04-Jul-2026 6 دقائق قراءة

أمي لانزي: الذكاء الاصطناعي لن يحل مشكلات الإعلان وحده وسيبقى البشر في قلب العمل التسويقي

ترى أمي لانزي، الرئيسة التنفيذية لشركة Digitas North America، أن الذكاء الاصطناعي يسرّع العمل التسويقي لكنه لا يلغي الحاجة إلى الاستراتيجية والبيانات والبشر. وفي حديثها على هامش كانّ، حذّرت من الوعود المبالغ فيها في الإعلانات، وشرحت كيف تعيد الوكالات بناء نفسها حول أنظمة تسويق أكثر تكاملاً، مع تصاعد دور المبدعين والبحث القائم على النماذج اللغوية الكبيرة.

في واحدة من أكثر النقاشات وضوحاً داخل صناعة الإعلان هذا العام، قدّمت أمي لانزي، الرئيسة التنفيذية لشركة Digitas North America، قراءة مباشرة لمستقبل التسويق في عصر الذكاء الاصطناعي. الرسالة الأساسية كانت حاسمة: الأدوات الذكية ستغيّر طريقة العمل، لكنها لن تمنح الصناعة الخلاص الذي يعد به كثيرون. فالمشكلة، من وجهة نظرها، ليست في نقص الأتمتة بقدر ما هي في المبالغات التي تحيط بها، وفي غياب الفهم الواقعي لكيفية تحويل التكنولوجيا إلى نتائج تجارية.

لانزي، التي جاءت إلى النقاش من قلب موسم كانّ ليونز، ربطت بين الضجيج المحيط بالذكاء الاصطناعي وبين موجات سابقة مثل الإعلانات البرمجية. وبرأيها، فإن الوعود المتكررة بأن كل شيء سيُدار تلقائياً لم تتحقق سابقاً، ولن تتحقق بالطريقة نفسها الآن. فحتى مع توسع قدرات النماذج والأنظمة الذكية، يبقى هناك دور لا يمكن اختزاله يتعلق بالعلامة التجارية، والسياق، وفهم المستهلك، وبناء العلاقات بين الوكالة والعميل والمنصة.

هذا المنظور يضع الذكاء الاصطناعي في مكانه العملي: أداة لتسريع العمل، وتحسين الإنتاج، وتخفيف المهام الروتينية، وليس بديلاً كاملاً عن التفكير التسويقي. وهو ما يفسر أيضاً لماذا تتعامل Digitas مع الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءاً من البنية التشغيلية الداخلية، لا مجرد منتج جانبي. فالشركة تقول إنها بدأت تستخدم الأتمتة لتفريغ وقت الموظفين من الأعمال المتكررة، حتى يتفرغوا لبناء أفكار أفضل وقرارات أكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي في الإعلان: بين الوعود الكبيرة والواقع التشغيلي

أحد أبرز محاور حديث لانزي كان نقدها للوعود التسويقية الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فهي ترى أن بعض الجهات تتعامل مع التقنية كما لو أنها قادرة وحدها على حل مشكلات البيع والتوزيع والإبداع والاستهداف في آن واحد. لكن الواقع، بحسب رؤيتها، أكثر تعقيداً بكثير. إذ إن الحملات الناجحة لا تقوم فقط على سرعة الإنتاج، بل على فهم ما إذا كانت الرسالة مناسبة، وما إذا كانت البيانات المستخدمة دقيقة، وما إذا كانت القنوات المختلفة تعمل معاً ضمن نظام واحد.

وترى لانزي أن المشكلة الكبرى في القطاع ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في تحويله إلى وعد عام وشامل. فحين تَعِد المنصات بأن بإمكانها توليد الإبداع تلقائياً، أو إيجاد الجمهور المثالي دون تدخل بشري حقيقي، فإنها تضع الصناعة أمام اختصار مخلّ. فالنتيجة النهائية، كما تقول، هي أن الشركات قد تنجرف نحو قرارات قصيرة المدى تُضعف جودة الشراكات على المدى الطويل.

وهنا تظهر أهمية النظر إلى الذكاء الاصطناعي كطبقة مساندة ضمن منظومة أكبر: بيانات، واستراتيجية، وإدارة علاقات مع الشركاء، ومراجعة مستمرة للأداء. فالقيمة الحقيقية للتقنية، وفق هذا التصور، لا تكمن في ادعاء أنها ستستبدل الوكالات، بل في أنها تساعدها على العمل بسرعة وذكاء وبعدد أكبر من التجارب الممكنة.

