03-Jul-2026 6 دقائق قراءة

تقرير Genpact وHFS: فجوة جاهزية الذكاء الاصطناعي تحبس 17.9 تريليون دولار في قيمة الشركات

يرصد تقرير جديد فجوة كبيرة بين طموحات الشركات في الذكاء الاصطناعي واستعدادها التشغيلي، ويقدّر أن معالجة ديون العمليات والبيانات والتكنولوجيا والمهارات قد تطلق قيمة هائلة عبر الشركات الكبرى.

يكشف تقرير جديد صادر عن Genpact بالتعاون مع HFS Research أن الشركات الكبرى تضخ استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، لكن كثيراً منها لا ينجح في تحويل هذه الإنفاقات إلى نتائج أعمال ملموسة. ووفقاً للتقرير، فإن المشكلة الأساسية لا تتمثل في نقص أدوات الذكاء الاصطناعي أو ضعف النماذج المتاحة، بل في تراكم أربع طبقات من الديون المؤسسية التي تعيق التنفيذ وتقلل العائد: ديون العمليات، والبيانات، والتكنولوجيا، والمهارات.

ويقدّر التقرير أن معالجة هذه العوائق يمكن أن تطلق ما يقرب من 17.9 تريليون دولار من القيمة المهدرة داخل الشركات المصنفة ضمن كبرى المؤسسات العالمية. هذا الرقم يعكس حجم الفجوة بين ما تتوقعه الشركات من الذكاء الاصطناعي، وبين ما تسمح به بنيتها التشغيلية الحالية.

طموح مرتفع واستعداد محدود

اعتمد التقرير على استطلاع شمل 2002 من كبار التنفيذيين عبر 16 قطاعاً و14 وظيفة أعمال، ما يمنحه صورة واسعة عن واقع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. وتُظهر النتائج أن الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، وخاصة الأنظمة الوكيلة التي تنفذ المهام وتدير سير العمل، يفوق بكثير مستوى الجاهزية الفعلية.

فبينما يعتقد 92% من التنفيذيين في شركات Global 2000 أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير جذرياً طريقة تنفيذ العمل، يقول 13% فقط إن هذه التقنيات أصبحت مدمجة بالفعل في عملياتهم اليومية. هذه الهوة تبرز ما يسميه التقرير «فجوة سرعة الذكاء الاصطناعي»، أي الفرق بين قدرة الموظف الفردية على الاستفادة من الأدوات الذكية، وبين قدرة المؤسسة ككل على تحويلها إلى أنظمة إنتاجية منظمة.

ويشير التقرير إلى أن التحول الحقيقي لا يبدأ بإضافة طبقة ذكاء اصطناعي فوق الأنظمة الحالية، بل بإصلاح القاعدة التشغيلية التي يعمل فوقها هذا الذكاء. فكلما كانت البنية الداخلية أكثر تشتتاً أو أقدم أو أقل انضباطاً، تقلصت فرص النجاح وارتفعت كلفة التوسع.

الديون الأربع التي تعطل التقدم

يحدد البحث أربع فئات من الديون المؤسسية التي تفسر بطء العوائد من مشاريع الذكاء الاصطناعي.

أولاً: الدين التكنولوجي، وهو الأكثر وضوحاً للشركات. أكثر من نصف التنفيذيين وصفوه بأنه شديد الخطورة، ويرتبط ذلك بأنظمة أساسية قديمة، وتعقيدات التكامل بين المنصات، واعتماد مفرط على عدد محدود من الموردين، إضافة إلى عبء صيانة البنية القائمة. ويشير التقرير إلى أن متوسط عمر النظام الأساسي في الشركات يقارب عشر سنوات، فيما تستهلك فرق التطوير أكثر من 40% من وقتها في الحفاظ على الأنظمة الحالية بدلاً من بناء قدرات جديدة.

ثانياً: دين البيانات، وهو وفق التقرير العقبة الأكبر أمام الذكاء الاصطناعي. أكثر من نصف بيانات المؤسسات مصنفة على أنها منخفضة الجودة، ولا يُعد سوى 33% منها جاهزاً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما يقضي الموظفون ما يصل إلى 40% من وقتهم في تنقية البيانات أو مواءمتها أو تصحيحها. ويقدّر التقرير أن مشكلات جودة البيانات مسؤولة عن تأخير أو تعثر 42% من مبادرات التحليلات والذكاء الاصطناعي.

