03-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تغيّر نماذج تسعير SaaS والذكاء الاصطناعي يربك ميزانيات أقسام التقنية في الشركات

تشهد أسواق البرمجيات المؤسسية تحوّلاً سريعاً في نماذج التسعير مع انتقال بعض مزودي SaaS والذكاء الاصطناعي من اشتراكات المقاعد إلى التسعير القائم على الاستخدام أو النتائج، ما يزيد من صعوبة التنبؤ بالتكاليف بالنسبة لمديري التقنية والمالية.

تحوّل واسع في سوق البرمجيات المؤسسية

تشهد أسواق البرمجيات السحابية والذكاء الاصطناعي مرحلة إعادة تشكيل واضحة في طريقة احتساب الأسعار، مع اتساع الاعتماد على نماذج جديدة قد تبدو أكثر مرونة لكنها تنقل جزءاً أكبر من المخاطر إلى الشركات المشترية. وفي الوقت الذي اعتادت فيه المؤسسات على التسعير الثابت لكل مستخدم، أصبحت أمام مشهد أكثر تعقيداً تحكمه عوامل مثل حجم الاستخدام، وعدد الوكلاء الآليين، والنتائج القابلة للقياس.

هذا التحول لا يقتصر على أدوات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل يمتد إلى أجزاء من سوق SaaS التقليدي أيضاً، حيث يدفع الضغط التنافسي المزودين إلى مراجعة نماذجهم القديمة. والنتيجة هي بيئة شراء أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ارتباطاً بسلوك الموظفين والأنظمة داخل المؤسسة.

بالنسبة لفرق التقنية والمالية، فإن المشكلة الأساسية لم تعد فقط في ارتفاع الأسعار، بل في صعوبة تقدير الفاتورة مقدماً. فحين ينتقل التسعير من عدد المقاعد إلى الاستخدام الفعلي، تصبح التكلفة متغيرة بطبيعتها، وقد تقفز بشكل مفاجئ إذا ارتفع الاعتماد على الأدوات أو توسع استخدامها عبر الأقسام.

من التسعير لكل مستخدم إلى التسعير حسب القيمة

لطالما اعتمدت البرمجيات المؤسسية على نموذج المقاعد، الذي يمنح الشركات درجة معقولة من الوضوح المالي: عدد الموظفين يساوي تقريباً قيمة الاشتراك. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع صعود الأدوات المؤتمتة، خصوصاً تلك التي تؤدي مهاماً كانت تحتاج سابقاً إلى فرق بشرية كاملة.

في المقابل، يدفع بعض موردي SaaS نحو التسعير القائم على النتائج، وهو نموذج يبدو جذاباً للمديرين الماليين لأنه يربط الدفع بما تحققه الأداة فعلياً. غير أن تطبيقه في بيئات المؤسسات الكبرى ليس سهلاً، لأن قياس الأثر الحقيقي لأي أداة قد يتداخل مع عوامل عديدة أخرى مثل العمليات الداخلية وجودة البيانات وسرعة الاستجابة البشرية.

وتشير التوقعات إلى أن نسبة متزايدة من إنفاق الشركات على البرمجيات ستتحول خلال السنوات المقبلة نحو نماذج تعتمد على الاستخدام أو الوكلاء أو النتائج. وهذا يعني أن سوق البرمجيات يتجه تدريجياً بعيداً عن الصيغة التقليدية، نحو مزيج أكثر تعقيداً من التسعير الهجين.

الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف وحدة القياس

أحد أكثر العوامل تأثيراً في هذا التحول هو انتشار الوكلاء الأذكياء. فهذه الأدوات لا تعمل كمساعد بسيط فقط، بل يمكنها تنفيذ مهام متسلسلة كانت تتطلب سابقاً عدة موظفين. وهنا تظهر المشكلة الجوهرية لنموذج المقاعد: إذا كانت الأداة تنجز العمل نيابة عن المستخدم، فما الذي يتم احتسابه بالضبط؟

هذا السؤال يضع الشركات أمام مفارقة جديدة. فالقيمة لم تعد مرتبطة مباشرة بعدد الأشخاص الذين يستخدمون البرنامج، بل بمدى قدرة النظام على إنجاز العمل بسرعة وفعالية. لذلك يرى كثير من المتخصصين أن نموذج التسعير لكل مستخدم يفقد جزءاً من منطقيته عندما يصبح المستخدم الفعلي هو وكيل آلي لا يشغل مقعداً ولا يلتزم بعدد ساعات عمل ثابت.

لكن هذا لا يعني أن التسعير حسب الاستخدام هو الحل النهائي. فكلما زاد الاعتماد على الوكلاء الآليين، زاد استهلاك الرموز الحسابية أو الموارد التنفيذية، وهو ما قد يرفع الكلفة الإجمالية بشكل ملحوظ. وفي بيئات التطوير والعمليات، يمكن لهذا الاستهلاك أن يتضخم بسرعة إذا تُرك دون رقابة.