إعادة هيكلة Digitas حول أنظمة التسويق

الجزء الأكثر لفتاً في حديث لانزي كان شرحها لكيفية إعادة تنظيم Digitas داخلياً. فقد أوضحت أن الشركة لم تعد تنظر إلى الوكالة بوصفها مساحة منفصلة للإبداع أو التنفيذ، بل كبنية متكاملة تدير أنظمة تسويق كاملة. لذلك أُنشئت أدوار جديدة داخل الهيكل، من بينها منصب يركز على الذكاء، وآخر على الأنظمة، وثالث على التحول المؤسسي.

هذا التغيير يعكس تحوّلاً أعمق في تعريف دور الوكالة. فالشركات لم تعد تبحث فقط عن حملات أو مواد إبداعية، بل عن شريك يفهم كيف تُبنى منظومة النمو بالكامل: من البيانات إلى التجربة، ومن قياس الأثر إلى إعادة تخصيص الموارد. وبهذا المعنى، فإن ما تفعله Digitas ليس مجرد تحديث إداري، بل استجابة لواقع جديد أصبحت فيه التسويق وظيفة مرتبطة مباشرة بالنتائج التجارية، لا بالمخرجات الإعلانية وحدها.

لانزي ذهبت أبعد من ذلك عندما قالت إن الدور التقليدي لمدير التسويق يتراجع لصالح نماذج أكثر شمولاً، حيث يتحول التركيز من الحملات المتقطعة إلى بناء محرك نمو مستمر. وفي هذا السياق، تُطرح فكرة انتقال بعض مسؤولي التسويق إلى أدوار نمو أوسع، لأن المسؤولية اليوم لم تعد تتوقف عند “إطلاق حملة ناجحة”، بل تمتد إلى دعم الإيرادات والقيمة السوقية طويلة الأمد.

المبدعون لم يعودوا هامشاً في المنظومة

محور آخر برز بقوة في الحوار هو صعود اقتصاد المبدعين. لانزي ترى أن المبدعين لم يعودوا مجرد واجهة للانتشار، بل صاروا جزءاً أصيلاً من البنية التسويقية. بعضهم يعمل فعلياً كوكالة صغيرة، وبعضهم يدير مشروعاته كما لو كان شركة إعلامية متكاملة. وهذا التحول، بحسب تقييمها، يخلق فرصاً جديدة للعلامات التجارية، لكنه يفرض أيضاً تحديات تتعلق بالتحكم والاتساق والقياس.

من وجهة نظرها، ما يجعل التفاعل مع المبدعين فعالاً هو وجود توازن بين الحرية والإطار. فالمبدع يحتاج مساحة ليقدم صوته الخاص، لكن العلامة التجارية تحتاج أيضاً إلى عناصر أساسية مثل النبرة، والرسالة، والقيم، حتى لا تتحول الشراكة إلى إعلان منفصل عن هوية المنتج. لذلك شددت على أن العمل مع المبدعين الناجحين يشبه إلى حد كبير العمل التسويقي التقليدي، لكنه يتم عبر قناة أكثر مرونة وأكثر قابلية للتوسع.

كما لفتت إلى أن بعض أكبر المبدعين بدأوا يتجاوزون مرحلة المحتوى إلى مرحلة بناء الأعمال التجارية الكاملة. وهنا، كما تقول، تظهر الحاجة إلى وكلاء وشركاء يفهمون التشغيل، والتوزيع، والاستثمار الإعلامي، لا مجرد التعاقد على ظهور واحد أو حملات قصيرة. فحين يصبح المبدع شركة بحد ذاته، تصبح الأسئلة أقرب إلى إدارة النمو منها إلى إدارة الشهرة.

العلاقة بين المنصات والوكالات تتغير تحت ضغط البيانات

توقفت لانزي أيضاً عند التوتر المستمر بين المنصات الرقمية والوكالات والعلامات التجارية. فالمشهد الإعلاني الحالي، كما تراه، تحكمه منصات تملك بيانات ضخمة وقدرة على الوعد بنتائج قابلة للقياس، وهو ما يدفع الوكالات إلى البحث عن مصادر بيانات خاصة بها أو إلى بناء شراكات تسمح بفهم أعمق للمستهلك. لذلك لم يكن غريباً أن تتحدث عن الاستثمار في البنية البيانية وتكامل الأدوات كوسيلة لمعادلة النفوذ مع المنصات الكبرى.