ثالثاً: دين العمليات، ويعكس استمرار الاعتماد على تدفقات عمل يدوية ومجزأة وضعيفة الحوكمة. نحو نصف العمليات المؤسسية لا تزال تتطلب تدخلاً يدوياً، وأقل من نصفها موثق ومحكوم بإجراءات رسمية. هذا الواقع يستهلك نحو 40% من وقت العمل لدى الموظفين ويعرقل أتمتة المهام وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي.

رابعاً: دين المهارات، وهو الأقل ظهوراً لكنه قد يكون الأكثر تأثيراً على المدى الطويل. فالتقرير يذكر أن 32% فقط من القوى العاملة تُعد جاهزة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، بينما يعاني عدد كبير من العاملين المعرفيين من الإحباط الناتج عن البطء التشغيلي وتكرار العمل اليدوي. ومع اتساع فجوات المهارات، تصبح كل طبقة من الطبقات الثلاث الأخرى أصعب في المعالجة.

تكاليف تشغيلية وتأخير في التحول

يرى التقرير أن هذه الديون ليست مجرد تحديات تقنية، بل أعباء مالية واستراتيجية مباشرة. فقرابة 90% من قادة الشركات يعترفون بأن هذه الديون تؤثر بالفعل في الأداء التشغيلي والنتائج التجارية.

وبحسب النتائج، ترفع هذه الأعباء التكاليف التشغيلية بمتوسط 34%، وتؤخر إطلاق المنتجات بنحو ثمانية أشهر، كما تتسبب في فشل نحو 34% من مبادرات التحول في تحقيق العائد المتوقع. والأهم من ذلك أن 85% من المؤسسات التي شملها الاستطلاع لا تزال عاجزة عن تحقيق القيمة الكاملة من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.

ويؤكد التقرير أن هذه الديون لا تعمل بشكل منفصل. فالبنية التكنولوجية القديمة تضعف جودة البيانات، والعمليات غير المنضبطة تخلق أخطاء إضافية في البيانات، وضعف الحوكمة يفاقم نقص المهارات ويبطئ التبني. ومن هنا، فإن التعامل مع كل مشكلة على حدة غالباً ما ينتج حلولاً جزئية لا تغير الصورة الكلية.

فرصة اقتصادية ضخمة إذا أُزيلت العوائق

يقدّر التقرير أن حل هذه المشكلات قد يتيح للشركات الكبرى تحقيق نمو سنوي أسرع بنحو 8%، إلى جانب خفض سنوي في التكاليف يقترب من 16%. وهذه النتائج لا تعني فقط توفير النفقات، بل تمتد إلى تسريع إطلاق المنتجات وتقليص دورات المبيعات وتحسين القرارات الداخلية وتعزيز تجربة العملاء.

ومن حيث حجم الفرصة، يضع التقرير الدينين المتعلقين بالعمليات والبيانات في الصدارة، إذ يمثل كل منهما نحو 7.7 تريليون دولار من القيمة القابلة للاسترداد. أما الدين التكنولوجي فيمثل نحو 1.5 تريليون دولار، فيما يضيف دين المهارات ما يقرب من تريليون دولار أخرى.

هذه الأرقام توضح أن القيمة المهدرة ليست نتيجة خطأ واحد، بل حصيلة سنوات من تراكم البنية القديمة فوق البنية القديمة، من دون إعادة تصميم شاملة لطريقة العمل. لذلك، لا يُنظر إلى معالجة هذه الديون باعتبارها إصلاحاً داخلياً فقط، بل كوسيلة مباشرة لتعزيز النمو التنافسي.

لماذا تتعثر المشاريع في مرحلة التجربة

رغم ارتفاع الإنفاق، لا تزال كثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي عالقة في مرحلة النماذج التجريبية. ويضع التقرير السبب الأول في جودة البيانات، إذ أشار 33% من المشاركين إلى أن هذا العامل هو الأكثر إعاقة لتحقيق العائد. ويأتي بعده الدين التكنولوجي بنسبة 28%، ثم دين العمليات بنسبة 23%، وأخيراً دين المهارات بنسبة 16%.

