05-Jul-2026 6 دقائق قراءة

تقرير KELA: الذكاء الاصطناعي أصبح أداة وهدفاً في هجمات سيبرانية أكثر تعقيداً

يكشف تقرير KELA نصف السنوي لعام 2026 عن مرحلة جديدة في التهديدات السيبرانية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد للمهاجمين، بل تحول إلى عنصر نشط في تنفيذ الهجمات، من اكتشاف الثغرات إلى التصيد والابتزاز وجمع البيانات.

الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة في الهجمات السيبرانية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تسريع لعمل المهاجمين في الفضاء الرقمي، بل بدأ يتحول إلى مكوّن فعلي داخل منظومة الهجوم نفسها. هذا هو الاستنتاج الأبرز في تقرير KELA نصف السنوي للتهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لعام 2026، الذي يرسم صورة لبيئة أمنية تتغير بسرعة مع صعود الأنظمة الوكيلة والنماذج مفتوحة المصدر وتقنيات الهجوم شبه المستقلة.

ويشير التقرير إلى أن التطور الأهم لا يتعلق فقط بزيادة الإنتاجية أو خفض الكلفة، بل بانتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة المساعدة إلى مرحلة التنفيذ. ففي هذه المرحلة الجديدة، يمكن للأنظمة تحليل الشيفرات، واكتشاف الثغرات، وربط خطوات الاختراق، والمساهمة في الانتقال داخل الشبكات، بل وحتى دعم عمليات الابتزاز وجمع البيانات الحساسة.

من المساعدة إلى التنفيذ شبه المستقل

لسنوات، استخدم المهاجمون الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص، وتوليد الشيفرات، وأتمتة بعض المهام الروتينية. لكن التقرير يؤكد أن المشهد في 2026 أصبح أكثر خطورة، لأن بعض الأنظمة باتت قادرة على تنفيذ أهداف متعددة الخطوات مع تدخل بشري محدود. هذه الأنظمة لا تكتفي بالإجابة أو الاقتراح، بل تستطيع الاستدلال على نقاط الضعف، واختبارها، ثم توليد أجزاء من الاستغلال بشكل أسرع من الطرق التقليدية.

هذا التحول يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد عنصر مساعد ضمن سلسلة الهجوم، بل أصبح طبقة تنفيذية جديدة تقلص الوقت والجهد اللازمين لإطلاق هجمات متقدمة. ومع تقليص دور الإنسان في بعض مراحل الهجوم، تزداد قدرة المهاجمين على التكرار والتوسع والعمل على نطاق أوسع.

النماذج مفتوحة المصدر تعيد تشكيل ميزان القوة

يولي التقرير اهتماماً خاصاً بتنامي استخدام النماذج مفتوحة المصدر، مثل بعض النماذج التي يمكن تشغيلها محلياً وتخصيصها وإزالة القيود الأمنية عنها. وتكمن خطورة هذا الاتجاه في أن المجموعات الإجرامية لم تعد مضطرة للاعتماد على مزودي خدمات تجارية، بل تستطيع بناء منظومات هجومية خاصة بها وتخزينها وتشغيلها بعيداً عن الرقابة.

هذا الواقع يمنح المهاجمين استقلالية أكبر، ويخفض الحواجز التقنية والمالية أمام تطوير أدوات هجومية أكثر تقدماً. كما أنه يتيح دمج النماذج اللغوية داخل البنية الداخلية للمجموعات الإجرامية، بحيث تصبح جزءاً من سير العمل اليومي، وليس مجرد خدمة خارجية يتم استخدامها عند الحاجة.

نافذة تصحيح الثغرات تضيق بسرعة

من أخطر ما يتناوله التقرير مفهوم اكتشاف الثغرات واستغلالها بشكل آلي. فالتقليد الأمني المعروف كان يمنح المؤسسات بعض الوقت بين الإعلان عن الثغرة وظهور أدوات استغلال فعالة، وهو وقت ثمين يسمح بتحديث الأنظمة واختبار الرقع الأمنية.

