04-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تقرير: الشركات المتوسطة تستثمر في الذكاء الاصطناعي لكن العائد التشغيلي ما زال محدوداً

يكشف تقرير جديد أن شركات الفئة المتوسطة تسرّع تبني الذكاء الاصطناعي عبر أقسام متعددة، لكن غياب الخبرة الداخلية والحوكمة الموحدة يحولان دون تحويل التجارب إلى قيمة أعمال قابلة للقياس.

تواجه الشركات المتوسطة معادلة صعبة في الذكاء الاصطناعي: الميزانيات تتوسع، والأدوات تنتشر، والمشاريع التجريبية تتكاثر، لكن الأثر الحقيقي على الأعمال لا يزال أقل من التوقعات. فبينما تسعى هذه الشركات إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في التمويل والتسويق وتقنية المعلومات والعمليات، يبقى السؤال الأهم معلقاً: ماذا تغيّر هذه الاستثمارات فعلياً؟

تشير المعطيات الواردة في تقرير حديث عن نبض السوق لدى الشركات المتوسطة إلى أن المشكلة ليست في ضعف الطموح، بل في طريقة التنفيذ. فالتبني يجري بسرعة في أقسام متفرقة، إلا أن الترابط بين هذه الجهود ما زال محدوداً، وهو ما يجعل القيمة المتولدة أقل مما كان مخططاً له.

ويضع التقرير هذه الفجوة في صورة رقمية واضحة عبر مؤشر تبني الذكاء الاصطناعي، الذي سجل 35 نقطة فقط من أصل 100. هذا المستوى يضع معظم الشركات ضمن فئة “التبني المجزأ”، وهي مرحلة تجمع بين غياب الاستخدام المنظم وبين الاستكشاف الأولي دون استراتيجية ناضجة. وبصيغة أخرى، الشركات لا تتجاهل الذكاء الاصطناعي، لكنها غالباً تتعامل معه كحالات منفصلة لا كقدرة تشغيلية موحدة.

تبنٍ متقدم في بعض الأقسام ومتأخر في أخرى

عند تفكيك النتائج حسب الوظائف الداخلية، تظهر فروق واضحة بين الأقسام. فقد جاء أداء تقنية المعلومات والأمن السيبراني في المقدمة بدرجة 41، تلاه التسويق والمبيعات بدرجة 40، بينما تراجع تطوير المنتجات والبحث والتطوير إلى 25 فقط. ولا يقترب أي من هذه الأقسام من مستوى “التبني المبكر” الذي يبدأ عند 36 نقطة، ما يعني أن المشهد العام ما زال في مرحلة التجريب المبعثر.

هذه الصورة تعكس نمطاً شائعاً في الشركات المتوسطة: المبادرات موجودة، لكن كل فريق يعمل وفق أولوياته الخاصة. قد ينجح قسم المالية في أتمتة التقارير، أو يستخدم التسويق أدوات توليد المحتوى، أو يجري فريق التقنية اختبارات أولية، إلا أن هذه الجهود لا تتجمع غالباً في إطار واحد يربط البيانات والحوكمة والنتائج التشغيلية.

النتيجة أن الأداء يبدو نشطاً من الخارج، لكنه يفتقد البنية التي تحول التجارب إلى قدرة مؤسسية قابلة للتوسع.

نقص الخبرة الداخلية يبقى العقبة الأبرز

أحد أهم ما يكشفه التقرير هو أن نحو نصف المؤسسات المشاركة اعتبرت نقص الخبرة الداخلية في الذكاء الاصطناعي العائق الأكبر أمام التقدم. وهذه النسبة تفسر الكثير من التعثر الذي تواجهه الشركات في مراحل التطبيق الأولى.

فالمواهب القادرة على تصميم حلول الذكاء الاصطناعي وإدارتها نادرة ومكلفة، وغالباً ما تجذبها الشركات الكبرى أو المؤسسات التقنية التي تملك فرقاً متخصصة ومسارات عمل أكثر وضوحاً. أما في الشركات المتوسطة، فيُطلب من المسؤول الأول عن الذكاء الاصطناعي أن يضع الاستراتيجية، ويدير المخاطر، ويعيد تصميم العمليات، ويقود التبني، ويواكب في الوقت نفسه تغيرات تقنية متسارعة.

هذا العبء يجعل الدور أكبر من الموارد المتاحة في كثير من الحالات. وحتى عندما تنجح الشركات في التوظيف، فإن شخصاً واحداً لا يستطيع وحده تحويل المؤسسة بأكملها. المطلوب عادة ليس مجرد خبير إضافي، بل منظومة دعم تشمل القيادة والفرق التشغيلية والتدريب وإدارة التغيير.

وتكررت في السنوات الأخيرة حالات استثمرت فيها الشركات في أدوات مخصصة أو منصات مؤسسية واسعة، ثم اكتشفت لاحقاً أنها لم تضع خطة واضحة للصيانة أو التدريب أو دمج المستخدمين في سير العمل. عند هذه النقطة، لا تكون المشكلة في التقنية نفسها، بل في ما يحيط بها من تنظيم وتبني.

