في وقت تتوسع فيه استخدامات وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، يبرز سؤال عملي أكثر من مجرد قوة النموذج نفسه: ماذا عن الطبقة التي تشغله وتربطه بالأدوات والذاكرة والبيئة المحيطة؟ هذا ما تستهدفه Xiaomi في إطار بحثي جديد يحمل اسم HarnessX، وهو مقترح يجعل "الحزام" البرمجي أو طبقة التشغيل الخاصة بالوكيل قابلة لإعادة البناء والتحسين تلقائياً أثناء المهمة، بدلاً من بقائها جزءاً ثابتاً يُعدّل يدوياً.
وتأتي أهمية هذا التوجه من واقع أن كثيراً من أنظمة الذكاء الاصطناعي المؤسسية لا تتعثر بسبب ضعف النموذج اللغوي فقط، بل بسبب الطريقة التي تُنظم بها التعليمات والأدوات ومسارات التنفيذ. ومع ازدياد طول وتعقيد المهام، تصبح هذه الطبقة الوسيطة عنصراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الوكيل سينجز المهمة بكفاءة أم سيعلق في أخطاء متكررة.
مشكلة الطبقات الثابتة في أنظمة الوكلاء
في التطبيقات العملية، لا يعمل النموذج اللغوي بمفرده. بل يعتمد على بنية تشغيلية تشمل إعدادات التعليمات، وربط الأدوات الخارجية، وإدارة الذاكرة، ومنطق اتخاذ القرار، وآليات المراقبة. هذه البنية هي ما يُشار إليه بالحزام أو scaffolding، وهي التي تحوّل المخرجات النصية الخام إلى سلوك قابل للتنفيذ داخل نظام فعلي.
المشكلة أن هذه البنية غالباً ما تُبنى يدوياً وتظل جامدة بعد نشرها. وعندما يتغير النموذج الأساسي، أو تُضاف أداة جديدة، أو ينتقل النظام إلى مجال مختلف، يحتاج المهندسون إلى إعادة كتابة أجزاء من الحزام أو نسخه وتعديله من جديد. وبذلك يتحول التطوير إلى عمل صيانة متكرر بدلاً من أن يكون عملية تحسين مستمرة.
وتتفاقم المشكلة عندما تُصمم المكونات بطريقة مترابطة بشكل مفرط. فالتعديل على جزء واحد، مثل قوالب التعليمات أو سياسات المحاولة المتكررة، قد يسبب آثاراً جانبية في الذاكرة أو أدوات الاستدعاء أو مسارات التحكم. كما أن تجارب التنفيذ التي تنتج أثناء الاختبار غالباً لا تُستخدم لاحقاً لتطوير النظام نفسه، ما يعني ضياع قدر من البيانات التشغيلية التي يمكن أن تفيد في بناء وكيل أفضل.
كيف يعمل HarnessX
يعامل HarnessX طبقة التشغيل باعتبارها كائناً مستقلاً وقابلاً للتبادل، وليس مجرد مجموعة من التعليمات المضمّنة داخل الكود. الفكرة الأساسية هي فصل إعدادات النموذج عن إعدادات الحزام، بحيث يمكن تحديث البنية التشغيلية أو استبدالها من دون الحاجة إلى تغيير النموذج نفسه.
وبحسب الإطار المقترح، تُفكك سلوكيات الوكيل إلى وحدات منفصلة تشمل تجميع السياق، وإدارة الذاكرة، وتكامل الأدوات، والتحكم في تدفق التنفيذ، والمراقبة. وكل سلوك من هذه السلوكيات يُنفذ عبر مكونات قابلة للتركيب تُسمى processors، وتُربط بنقاط حياة محددة داخل الحزام. هذا التصميم يجعل الإضافة أو الحذف أو الاستبدال عملية أكثر مرونة وأقل مخاطرة.
ولتحويل هذا المفهوم إلى آلية عملية، يضيف HarnessX محرك تطور يعتمد على السجلات التشغيلية ويُسمى AEGIS. هذا المحرك لا يكتفي بتحليل الأخطاء، بل يعامل تحسين الحزام بوصفه مسألة تعلّم معزز على مكونات رمزية قابلة للتعديل. وبهذه الطريقة، ينتقل التطوير من إصلاحات موضعية صغيرة إلى تغييرات هيكلية أعمق.
منصة تطور ذات أربع مراحل
يعتمد AEGIS على خط سير مكوّن من أربع مراحل رئيسية. في المرحلة الأولى، يقوم Digester بتكثيف سجلات التنفيذ في ملخصات منظمة تساعد على تحديد نقطة الفشل. بعد ذلك يأتي Planner الذي يقرأ هذه الملخصات ويفتح الباب أمام تغييرات هيكلية لا تقتصر على تعديل الصياغة.
في المرحلة الثالثة، يتولى Evolver إنتاج تعديلات على مستوى الكود، إلى جانب اختبارات تتحقق من صلاحية هذه التعديلات قبل نشرها. أما المرحلة الرابعة فتضم Critic وبوابة تحقق نهائية؛ إذ يعمل المراجع على اكتشاف السلوك الذي قد يبدو ناجحاً ظاهرياً لكنه يعتمد على التفاف غير حقيقي حول المهمة، بينما ترفض البوابة أي تعديل يؤدي إلى تراجع في مهمة كانت قد أُنجزت سابقاً.
