمنح النموذج قدرة أفضل على التعامل مع المهام المقيدة بقواعد أو شروط محددة، حيث قد يكون فهم السياق كاملاً ضرورياً قبل تثبيت الإجابة النهائية.
أداء أسرع في ظروف محددة
بحسب بيانات الأداء المنشورة، حقق DiffusionGemma مكاسب ملحوظة في السرعة عند التشغيل على بطاقات الرسوميات المخصصة، خاصة في بيئات المستخدم الواحد أو الحمل المنخفض. وعلى بطاقة Nvidia H100 واحدة وبحجم دفعة يبلغ 1، وصلت النسخة FP8 إلى 1008 رموز في الثانية، بينما سجلت على H200 نحو 1288 رمزاً في الثانية، وهي أرقام تضعه في نطاق يتجاوز النماذج التتابعية التقليدية بعدة أضعاف في هذا النوع من الاختبارات.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن النموذج سيكون الأسرع في كل مكان. ففي مراكز البيانات ذات الكثافة العالية، حيث تُجمَّع طلبات كثيرة في الوقت نفسه، تكون النماذج التقليدية قد استغلت العتاد إلى حد كبير بالفعل، وبالتالي تتراجع الفائدة النسبية لأسلوب التوليد المتوازي. بعبارة أخرى، القوة الحقيقية لـ DiffusionGemma تظهر عندما لا يكون الخادم مشغولاً بالكامل.
كما أن غوغل تتعامل بحذر مع هذه النتائج، وتؤكد أن النموذج الجديد ليس بديلاً عاماً عن Gemma 4 في المهام التي تتطلب أعلى جودة ممكنة.
بنية هجينة تدعم التشغيل على عتاد متنوع
بني DiffusionGemma على أساس Gemma 4، وجاء في هيئة نموذج Mixture of Experts بحجم 26 مليار معلمة، لكن ما يُفعَّل منه أثناء الاستدلال لا يتجاوز 3.8 مليار معلمة. هذا الأسلوب يساعد على الموازنة بين الحجم الكلي الكبير وكفاءة التشغيل الفعلية.
وتشير غوغل إلى أن النموذج، بعد الكمية المناسبة من الضغط الحسابي، يمكن أن يعمل ضمن حدود ذاكرة 18 غيغابايت تقريباً، ما يجعله مناسباً لعتاد استهلاكي مثل بطاقات RTX 4090 و5090، إلى جانب تحسينات خاصة بعتاد Hopper وBlackwell في بيئات المؤسسات. وهذه نقطة مهمة لأن كثيراً من نماذج الذكاء الاصطناعي السريعة تظل محصورة في الخوادم الكبيرة، بينما يحاول هذا المشروع توسيع نطاق الاستخدام ليشمل التشغيل المحلي.
ومن الجانب البرمجي، احتاج دمج النموذج مع vLLM إلى تعديلات إضافية، لأن آلية العمل هنا لا تتطابق مع أسلوب الخدمة المعتاد في المنصة. فالنموذج ينتقل بين أنواع مختلفة من الانتباه أثناء قراءة الطلب ثم تنقيح الكتلة النصية ثم تثبيت الناتج، وهو ما استدعى تطوير آلية تبديل بين الانتباه السببي والانتباه ثنائي الاتجاه داخل البنية التحتية نفسها.
التصحيح الذاتي ونتائج المهام المقيدة
من أبرز خصائص DiffusionGemma أنه لا يكتفي بإنتاج تسلسل ثابت من الرموز، بل يعامل بعض المواضع على أنها قابلة للمراجعة. فإذا تبيّن أن موضعاً ما منخفض الثقة، يمكن للنموذج أن يعيد تقييمه في الجولة التالية بدلاً من السير قدماً على أساس قرار خاطئ. هذه القدرة تمنحه أفضلية واضحة في بعض المهام التي تتطلب الاتساق الداخلي أو استيفاء قيود محددة.
ولإظهار ذلك، اختبرت غوغل النموذج على مهمة حل سودوكو بعد ضبطه على مجموعة بيانات متخصصة. ووفق النتائج المنشورة، لم يتمكن النموذج الأساسي من حل أي لغز، لكن بعد التدريب المتخصص بلغت نسبة النجاح 80%، كما انخفض عدد خطوات إزالة الضوضاء اللازمة للوصول إلى الحل من 48 خطوة إلى 12 فقط. هذه النتيجة توضح أن البنية الجديدة ليست مجرد تحسين في السرعة، بل تحمل كذلك ميزة في التصحيح التكراري عندما تكون المهمة منظمة وقابلة للتقيد بقيود واضحة.
في المقابل، تظل جودة المخرجات في النصوص المفتوحة والمهام العامة أقل من أداء Gemma 4 القياسي، وهو ما يجعل الاختيار بين النموذجين مرتبطاً بنوع الاستخدام أكثر من كونه ترقية مطلقة.
متى يكون DiffusionGemma خياراً مناسباً؟
تبدو القيمة العملية للنموذج أوضح في ثلاث حالات: التشغيل المحلي، والاستخدام الفردي، والسيناريوهات ذات التزامن المنخفض. في هذه البيئات، يمكن أن يساهم التوليد بالتوازي في تقليل زمن الانتظار وتحسين الاستفادة من العتاد، خاصة عندما تكون حدود الذاكرة أو عرض النطاق الترددي هي القيد الأساسي.
كما قد يكون النموذج خياراً جديراً بالتجربة في المهام المقيدة مثل إكمال الأكواد، أو توليد القوالب، أو الحالات التي تعتمد على معلومات تأتي من أكثر من اتجاه داخل النص. في هذه التطبيقات، قد يكون الانتباه ثنائي الاتجاه والتصحيح الذاتي أكثر فائدة من نمط التوليد التسلسلي التقليدي.
أما في خدمات الاستدلال عالية الكثافة داخل السحابة، فالفائدة تبدو أقل وضوحاً، لأن النماذج القائمة أصلاً قد تكون قادرة على ملء العتاد بشكل فعال للغاية. لذلك، لا يقدّم DiffusionGemma حلاً سحرياً لكل بيئات الذكاء الاصطناعي، لكنه يوسع الخيارات المتاحة أمام المطورين الذين يبحثون عن توازن مختلف بين السرعة والجودة.
دلالة أوسع على مستقبل النماذج اللغوية
الأهمية الحقيقية لإطلاق DiffusionGemma لا تتعلق فقط بأرقام الأداء، بل بالإشارة التي يرسلها إلى سوق النماذج اللغوية: ليس من الضروري أن يظل التوليد النصي أسيراً للترتيب الأحادي من البداية إلى النهاية. فمع نضج العتاد وأطر التشغيل، قد تصبح البنى البديلة أكثر قدرة على خدمة حالات استخدام متخصصة كانت تبدو سابقاً خارج نطاق التطبيق العملي.
ومن خلال دعمه الأصلي في vLLM وتوفيره بصيغة مفتوحة المصدر، يدخل النموذج مباشرة إلى نقاش أكبر حول الشكل الذي قد تتخذه البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة. هل سيكون التركيز على الجودة القصوى؟ أم على السرعة؟ أم على نماذج هجينة تتبدل بنيتها بحسب المهمة؟ DiffusionGemma لا يحسم الإجابة، لكنه يضيف مساراً جديداً يستحق المتابعة.