ومن هنا يأتي اهتمام Digitas بربط بياناتها بالأدوات الخاصة بالمبدعين والتجارة الرقمية والبحث. فكلما أصبحت الرؤية أوضح حول سلوك المستهلك، أمكن اتخاذ قرارات أفضل بشأن أين يظهر الإعلان، وكيف يُقدّم، وما إذا كان سيقود إلى شراء فعلي. لانزي لا تنكر قوة المنصات، لكنها تؤكد أن الاعتماد الكامل عليها قد يؤدي إلى تآكل العلاقة المباشرة مع الجمهور، وهو ما يجعل امتلاك الأصول الخاصة ضرورة استراتيجية.

وتشدد كذلك على أن منصات مثل التجارة الإلكترونية أو محركات البحث لم تعد مجرد قنوات وصول، بل شريكاً في تشكيل رحلة الشراء نفسها. وهذا التداخل بين الإعلام والتجارة والبحث هو ما يدفع الشركات إلى إعادة تصميم مواقعها وبنيتها الرقمية بحيث تخدم البشر والأنظمة الذكية في الوقت نفسه.

الويب، والبحث التوليدي، وظهور GEO

أحد أكثر الجوانب التقنية في الحديث كان متعلقاً بتغيّر دور المواقع الإلكترونية في عصر النماذج اللغوية الكبيرة. فوفق لانزي، لم تعد المواقع القديمة صالحة بالضرورة للطريقة التي يبحث بها المستخدم أو النموذج الذكي اليوم. الموقع لم يعد مجرد صفحة تعريفية، بل يجب أن يتحول إلى مصدر معرفة منظم، قادر على تقديم معلومات واضحة يمكن للنماذج فهمها وتلخيصها وبناؤها في إجابات مباشرة.

هذا التحول يفسر ازدياد الحديث عن التحسين لمحركات التوليد أو ما يعرف بـ GEO. لانزي ترى أن المسألة ليست موجة عابرة، بل تطور طبيعي للبحث، لأن العلامة التجارية لم تعد تريد فقط أن “تُعثر عليها”، بل أن تكون “معروفة بكونها مناسبة” في إجابات الذكاء الاصطناعي. ولهذا توسعت فرق تحسين الظهور لديها، وتزايد الطلب على تحديث المواقع وبنائها بطريقة تخدم البشر والآلات معاً.

وفي الوقت نفسه، لا ترى لانزي أن هذا يهدد الويب بالكامل، بل يفرض عليه شروطاً جديدة. فالمواقع التي تقدّم قيمة حقيقية، وتملك صوتاً موثوقاً، وتبني علاقة مباشرة مع الجمهور، ستظل قادرة على جذب الزيارات حتى لو تراجع الدور التقليدي للبحث. أما المواقع التي تعتمد فقط على الظهور العشوائي، فستجد نفسها أمام تحدٍ أكبر بكثير.

الذكاء الاصطناعي لن يلغي الإبداع البشري

رغم دفاعها عن الأتمتة في المهام المتكررة، كانت لانزي واضحة في موقفها من الإبداع نفسه: الذكاء الاصطناعي قد يسرّع الوصول إلى الفكرة، لكنه لا يصنع الحكاية الأصلية. وهي ترى أن العمل الإبداعي الحقيقي لا يزال يتطلب حساً إنسانياً، وفهماً للثقافة، وقدرة على إنتاج قصص لها معنى لدى الناس. لذلك، حتى في أكثر السيناريوهات تقدماً، سيبقى البشر في مركز الفكرة، بينما تتولى الأدوات الذكية تحسين التنفيذ.

هذا الموقف ينسجم مع رؤيتها الأوسع لصناعة الإعلان: التقنية لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تعيد توزيع جهده. فبدلاً من إضاعة الوقت في أعمال متكررة، يمكن للفرق أن تركز على المفهوم، والرسالة، والتجربة، والقياس. أما في الإعلانات منخفضة القيمة أو المحتوى التشغيلي اليومي، فقد يصبح الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أمراً ضرورياً لا خياراً.

وختمت لانزي بنبرة عملية تؤكد أن مستقبل Digitas، ومستقبل الوكالات المشابهة، يرتبط بقدرتها على بناء أنظمة تسويق متكاملة تساعد العلامات التجارية على النمو. وفي هذا المستقبل، لن يكفي أن تكون الوكالة مبدعة فقط، أو تقنية فقط، أو مدفوعة بالبيانات فقط. المطلوب، كما يبدو، هو الجمع بين هذه العناصر كلها في منظومة واحدة قادرة على تحويل التعقيد الرقمي إلى نمو ملموس.