أعلنت شركة Liquid AI، التي أسسها باحثون سابقون في معهد MIT، عن أحدث وأصغر نماذجها اللغوية LFM2.5-230M، في خطوة تعكس تسارع الاهتمام بالنماذج الخفيفة المصممة للتشغيل المحلي بدلاً من الاعتماد الكامل على السحابة.
النموذج الجديد يضم 230 مليون معامل فقط، لكنه موجه إلى مهام محددة مثل استخراج البيانات وبناء التدفقات الوكيلية على الأجهزة الطرفية. وتقول الشركة إن هذا الحجم الصغير يتيح تشغيله تقريباً في أي مكان، بما في ذلك الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وبعض منصات الروبوتات.
وبحسب ما أعلنته الشركة، فإن النموذج يتفوق في اختبارات مختارة على نماذج أكبر منه بأكثر من أربعة أضعاف، خاصة في سيناريوهات استخراج البيانات. كما تفوق على نسخ تضم 800 مليون معامل و1 مليار معامل في بعض معايير هذا النوع من المهام.
تركيز على الكفاءة بدل التوسع في الحجم
في الوقت الذي تتجه فيه شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى رفع عدد المعاملات إلى مئات المليارات أو حتى تريليونات المعاملات لتحقيق قفزات في القدرات العامة، تسير Liquid AI في اتجاه مختلف يقوم على الكفاءة المعمارية وتقليل متطلبات الذاكرة والطاقة.
وتعتمد الشركة في هذا النموذج على بنية LFM2، وهي بنية هجينة تجمع بين الالتفافات قصيرة المدى وآلية انتباه مجمعة الرؤوس، بهدف معالجة التسلسل النصي بكفاءة أعلى من البنى التقليدية القائمة بالكامل على الانتباه. هذا التصميم يساعد على خفض العبء الحسابي مع الحفاظ على سرعة استدلال مرتفعة.
وتؤكد الشركة أن النموذج تم تدريبه على 19 تريليون رمز ضمن حزمة صغيرة نسبياً، ما يدعم فكرة أن الأداء القوي لا يرتبط بالضرورة بحجم المعاملات فقط، بل أيضاً بكيفية تصميم البنية وتوزيع التدريب.
أداء موجه للتشغيل المحلي
أحد أبرز عناصر التمايز في LFM2.5-230M هو قدرته على العمل على العتاد المحدود. فالشركة تقول إن النموذج يستهلك أقل من 400 ميغابايت من الذاكرة، مع سرعات استدلال مرتفعة مقارنة بنماذج قريبة في الحجم.
وعلى هاتف Samsung Galaxy S25 Ultra المزود بمعالج Snapdragon Gen4، وصل معدل فك التشفير إلى 213 رمزاً في الثانية، بينما سجل على Raspberry Pi 5 نحو 42 رمزاً في الثانية. هذه الأرقام تشير إلى قابلية عملية لتشغيله في بيئات لا تتوافر فيها موارد حوسبة كبيرة أو اتصال دائم بالسحابة.
كما تدعم البنية نافذة سياق تصل إلى 32 ألف رمز، وهو ما يمنح النموذج قدرة على التعامل مع مستندات طويلة أو تدفقات بيانات مستمرة، مثل سجلات الروبوتات أو المستندات التنظيمية أو النماذج التجارية متعددة الصفحات.
استخدامات مؤسسية في استخراج البيانات
تراهن Liquid AI على أن القيمة التجارية الكبرى للنموذج ستظهر في وظائف استخراج البيانات الآلية. فالمؤسسات لا تزال تعتمد على سلاسل ETL تقليدية وقواعد صلبة لتنسيق البيانات وتحويلها، وهي أنظمة تتعطل بسهولة عند تغير بنية المستند أو اختلاف تنسيق المصدر.
في المقابل، تميل الشركات إلى ما يُعرف اليوم بـ AI ETL، أي استخدام نماذج تعلم الآلة لفهم المستندات غير المنظمة واستخراج الحقول ذات الصلة وتحويلها إلى صيغ قابلة للمعالجة مثل JSON. هنا تبرز أهمية نموذج صغير وسريع ورخيص التشغيل، خاصة عندما تكون المهمة متكررة وروتينية مثل معالجة الفواتير أو رسائل البريد أو نماذج الويب.
ومن هذه الزاوية، ترى الشركة أن استخدام نموذج ضخم ومكلف لمعالجة مهام بسيطة ومكررة ليس خياراً اقتصادياً عملياً، بينما يمكن لنموذج صغير مثل LFM2.5-230M أن ينجز المهمة داخل الجهاز نفسه وبزمن تأخير أقل وتكلفة تشغيل محدودة.
