يراهن جيفري لاي، مؤسس ورئيس IrisGo التنفيذي، على أن المرحلة التالية من تطور الذكاء الاصطناعي لن تكون مجرد روبوتات دردشة أكثر ذكاءً، بل طبقة تشغيل جديدة للحاسوب الشخصي قادرة على فهم طريقة العمل وتنفيذها. وبعد أكثر من 12 عاماً في Apple، ساهم خلالها في تطوير Siri وقيادة هندسة اللغة الخاصة بها، يعتقد لاي أن الصناعة ما زالت تعالج المشكلة الخطأ: تحسين الإجابات بدلاً من تمكين الأنظمة من إنجاز المهام.
تقوم رؤية IrisGo على بناء «نظام تشغيل للذكاء الاصطناعي» يعمل مباشرة على أجهزة AI PC، ويستفيد من قدرات المعالجة المخصصة محلياً داخل الجهاز. الفكرة ليست في فتح نافذة محادثة أخرى، بل في مراقبة سير العمل عبر التطبيقات، وتعلم الخطوات المتكررة من خلال العرض مرة واحدة، ثم إعادة تنفيذها تلقائياً عندما يحتاجها المستخدم. وبذلك تنتقل الأتمتة من مستوى الاقتراح إلى مستوى الفعل.
من Siri إلى IrisGo: مشكلة السياق التي لم تُحل
خلال عمله على Siri، واجه لاي حدوداً تقنية متكررة تتعلق بفهم السياق. فالمستخدمون لا يتحدثون غالباً على شكل أوامر منفصلة، بل ضمن تاريخ مشترك ومشاريع قائمة ومهام مترابطة. هذا الفرق، بحسب رؤيته، هو ما جعل كثيراً من المساعدات الصوتية جيدة في التعامل مع الطلبات البسيطة، لكنها أقل كفاءة عندما يتعلق الأمر بسير عمل طويل يمتد عبر أكثر من تطبيق أو أكثر من مرحلة.
ويرى لاي أن هذه القيود كشفت فجوة أعمق في تصميم واجهات الذكاء الاصطناعي. فالنموذج السائد يقوم على أن يكتب المستخدم سؤالاً فيحصل على جواب، بينما العمل الحقيقي على الكمبيوتر لا يشبه السؤال والجواب، بل يشبه سلسلة من الإجراءات: جمع بيانات، مقارنات، تنسيق ملفات، وإدخال نتائج في مستند أو بريد إلكتروني أو نظام داخلي. لهذا السبب، بحسب وصفه، لم يعد التحدي هو فهم اللغة فقط، بل فهم سياق الشخص وما يحاول إنجازه فعلياً.
لماذا يختلف نظام تشغيل ذكي عن مساعد محادثة
التمييز الذي تطرحه IrisGo واضح: المساعد ينتظر أن يتم استدعاؤه، أما نظام التشغيل الذكي فيبقى حاضراً داخل البيئة الرقمية كلها. وفي هذا التصور، لا يعود الذكاء الاصطناعي تطبيقاً منفصلاً، بل طبقة تعمل فوق الملفات والبرامج والمتصفح والبريد الإلكتروني، وتتعلم أنماط السلوك بعد الحصول على الإذن المناسب من المستخدم.
وتستند هذه الفكرة إلى تشبيه تاريخي بالحوسبة الشخصية نفسها. كما جعلت أنظمة التشغيل القديمة استخدام الكمبيوتر أكثر سهولة عبر توحيد التجربة، تحتاج أجهزة AI PC اليوم، من وجهة نظر لاي، إلى طبقة مماثلة تنظّم قدرات النماذج الكبيرة وتحولها إلى أدوات عملية. ومن دون هذه الطبقة، تصبح الرقائق القوية والقدرات الحسابية العالية أقل فائدة مما تبدو عليه على الورق.
في هذا الإطار، لا تكتفي IrisGo بتقديم توصيات أو إجابات نصية، بل تسعى إلى أن تكون «العقل التشغيلي» الذي يفهم أين توجد البيانات، وكيف ترتبط الخطوات ببعضها، ومتى ينبغي التدخل البشري ومتى يمكن المتابعة بشكل تلقائي.
