أصبحت وعود الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل واضحة: إنجاز أسرع، وقت أقل في المهام الروتينية، ومساحة أكبر للتركيز على الأعمال ذات القيمة الأعلى. لكن الصورة العملية تبدو أكثر تعقيداً مما تروّج له الشركات، فجزء كبير من الوقت الذي يقال إنه “تم توفيره” يذهب بالفعل إلى تدقيق المخرجات، وتزويد الأدوات بالسياق الناقص، وتصحيح الأخطاء، وإعادة كتابة الأوامر، والتعامل مع الإجابات غير الدقيقة.
وتشير بيانات حديثة إلى أن الموظف الرقمي قد يوفر في المتوسط 11 ساعة أسبوعياً بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، إلا أن 6.4 ساعات من هذا الوقت تستهلك في ما يمكن وصفه بـ”مراقبة الروبوتات” أو botsitting، أي متابعة الأداة وكأنها بحاجة إلى إشراف مستمر حتى تنتج مخرجات قابلة للاستخدام.
هذه النتيجة تعني أن الوفر الصافي في الوقت أقل بكثير مما يبدو عند النظر إلى ساعات الاستخدام فقط. فالمشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الكلفة الخفية المصاحبة له عندما لا يُنشر داخل بيئة عمل واضحة المعايير، أو عندما يُطلب من الموظفين لعب دور المراجع والمصحح والمكمل لسياق العمل في الوقت نفسه.
ما المقصود بـ“مراقبة الروبوتات” في العمل اليومي؟
المصطلح يشير إلى مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها الموظف بعد استخدام أداة الذكاء الاصطناعي، مثل إضافة المعلومات الناقصة قبل البدء، والتحقق من صحة النتائج، وإعادة تنفيذ المطالبات بصيغ مختلفة، وتصحيح الأخطاء التي تنتج عن الفهم الجزئي للسياق، وكذلك تنظيف المخرجات المتفائلة أكثر من اللازم أو الخاطئة بثقة عالية.
ويظهر هذا السلوك بوضوح في الأعمال المكتبية اليومية، حيث لا يكفي أن تُنتج الأداة نصاً أو ملخصاً أو شيفرة أسرع من الإنسان، بل يجب أن تكون هذه المخرجات مفهومة وقابلة للتسليم ومتماسكة مع بقية العمل. وعندما يفشل النظام في ذلك، يصبح الموظف هو الحلقة التي تعيد ربط أجزاء العملية ببعضها.
في بعض المؤسسات، يعود السبب إلى أن العاملين لم يتلقوا تدريباً كافياً على استخدام الأدوات الجديدة. وفي مؤسسات أخرى، يتضح أن المشكلة أعمق: أدوات الذكاء الاصطناعي تُنشر بسرعة أكبر من سرعة وضع قواعد الاستخدام، وتحديد المسؤوليات، وتوضيح ما الذي يجب التحقق منه قبل تمرير العمل إلى زميل آخر أو إلى عميل أو إلى نظام داخلي.
الفجوة بين المكسب الفردي والأثر المؤسسي
من أكثر النقاط اللافتة في هذه الظاهرة أن المكسب الذي يشعر به الموظف على المستوى الفردي لا يتحول بالضرورة إلى مكسب على مستوى المؤسسة. فقد يرى شخص ما أنه أنجز تقريراً في وقت أقل، لكن زميلاً آخر قد يضطر لاحقاً إلى إعادة صياغة التقرير، أو التحقق من مصادره، أو تحويله من جديد إلى نقاط مختصرة، أو تصحيح استنتاجات لا تتناسب مع الواقع التشغيلي.
هذا النوع من العمل المتبادل يخلق ما يشبه نقل العبء من شخص إلى آخر بدلاً من تقليله فعلياً. وبصياغة أبسط، قد لا يكون الذكاء الاصطناعي قد وفر ساعات حقيقية للمؤسسة ككل، بل أعاد توزيع العمل بطريقة غير مرئية، بحيث يربح قسم وقتاً بينما يخسر قسم آخر وقتاً إضافياً في المراجعة والمعالجة اللاحقة.
وتزداد المشكلة حين يعتمد بعض الموظفين على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مسودات أولية ثم يرسلونها دون تحقق كافٍ. في هذه الحالة، لا ينتقل العمل فقط من مرحلة إلى أخرى، بل ينتقل أيضاً العبء المرتبط بفحص الجودة والتأكد من الدقة إلى الشخص التالي في سلسلة العمل.
الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة تحسناً في الأداء
اللافت أيضاً أن نسبة واسعة من العاملين في القطاعات الرقمية تقول إنها تستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل في العمل، لكن نسبة أقل بكثير ترى أن هذا الاستخدام أدى إلى تحسن واضح في الأداء أو النتائج النهائية. وهذا الفارق يكشف أن معدل التبني لا يساوي بالضرورة معدل الفائدة.
ففي كثير من الحالات، يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي في المهام السهلة أو السطحية مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني أو تلخيص نصوص قصيرة، بينما يترددون في الاعتماد عليه في الأعمال الأكثر تعقيداً. والسبب يعود غالباً إلى محدودية الثقة، أو إلى خبرات سابقة مع مخرجات غير دقيقة، أو إلى غياب الضمانات الداخلية التي تجعل الاستخدام أكثر أماناً.
كما أن تعدد الأدوات يزيد من التعقيد. فبدلاً من الاعتماد على نظام واحد متكامل، يجد الموظف نفسه متنقلاً بين عدة تطبيقات ذكاء اصطناعي، ما يضيف ما يمكن وصفه بضريبة التبديل بين الأدوات. ومع كل انتقال، هناك احتمال جديد لفقدان السياق أو تضخيم العمل أو إنتاج مخرجات تحتاج بدورها إلى إعادة تدقيق.
المشكلة ليست تقنية فقط بل إدارية أيضاً
يرى عدد من الخبراء أن ما يحدث ليس خللاً في النماذج وحدها، بل مؤشر على فجوة حوكمة أوسع داخل المؤسسات. فحين يُطلق الذكاء الاصطناعي دون تحديد واضح لما يعنيه “العمل الجيد”، ومن المسؤول عن التحقق منه، وفي أي مرحلة يجب المراجعة، يتحول الموظف إلى طبقة تكامل بشرية تعوض نقص التنظيم.
هذه الفجوة تفسر لماذا قد ينتهي الأمر بموظفين يقضون جزءاً كبيراً من الأسبوع في التحقق من مخرجات كان يفترض أن تختصر الوقت. كما تفسر أيضاً لماذا لا تظهر المكاسب المعلنة في مؤشرات المؤسسة الأساسية مثل جودة المخرجات، أو خفض التكاليف، أو تقليل إعادة العمل، رغم ارتفاع أرقام الاستخدام.
وفي هذا السياق، لا تبدو المشكلة مرتبطة بمبدأ “المراجعة” نفسه، لأن التحقق من المخرجات قد يكون ممارسة جيدة وضرورية في بعض البيئات، خصوصاً في الأعمال الحساسة أو الفنية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التحقق بديلاً دائماً عن التصميم الجيد والتدريب الكافي وتوافر البيانات الصحيحة والسياق المناسب داخل الأداة نفسها.
ما الذي تحتاجه الشركات للاستفادة الحقيقية؟
حتى تتحول مكاسب الذكاء الاصطناعي من أرقام نظرية إلى فائدة مؤسسية ملموسة، تحتاج الشركات إلى بناء قواعد استخدام واضحة منذ البداية. ويشمل ذلك تحديد نوع المخرجات التي يمكن قبولها، ومتى تكون المراجعة البشرية إلزامية، ومن يملك مسؤولية القرار النهائي، وكيف يتم قياس الجودة بدلاً من قياس عدد المرات التي استخدمت فيها الأداة فقط.
كما أن التدريب يصبح عنصراً أساسياً، ليس فقط على كتابة الأوامر، بل على فهم حدود النموذج، وطرق التحقق، وكيفية إدخال السياق الصحيح، ومتى يجب عدم الاكتفاء بالمخرجات الأولية. ومع توسع الاستخدام، تصبح الحوكمة والقياس والمساءلة أكثر أهمية من الحماس الأولي للتقنية.
الرسالة الأوضح من هذه المعطيات أن الذكاء الاصطناعي لا يحقق قيمة تلقائياً بمجرد اعتماده. فالقيمة الحقيقية تظهر عندما يُستخدم ضمن عملية عمل مصممة جيداً، حيث لا يتحول الموظف إلى محرر دائم لمخرجات غير مكتملة، ولا تصبح الإنتاجية مجرد انتقال عبء من شخص إلى آخر.
وبينما تواصل الشركات الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد: كم ساعة وفرت هذه الأدوات؟ بل: كم من هذا الوقت بقي فعلاً داخل المؤسسة بعد حساب المراجعة والتصحيح وإعادة العمل؟