مكان الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة يحدد نتائجه

يشير التقرير أيضاً إلى أن موقع الذكاء الاصطناعي داخل الهيكل التنظيمي يحدد بشكل مباشر مستوى استفادته. فعندما يُحصر داخل قسم تقنية المعلومات، يميل إلى التحول إلى مشروع تقني بحت، تظل قراراته بيد المختصين، بينما تبقى ملكية النتائج التشغيلية ضبابية.

في هذا النموذج، تعتمد المشاركة على حماس الأفراد أكثر من اعتمادها على مسؤولية جماعية. وقد تدعم الإدارة العليا المشروع نظرياً، لكنها لا تلتصق به عملياً، ما يؤدي إلى تراجع الزخم بعد مرحلة الإطلاق الأولى، ثم تباطؤ واضح في التنفيذ، وصولاً إلى توقف بعض التجارب قبل بلوغ هدفها.

على الجانب الآخر، تميل الشركات التي تحقق تقدماً أفضل إلى إشراك قادة الأعمال بشكل مباشر، وتحديد المسؤوليات بوضوح، واستخدام الأدوات على مستوى القيادة نفسها. هذا الانخراط ينعكس على نوعية الأسئلة المطروحة، وعلى دقة الأولويات، وعلى سرعة معالجة المشكلات عندما تظهر.

بمعنى آخر، الذكاء الاصطناعي لا ينجح لأن الإدارة تؤيده فقط، بل لأنه يصبح جزءاً من القرار اليومي والعمل التشغيلي.

كلفة التجزئة: مبادرات كثيرة وقيمة محدودة

المشكلة الأخرى التي يبرزها التقرير هي ما يمكن وصفه بـضريبة التجزئة. فالمؤسسات قد تنفذ عدداً كبيراً من المبادرات المتفرقة في الوقت نفسه، لكنها تفتقر إلى بنية مشتركة تربط بينها. لا توجد في كثير من الأحيان استراتيجية بيانات موحدة، ولا إطار حوكمة واحد، ولا آلية مركزية لتحديد أين ينبغي أن يحقق الذكاء الاصطناعي أكبر أثر.

هذه الفجوة تظهر سريعاً في نتائج التنفيذ. قد ينجح مشروع تجريبي داخل قسم معين، لكن نجاحه يظل محصوراً في نطاق ضيق. وحينها تصبح المكاسب صغيرة ومحلية، بينما يفقد الفريق القدرة على تحويلها إلى نموذج متكرر أو قابل للتوسع على مستوى المؤسسة بأكملها.

ومع غياب الملكية الواضحة والتنسيق المشترك، تتراكم التجارب من دون أن تتراكم معها القدرة المؤسسية. وهذا ما يفسر لماذا تشعر كثير من الإدارات بأن العمل يجري فعلاً، لكن القيمة النهائية لا تنمو بالسرعة المتوقعة.

الطريق الأكثر عملية أمام الشركات المتوسطة

لا يدعو التقرير الشركات المتوسطة إلى التباطؤ في الاستثمار، بل إلى تغيير طريقة الإدارة. فالذكاء الاصطناعي ليس مشروع برمجيات عابراً يمكن تركيبه ثم نسيانه، بل هو تحول تشغيلي يحتاج إلى قرارات أوضح حول المكان الذي يعمل فيه، ومن يملكه، وكيف تُقاس نتائجه.

وتشير الخبرة العملية إلى أن المؤسسات التي تحرز تقدماً ثابتاً تشترك في عدد من السمات. فهي تربط مبادرات الذكاء الاصطناعي بسير العمل اليومي، وتضع المسؤولية في يد قيادات الأعمال إلى جانب التقنية، وتعيد النظر في العمليات قبل إضافة طبقات جديدة من الأدوات، كما تدرك أن الدعم المستمر أهم من الإطلاق الأولي.

قد يبدو هذا المسار أبطأ في البداية، لكنه أكثر قابلية للاستمرار. فخلال فصلين ماليين فقط، قد يتسع الفارق بوضوح بين الشركات التي تنظّم عملها حول الذكاء الاصطناعي، وتلك التي ما تزال تدير سلسلة من التجارب المنفصلة.

الخلاصة: المشكلة ليست في الحماس بل في البنية

الخلاصة التي يفرضها التقرير بسيطة لكنها مهمة: الشركات المتوسطة لا تعاني من نقص الرغبة في تبني الذكاء الاصطناعي، بل من غياب البنية التي تحول هذا التبني إلى قيمة قابلة للقياس. نقص الخبرة، وتشتت المبادرات، وضعف الحوكمة، وابتعاد القيادة عن الاستخدام اليومي، كلها عوامل تجعل العائد أبطأ من الإنفاق.

ومع استمرار تسارع التطور في أدوات الذكاء الاصطناعي، ستصبح الشركات القادرة على دمج التقنية في نموذج التشغيل اليومي أكثر قدرة على التقاط القيمة الحقيقية. أما من يواصل التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمجموعة مشاريع مستقلة، فسيجد أن النشاط كبير، لكن الأثر أقل بكثير من المتوقع.