التعليم عبر العرض مرة واحدة بدلاً من كتابة أوامر معقدة
إحدى الأفكار الأساسية في المنتج هي ميزة «المشاهدة والتعلم»، وهي تقوم على أن المستخدم يؤدي المهمة مرة بالطريقة المعتادة، ثم يتعلم النظام النمط ويعيد تطبيقه لاحقاً. بالنسبة للاي، هذه الطريقة أقرب إلى أسلوب التدريب البشري الطبيعي: حين ينضم موظف جديد إلى فريق، لا يُطلب منه أن يكتب وصفاً نظرياً دقيقاً لكل خطوة، بل يتم إظهار الطريقة له مرة أو أكثر حتى يكررها.
هذه الفلسفة تأتي في مواجهة مباشرة مع عيوب التوجيه النصي التقليدي. فكتابة التعليمات تصبح مرهقة كلما زادت تعقيدات المهمة وتعددت التطبيقات والملفات والقرارات الجزئية. كما أن كثيراً من المستخدمين لا يستطيعون بدقة وصف كل خطوة في سير عملهم اليومي. لذلك، ترى IrisGo أن المحاكاة البصرية للسلوك أفضل من محاولة ترجمة العمل البشري إلى سلسلة طويلة من الأوامر.
النتيجة المتوقعة هي أتمتة أكثر قرباً من الواقع: المستخدم ينجز المهمة مرة واحدة، والنظام يحتفظ بالنمط، ثم ينفذ المهمة لاحقاً دون الحاجة إلى إعادة الشرح في كل مرة.
الوكيل الذكي الحقيقي ليس روبوت دردشة متقدماً
في الوقت الذي تسوّق فيه شركات عديدة منتجاتها على أنها «وكلاء ذكاء اصطناعي»، يميز لاي بين الوكيل الحقيقي وبين روبوت محادثة مضاف إليه بعض الأدوات. فبرأيه، الوكيل المستقل يحتاج إلى سياق دائم، وقدرة على اتخاذ قرارات، ومواصلة العمل حتى عندما لا يكون المستخدم يراقب الشاشة في كل لحظة.
أما الأنظمة الحوارية، فهي بطبيعتها تفاعلية وردية: سؤال ثم جواب ثم توقف. وعندما يتغير السياق أو يحدث خطأ في إحدى الخطوات، غالباً ما تعود هذه النماذج لطلب تعليمات جديدة. لهذا يعتبر لاي أن الفجوة بين المحادثة الذكية والاستقلال التشغيلي ما زالت كبيرة، وأن كثيراً مما يُقدَّم اليوم على أنه وكيل ذكي لا يزال قريباً من مستوى المساعدات النصية المتقدمة.
وفي المقابل، تسعى IrisGo إلى بناء نموذج يتعامل مع هدف واضح، ويعرف حدود البيئة التي يعمل داخلها، ويمكنه أن يقرر الاستمرار أو المحاولة مجدداً أو رفع المهمة إلى الإنسان عند الحاجة. هذا الفرق، بحسب الرؤية المطروحة، هو ما سيحدد فعلياً من يستطيع تنفيذ العمل ومن يكتفي بشرحه.
الذاكرة المحلية والخصوصية على الجهاز
أحد أكبر التحديات في هذا النوع من المنتجات هو التوازن بين التخصيص والخصوصية. لكن لاي يرفض فكرة أن الاثنين متعارضان بالضرورة. فالتصميم الذي تتبناه IrisGo يعتمد على المعالجة المحلية في معظم العمليات، بحيث تبقى الملفات والسياق وسير العمل داخل الجهاز نفسه، بينما لا يُستخدم السحاب إلا عندما يوافق المستخدم صراحة على ذلك.
ويعني هذا النهج أن النظام لا يحتاج إلى إعادة بناء الشخصية الرقمية أو تذكّر السياق في كل جلسة من جديد، لأن الذاكرة المستمرة تحتفظ بالمشاريع والتفضيلات والعادات المرتبطة بطريقة العمل. كما أن الاعتماد على السياق المحلي يمنح النظام قدرة أفضل على فهم ما يحدث فعلاً على الكمبيوتر، بدلاً من النظر إلى مدخلات معزولة لا تعكس البيئة الكاملة.
في الوقت نفسه، يطرح هذا النموذج معياراً مختلفاً للثقة: ليس فقط أن يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً، بل أن يكون جديراً بإدارة العمل الحساس على جهاز شخصي.