مؤشرات أداء تتجاوز الفئة نفسها
بحسب النتائج التي نشرتها الشركة، حقق النموذج 43.26 نقطة في اختبار BFCLv3 الخاص باستخدام الأدوات، متقدماً على IBM Granite 4.0-350M، ومتجاوزاً أيضاً نموذجاً بحجم 1 مليار معامل من Google في هذا السياق.
وفي اختبار CaseReportBench المخصص لاستخراج البيانات، سجل 22.51 نقطة، وهو ما وضعه في موقع متقدم مقارنة بنماذج أكبر. وتُظهر هذه النتائج أن النموذج ليس مصمماً للمنافسة في المهام الاستدلالية الثقيلة مثل الرياضيات المتقدمة أو البرمجة المعقدة، بل في الطبقة التشغيلية التي تحتاج إلى سرعة وانضباط في تنفيذ المهام.
بمعنى آخر، لا يحاول LFM2.5-230M أن يكون نموذجاً عاماً عملاقاً، بل أداة دقيقة لمهام بعينها، حيث تكون الكفاءة والاعتمادية أهم من الاتساع المعرفي المطلق.
تجارب على الروبوتات والمهام الوكيلية
أحد التطبيقات التي عرضتها الشركة يتمثل في تشغيل النموذج على روبوت Unitree G1 البشري عبر وحدة NVIDIA Jetson Orin المدمجة. وفي هذا السيناريو، نجح النموذج في تحويل أوامر لغوية مفتوحة إلى خطة منظمة متعددة الخطوات، قبل تمريرها إلى مهارات منخفضة المستوى مخصصة للحركة والتنفيذ.
هذا النوع من الاستخدام يوضح الاتجاه المتنامي نحو الوكلاء العاملين على الجهاز نفسه، حيث لا تحتاج الروبوتات أو الأنظمة الطرفية إلى إرسال كل شيء إلى خادم خارجي لتفسير الأوامر. وبدلاً من ذلك، يمكن للنموذج الموجود محلياً أن يتولى الفهم والتخطيط الأولي بسرعة أكبر واستقلالية أعلى.
كما أطلقت Liquid AI النموذج مع دعم واسع من اليوم الأول ضمن منظومة التشغيل والاستدلال، بما في ذلك llama.cpp وMLX وvLLM وSGLang وONNX، إضافة إلى توفره على Hugging Face. هذا التوافق يسهل على المطورين دمجه في منتجات وتجارب مختلفة دون تعديلات معقدة.
ترخيص تجاري محدود النطاق
طرحت الشركة النموذج تحت ترخيص LFM Open License v1.0، وهو ترخيص يسمح بالاستخدام والتعديل والتوزيع، لكنه لا يُعد ترخيصاً مفتوح المصدر بالمعنى المعتمد لدى Open Source Initiative.
وبحسب شروط الترخيص، يمكن للأفراد والباحثين والشركات التي تقل إيراداتها السنوية عن 10 ملايين دولار استخدام النموذج مجاناً. أما الشركات الأكبر، فتحتاج إلى اتفاق تجاري مدفوع للحصول على حق الاستخدام في البيئات الإنتاجية.
هذا النهج يعكس محاولة من الشركة لتحقيق توازن بين نشر النموذج على نطاق واسع لدى المطورين والصحافيين التقنيين والباحثين، مع الحفاظ على حماية اقتصادية أمام الشركات الكبرى التي قد تستفيد منه تجارياً دون مقابل.
إشارة إلى مرحلة جديدة في سوق النماذج الصغيرة
إطلاق LFM2.5-230M يأتي في وقت يتزايد فيه الاهتمام بالنماذج الصغيرة التي يمكن تشغيلها محلياً، سواء على الهواتف أو الحواسيب الشخصية أو الأجهزة الصناعية. ويبدو أن السوق لم يعد يقيس النجاح فقط بحجم النموذج، بل أيضاً بقدرته على تقديم قيمة عملية في بيئات محدودة الموارد.
ومن هذا المنطلق، يقدم النموذج الجديد من Liquid AI مثالاً على جيل من النماذج المصممة لتأدية وظيفة دقيقة بكفاءة عالية، بدلاً من محاولة التفوق الشامل في كل معيار. وإذا نجحت الشركات في تحويل هذا الاتجاه إلى منتجات مستقرة، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي المحلي عنصراً أساسياً في أدوات استخراج البيانات، والروبوتات، وأنظمة الأتمتة المؤسسية خلال المرحلة المقبلة.