لكن التقرير يحذر من أن الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تقضي على هذه النافذة تقريباً. إذ يمكن لهذه الأدوات تحليل قواعد شيفرة ضخمة، واكتشاف العيوب المنطقية، والتحقق منها آلياً، ثم اقتراح استغلالات عملية خلال فترة زمنية قصيرة جداً. ومع نشر التحديثات الأمنية، قد تتمكن هذه الأنظمة من هندسة عكسية للتحديثات بسرعة واستخلاص جوهر الثغرة، ما يضغط على فرق الأمن بشكل غير مسبوق.

النتيجة هي انتقال خطورة الهجوم من أسابيع أو أشهر إلى ساعات فقط في بعض السيناريوهات، وهو ما يضع المؤسسات أمام سباق متسارع مع أدوات هجومية أكثر ذكاءً.

البرمجيات الفدية تستفيد من الذكاء الاصطناعي يومياً

يرصد التقرير أيضاً كيف بدأ الذكاء الاصطناعي يتغلغل في العمليات اليومية لمجموعات البرمجيات الفدية. فبدلاً من استبدال العنصر البشري بالكامل، أصبح الذكاء الاصطناعي مضاعف قوة يرفع كفاءة المشغلين ويساعدهم في عدد كبير من المهام، من إعداد البنية التحتية إلى تحليل السجلات وتهذيب الشيفرات الخبيثة وصياغة رسائل الابتزاز.

وتشير بعض الحالات التي يوردها التقرير إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تصحيح الأخطاء التقنية، وتطوير أدوات داخلية، ومعالجة البيانات المسروقة، وحتى المساعدة في التفاوض مع الضحايا. هذا الاستخدام لا يجعل الهجوم آلياً بالكامل، لكنه يرفع قدرته على التوسع ويقلل الزمن المطلوب بين مرحلة الاختراق ومرحلة الربح.

ومع كل مهمة يتم أتمتتها، تنخفض المهارات المطلوبة للدخول إلى هذا النوع من الأنشطة الإجرامية، ما يزيد عدد الفاعلين القادرين على إطلاق هجمات مؤثرة.

الجهات المرتبطة بدول تستخدم الأتمتة أيضاً

لا يقتصر التحول على العصابات الإجرامية. فالتقرير يرى أن بعض الجهات المرتبطة بدول بدأت هي الأخرى في اعتماد الذكاء الاصطناعي لتسريع أجزاء كبيرة من عملياتها. ويعرض حالة توضح كيف يمكن لأنظمة ذكية أن تتولى مراحل متعددة من الاختراق، مثل تحليل الثغرات، واقتراح الاستغلال، وتسهيل الحركة داخل الشبكة، وترتيب البيانات المستخرجة حسب الأهمية.

هذا التطور مهم لأنه ينقل الذكاء الاصطناعي من هامش العمليات السيبرانية إلى صلبها. فبدلاً من أن يكون أداة دعم، يصبح طبقة تشغيل تعتمد عليها الجهات المهاجمة لتنفيذ سلسلة من المهام المعقدة بأقل إشراف ممكن.

الاستهداف لم يعد يقتصر على البشر بل يشمل الذكاء الاصطناعي نفسه

من الاتجاهات اللافتة في التقرير أن المهاجمين أصبحوا يطوّرون أساليب للتلاعب بأنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها. فبدلاً من محاولة كسر القيود مباشرة، يحاولون إقناع النظام بأن المهمة تبدو مشروعة، مثل اختبار أمني أو تطوير برمجي أو استكشاف داخلي. وعندما يقتنع النموذج بالسياق الذي صيغ له، قد ينفذ أوامر تساعد في نشاط هجومي من دون أن يدرك طبيعة الغرض الحقيقي.

هذا النوع من التلاعب يوسع ساحة الهجوم لتشمل المحادثات السياقية والرسائل الموجّهة والطلبات المصممة بعناية. ومع انتشار المساعدين البرمجيين والواجهات الوكيلة، تزداد أهمية فهم كيف يمكن للسياق أن يصبح نقطة ضعف بحد ذاته.

التصيد الاحتيالي يصبح أكثر إقناعاً وأوسع نطاقاً

التقرير يسلط الضوء كذلك على تطور هائل في أساليب الهندسة الاجتماعية. فأسواق الجريمة الإلكترونية تعرض اليوم خدمات مدعومة بالذكاء الاصطناعي للتصيد متعدد اللغات، وانتحال الأصوات، واستنساخ الصوت، والاتصالات الاحتيالية الآلية، وجمع بيانات الاعتماد بطرق أكثر احترافية.