التسعير القائم على النتائج يواجه تحديات القياس

رغم أن التسعير القائم على النتائج يُطرح باعتباره نموذجاً أكثر عدلاً، فإن تطبيقه العملي يصطدم بعقبة أساسية: من الذي يحدد النتيجة، وكيف يتم التحقق منها؟ ففي المؤسسات الكبرى قد تكون النتائج النهائية نتاج سلسلة من الأنظمة والفرق والقرارات، وليس مجرد مخرجات أداة واحدة.

هذا التعقيد قد يفتح الباب أمام خلافات بين المورد والعميل حول ما إذا كانت النتيجة قد تحققت بالفعل، أو ما إذا كانت تستحق الرسوم المتفق عليها. كما أن بعض النماذج القائمة على النتائج قد تدفع الموردين إلى تحسين المؤشرات القابلة للقياس على حساب جودة الكود أو مرونة البنية التقنية على المدى الطويل.

وبعبارة أخرى، قد يبدو النموذج القائم على النتائج مناسباً على الورق، لكنه في الواقع يحتاج إلى تعريفات صارمة وعقود دقيقة وقياسات متفق عليها مسبقاً. ومن دون ذلك، يتحول من أداة لتخفيف المخاطر إلى مصدر جديد للنزاع والغموض.

ارتفاع أسعار أدوات الذكاء الاصطناعي يزيد الضغط على الميزانيات

إلى جانب تعقيد النماذج، تواجه الشركات ارتفاعاً ملموساً في أسعار أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها. فبعد أن كانت بعض الأدوات مجانية أو منخفضة التكلفة قبل سنوات قليلة، أصبحت اليوم تأتي برسوم شهرية أعلى بكثير لكل موظف، مع وجود طبقات مميزة قد تصل إلى مستويات مرتفعة للغاية.

وفي بعض الحالات، لا تستخدم المؤسسة أداة واحدة فقط، بل مجموعة من الأدوات المتداخلة وظيفياً، ما يعني تضاعف الإنفاق من دون أن يقابل ذلك بالضرورة تضاعف في القيمة. هذه الظاهرة تجعل مراجعة محفظة البرمجيات أمراً ضرورياً، لأن التكرار بين التطبيقات قد يرفع الفاتورة السنوية إلى مستويات يصعب تبريرها.

كما أن تسعير النماذج المتقدمة نفسها لا يسير في اتجاه واحد. فبينما تتنافس الشركات المطورة على تخفيض الأسعار في بعض الفئات، تواصل فئات أخرى الارتفاع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالنماذج الأكثر تقدماً أو الأعلى استهلاكاً للموارد.

ما الذي يجب أن تفعله فرق التقنية الآن

في ظل هذا المشهد، لم يعد من الكافي شراء الأدوات ومتابعة الفواتير في نهاية الشهر. المطلوب اليوم هو مراقبة أدق للاستخدام، وربط كل خدمة بالقيمة التي تضيفها فعلياً إلى الأعمال. وهذا يعني أن فرق التقنية بحاجة إلى أدوات قياس واضحة ترصد الاستهلاك، وتحدد الأنماط غير المتوقعة، وتكشف مبكراً عن الخدمات التي لا تحقق عائداً يتناسب مع تكلفتها.

كما يصبح من المهم اختبار النماذج الجديدة على نطاق محدود قبل التوسع فيها. فالتجارب التجريبية تسمح للمؤسسات بفهم سلوك التسعير، وقياس الأثر التشغيلي، وتقدير المخاطر المرتبطة بأي نموذج جديد قبل التزام ميزانيات كبيرة.

ومن جهة أخرى، باتت ممارسات إدارة الإنفاق على السحابة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن التحدي لم يعد محصوراً في خوادم البنية التحتية، بل امتد إلى كل وحدة استهلاك رقمية، من الرموز الحسابية إلى الوكلاء الآليين إلى رخص الاشتراك الفردية.

المستقبل الأقرب: نماذج هجينة لا نموذج واحد

المرجح في المدى القريب أن السوق لن يستقر على نموذج واحد فقط. فالتسعير لكل مقعد سيبقى مناسباً لبعض التطبيقات التي تعتمد أساساً على التفاعل البشري. والتسعير حسب الاستخدام سيظل ملائماً للمنصات البرمجية وواجهات البرمجة التي تنمو مع حجم العمل. أما التسعير القائم على النتائج فسيجد مكانه في الحالات التي يمكن فيها قياس المخرجات بوضوح.

لكن النموذج الهجين يبدو الأقرب إلى التوازن، لأنه يوفّر للموردين قدراً من الاستقرار المالي، وفي الوقت نفسه يمنح المشترين مرونة أكبر في مواءمة التكلفة مع الاستفادة الفعلية. هذا التوازن قد لا يزيل الغموض بالكامل، لكنه على الأقل يخفف من حدة القفزات المفاجئة في الفواتير.

وفي النهاية، سيكون نجاح المؤسسات في هذه المرحلة مرتبطاً بقدرتها على تحويل التسعير من مسألة محاسبية إلى مسألة تشغيلية استراتيجية. فاختيار نموذج الشراء لم يعد قراراً روتينياً، بل جزءاً من إدارة المخاطر التقنية والمالية في عصر تتغير فيه قواعد القيمة نفسها.