هذا التصميم يعالج ثلاث مشكلات شائعة في تحسين الأنظمة عبر التعلم المعزز: استغلال النظام لثغرات في المكافأة بدلاً من حل المهمة فعلاً، وفقدان الأداء السابق عند تعديل جزء جديد، والاعتماد المفرط على تغييرات بسيطة في التعليمات بدلاً من استكشاف بنى تشغيلية أفضل.
نتائج الاختبارات: المكاسب الأكبر للنماذج الأصغر
اختبرت Xiaomi الإطار الجديد عبر خمسة مجالات معيارية تشمل هندسة البرمجيات، وحوار خدمة العملاء متعدد الجولات، وتصفح الويب، والاستدلال متعدد الخطوات، والتخطيط المجسد. ولإثبات أن الفكرة لا ترتبط بنموذج بعينه، جرى تطبيقها على ثلاثة نماذج عاملة مختلفة: Claude Sonnet 4.6 وGPT-5.4 وQwen3.5-9B مفتوح الأوزان.
ووفق النتائج، حسّن HarnessX الأداء في 14 حالة من أصل 15 توليفة بين النموذج والمعيار. وبلغ متوسط التحسن المطلق نحو 14.5% عند تطور الحزام نفسه، ما يشير إلى أن إعادة تصميم طبقة التشغيل قد تكون أكثر تأثيراً مما يبدو للوهلة الأولى.
لكن النتيجة الأكثر لفتاً للنظر كانت لدى النماذج الأصغر أو الأقل قدرة مقارنة بالنماذج المغلقة المتقدمة. فقد سجل Qwen3.5-9B ارتفاعاً وصل إلى 44% في اختبار التخطيط المجسد ALFWorld، وقفزة قاربت 18.2% في معيار SWE-bench Verified الخاص بهندسة البرمجيات. ويعني ذلك أن تحسين البنية التشغيلية قد يرفع سقف الأداء حتى عندما لا يكون النموذج في حد ذاته من فئة النماذج العملاقة.
كما أظهر الربط بين تطوير الحزام وتدريب النموذج مكسباً إضافياً بلغ نحو 4.7% في المتوسط، لكن هذا الأثر كان مرتبطاً بالنماذج مفتوحة الأوزان. وتدعم هذه النتيجة فكرة أن أفضل أداء لا يأتي من تكبير النموذج وحده، بل من جعل النموذج والبنية المحيطة به يتطوران معاً.
أمثلة عملية تكشف قيمة النهج
في إحدى التجارب المتعلقة بالاستدلال متعدد الخطوات، واجه الوكيل فشلاً متكرراً بسبب الاعتماد على أداة متصفح غير مستقرة عند التعامل مع صفحات تعتمد كثيراً على JavaScript. وبدلاً من الاكتفاء بتغيير التعليمات، قرأ HarnessX السجلات وحدد موضع التعطل، ثم أنشأ أداة بديلة تتصل مباشرة بواجهة MediaWiki API للحصول على النصوص من المصدر دون المرور بالمتصفح. هذا التعديل وحده أتاح إنجاز مهام كانت تتعثر سابقاً.
وفي اختبار آخر للتجارة الإلكترونية، كان الوكيل يدخل في حلقة لا تنتهي من التنقل بين الصفحات والبحث مجدداً من دون اتخاذ قرار الشراء. هنا لم يغيّر النظام الصياغة فقط، بل أضاف مكوّناً إشرافياً يكتشف سلوك التكرار ويحقن تحذيراً في السياق يدفع الوكيل إلى الحسم. والنتيجة كانت تقليص السلوك الدوراني وتحسين الأداء.
هذه الأمثلة توضح أن المشكلة في كثير من الحالات ليست في عدم "فهم" النموذج، بل في طريقة توجيهه وتشغيله عند مواجهة بيئات معقدة ومتغيرة.
حدود النهج وما الذي يعنيه للصناعة
رغم النتائج المشجعة، يبقى لدى HarnessX حدود واضحة. فالنظام يعتمد حالياً على نماذج قوية لتعمل كـ meta-agent، أي الكيان الذي يقرأ السجلات ويعيد كتابة الحزام. وفي التجارب، استُخدمت نماذج حدودية مغلقة عالية الكفاءة لتنفيذ هذا الدور، بينما لا يزال أداء النماذج مفتوحة الأوزان في هذه المهمة غير مُثبت بعد.
كما أن الإطار لا يستطيع تجاوز حدود القدرة الأساسية للنموذج العامل نفسه. فإذا كان النموذج ضعيفاً جداً أمام مهمة معقدة، فلن تكفي أي تحسينات في الحزام لحل المشكلة بالكامل. بمعنى آخر، تحسين طبقة التشغيل يرفع الكفاءة، لكنه لا يصنع قدرة غير موجودة من الأصل.
ومع ذلك، يحمل HarnessX رسالة مهمة لفرق الذكاء الاصطناعي في المؤسسات: ليس هناك سبب للتركيز على تكبير النماذج وحدها قبل فحص البنية التشغيلية المحيطة بها. ففي كثير من حالات الاستخدام، قد تكون مكاسب تحسين الحزام أسرع وأقل تكلفة وأكثر مباشرة من الانتقال إلى نموذج أثقل وأكثر كلفة.
وفي ظل ازدياد الاعتماد على الوكلاء في سير العمل المؤسسي، يبدو أن المرحلة التالية من المنافسة لن تدور حول النموذج الأفضل فقط، بل حول من يملك طبقة تشغيل أذكى وأكثر قابلية للتطور الذاتي.