ويختلف أثر كل نوع من هذه العوائق. فضعف البيانات يبقي المشاريع في نطاق إثبات الفكرة، بينما يرفع الدين التكنولوجي كلفة النشر ويصعب التوسع. أما العمليات المضطربة فتؤدي إلى نتائج غير مستقرة عند استخدام الأنظمة الوكيلة، في حين يبطئ نقص المهارات تبني الأدوات الجديدة ويضعف الرقابة البشرية المطلوبة.

وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع تعويض البنية المؤسسية الضعيفة إلى أجل غير مسمى. فإذا جرى نشره فوق عمليات معطلة وبيانات رديئة، فإن النتيجة غالباً ستكون توسيع الخلل بدل إصلاحه.

القطاعات الأكثر استفادة من معالجة الديون

لا تتوزع الفرصة بالتساوي بين القطاعات. فالتقرير يشير إلى أن التصنيع يتصدر القائمة بإمكانات تقترب من 4.8 تريليون دولار، يليه قطاع الرعاية الصحية وعلوم الحياة بنحو 3.3 تريليون دولار، ثم تجارة التجزئة والسلع الاستهلاكية المعبأة بحوالي 2.7 تريليون دولار. كما تظهر فرص مهمة في الطاقة، والتكنولوجيا، والخدمات المصرفية، والنقل، والتأمين.

وتختلف طبيعة الدين من قطاع إلى آخر. فالمؤسسات المالية تعاني غالباً من دين البيانات نتيجة عمليات الدمج والاستحواذ والتعقيدات التنظيمية. أما التصنيع والتجزئة والرعاية الصحية فتواجه عادة ديناً أكبر في العمليات بسبب تعدد الأطراف وطول دورات العمل. وفي قطاعات مثل علوم الحياة وأجهزة التكنولوجيا، يكون الدين التكنولوجي أعلى بسبب الأنظمة المدمجة والقيود التنظيمية.

وعلى مستوى الوظائف، تبدو فرق الهندسة وتطوير المنتجات وتقنية المعلومات الأكثر قدرة على خلق القيمة، لأنها الأقرب إلى البنية التي تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى أداة قابلة للتوسع أم سيبقى مجرد مشروع تجريبي.

النسبة الصغيرة التي نجحت في التنفيذ

من أبرز ما أورده التقرير أن 6% فقط من المؤسسات تصنف ضمن فئة «معالجي الديون الناجحين». وهذه المجموعة لم تكتفِ بوضع خطط، بل نفذت برامجها وقاست نتائجها. وفي المقابل، تعمل 43% من الشركات حالياً على معالجة هذه الديون، بينما لا تزال 51% بلا خطة واضحة أو بخطة غير معتمدة أو في مرحلة ما قبل البداية.

وتشترك المؤسسات الناجحة في مجموعة من السمات: تعتبر معالجة الديون مسؤولية على مستوى الإدارة العليا، لا مجرد مهمة تقنية؛ تتبنى استراتيجية مزدوجة السرعة تجمع بين الإصلاح البنيوي طويل المدى والتحسينات التشغيلية السريعة؛ تستثمر في الحوكمة، وتطوير المهارات، ومنصات البيانات، وجاهزية الذكاء الاصطناعي؛ وتستخدم الذكاء الاصطناعي نفسه لتسريع الإصلاح، عبر تحليل العمليات وتحسين جودة البيانات ودعم التدريب الداخلي.

ويخلص التقرير إلى أن الفرق بين المؤسسات الناجحة وغيرها لا يعود في الأساس إلى توفر التقنية، بل إلى سرعة التنفيذ والانضباط الإداري. فالشركات التي تبدأ بإصلاح بنيتها قد تكون الأقدر على الاستفادة من الموجة المقبلة من الذكاء الاصطناعي، بينما قد تجد الشركات الأخرى نفسها تنفق أكثر لتحصل على أقل.

وبهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي أمام الذكاء الاصطناعي في الشركات لا يكمن في النماذج نفسها، بل في جاهزية المؤسسة التي تريد تشغيلها. ومن ينجح في سد فجوة الجاهزية قد يفتح الباب أمام قيمة اقتصادية هائلة، بينما سيبقى المتأخرون عالقين بين الطموح والتجربة.