التوزيع عبر الشراكات مع مصنعي الحواسيب
جانب آخر مهم في استراتيجية IrisGo يتعلق بالتوزيع. فالمنتج يُشحن بالفعل مع أجهزة من Acer، مع خطط للتوسع إلى مصنعين آخرين. ويرى لاي أن تاريخ التكنولوجيا يثبت أن المنصات لا تنتصر بالجودة التقنية وحدها، بل بقدرتها على الوصول إلى المستخدم منذ لحظة تشغيل الجهاز.
ويقول إن وجود النظام مثبتاً مسبقاً على AI PC يغيّر معادلة التبني بالكامل. فبدلاً من أن يبحث المستخدم عن الأداة أو يحملها أو يقرر تجربتها لاحقاً، يجدها مدمجة في الجهاز من البداية. وتستهدف الشركة أن تصبح طبقة التشغيل الافتراضية للحواسيب المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو رهان يتطلب حضوراً قوياً مع الشركاء الكبار في سوق الحواسيب.
وتشير الشركة إلى أنها موجودة بالفعل على 3 ملايين جهاز محمول من Acer سيتم شحنها خلال العام، فيما تستمر المحادثات مع مصنّعين من الفئة الأولى. وفي سوق يتحرك بسرعة نحو دمج الذكاء الاصطناعي في العتاد والبرمجيات معاً، يصبح التوزيع جزءاً من المنتج نفسه.
حوكمة الوكلاء الذكيين في بيئة العمل
مع توسع استخدام الوكلاء الذكيين في الفوترة والبحث والتقارير والمهام الإدارية، تظهر أسئلة جديدة حول التحقق والمساءلة. ومن أبرز هذه الأسئلة القدرة على تتبع ما فعله النظام، ولماذا اختار مساراً معيناً، وما المصادر التي استند إليها. فبدون سجل تدقيق واضح، يصعب على المؤسسات مراقبة الأخطاء أو الامتثال للمعايير التنظيمية.
كما يبرز سؤال الحدود: ما الذي يمكن تفويضه إلى الذكاء الاصطناعي بالكامل، وما الذي يحتاج إلى مراجعة بشرية؟ هذه ليست مسألة تقنية فقط، بل سياسة داخلية وثقافة عمل وتدريب. فإذا توسعت قدرات الوكيل بشكل تدريجي من دون إطار واضح، قد تجد الشركات نفسها أمام قرارات حساسة اتُخذت دون إشراف كاف.
لهذا يؤكد لاي أن المؤسسات التي تبدأ مبكراً في بناء قواعد الحوكمة ستملك أفضلية واضحة عندما تصبح هذه الأدوات أكثر انتشاراً. فكلما زادت قدرات الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى قواعد تشغيل واضحة ومسؤوليات محددة.
مستقبل الحوسبة: الذكاء الاصطناعي يبتعد عن نافذة الدردشة
عندما ينظر لاي إلى السنوات الخمس المقبلة، يتوقع أن يتراجع التفاعل المباشر مع الذكاء الاصطناعي عبر الدردشة لصالح نماذج أكثر خفاءً واندماجاً في الخلفية. ففي هذا المستقبل، لا يعود المستخدم مضطراً لتنفيذ كل خطوة بنفسه، لأن الجهاز سيتولى الأعمال الروتينية والمرهقة، بينما يحتفظ الإنسان بالمهام التي تتطلب حكماً وخبرة وإبداعاً.
ويشبّه هذا التحول بما يحدث في أنظمة الطيران الآلي، حيث لا يعمل الطيار يدوياً طوال الرحلة، بل يتدخل عندما تتطلب المهمة قراراً بشرياً معقداً. وبالمنطق نفسه، ستتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل التعامل مع المهام القاعدية والقابلة للتكرار، لتتحول العلاقة بين الإنسان والكمبيوتر من استخدام الأدوات إلى توجيهها.
الرهان النهائي الذي يضعه مؤسس IrisGo هو أن الكمبيوتر الشخصي لن يظل مجرد جهاز يستجيب للأوامر، بل سيصبح شريكاً في تنفيذ العمل. وفي سوق يزداد فيه التركيز على AI PC، يبدو هذا الرهان انعكاساً واضحاً لتغير أعمق في مفهوم الحوسبة نفسه.