بفضل هذه الأدوات، لم يعد إطلاق حملة تصيد متقنة يتطلب فريقاً كبيراً أو خبرة تقنية عالية. يمكن للمهاجمين شراء قدرات جاهزة تشمل الحوار الطبيعي، والردود الفورية، والقدرة على التعامل مع ضحايا بلغات مختلفة. وهذا يجعل الهجمات أكثر إقناعاً، ويرفع معدل نجاحها، خاصة عندما تستهدف موظفين أو عملاء في بيئات تعتمد على الثقة والسرعة.

البرمجيات الخبيثة تستهدف ذاكرة العمل داخل أدوات الذكاء الاصطناعي

أحد التحولات المهمة التي يبرزها التقرير هو توسع البرمجيات الخبيثة من سرقة كلمات المرور والرموز المؤقتة إلى استهداف ما يمكن وصفه بالطبقة المعرفية لاستخدام الذكاء الاصطناعي. لم يعد الهدف مقتصراً على بيانات الدخول، بل يشمل سجلات الأوامر، وذاكرة المحادثات، وقوالب المطالبات، وسير العمل المؤتمت، والتعليمات الداخلية المخزنة داخل المساعدات الذكية.

هذا التوجه يجعل الاختراق أكثر حساسية، لأن المهاجم لا يحصل فقط على الوصول التقني، بل قد يطلع أيضاً على طريقة عمل المؤسسة، ومنطق قراراتها، والتفاصيل المتراكمة داخل العمليات اليومية. وعندما تُخترق محطة عمل مرتبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي، قد يصبح الضرر أوسع من تسريب حساب واحد أو ملف واحد.

كما يشير التقرير إلى توسع واضح في البرمجيات الخبيثة الموجهة إلى macOS، إضافة إلى ارتفاع كبير في عدد الأجهزة المصابة التي تم رصدها خلال الأشهر الأولى من العام.

جلسات الذكاء الاصطناعي المؤمنة أصبحت هدفاً ثميناً

يرى التقرير أن سرقة ملفات الارتباط الخاصة بالجلسات أصبحت أكثر أهمية من سرقة كلمات المرور التقليدية في بعض البيئات. فالحصول على جلسة مصادقة نشطة قد يتيح للمهاجم تجاوز المصادقة متعددة العوامل والوصول إلى أدوات متصلة بخدمات التطوير والسحابة والمستودعات البرمجية وتطبيقات التشغيل الآلي.

ولهذا السبب، تشهد الأسواق غير المشروعة طلباً متزايداً على الجلسات الموثقة الخاصة بمنصات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التحقق من صلاحيتها وإعادة بيعها. ويعكس ذلك تحولاً في القيمة الأمنية: لم تعد الهوية وحدها هي الهدف، بل أصبحت الجلسة النشطة نفسها سلعة عالية القيمة.

البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت سطح هجوم جديداً

كلما توسع استخدام المؤسسات لأدوات التنسيق، وواجهات الاستدلال، وقواعد البيانات المتجهية، والوكلاء المستقلين، توسع معها سطح الهجوم. فالخصوم لم يعودوا يبحثون فقط عن الخوادم والتطبيقات التقليدية، بل عن البنية التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، بما فيها الواجهات البرمجية وأسرار السحابة ومخازن السياق وأنظمة الأتمتة.

ويحذر التقرير من أن هذا التوسع يجعل مراحل الاستطلاع والاختراق وما بعد الاختراق أكثر آلية من السابق، ويخفض الحاجز أمام الجهات الأقل خبرة للوصول إلى أدوات هجومية متقدمة. وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من المشكلة وجزءاً من الهدف في الوقت نفسه.

ما الذي يعنيه ذلك للمؤسسات

الخلاصة التي يطرحها التقرير واضحة: الدفاعات التقليدية لم تعد كافية وحدها. المؤسسات بحاجة إلى النظر إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، وذاكرة النماذج، وسير العمل المؤتمت، وهويات الآلات باعتبارها أصولاً حساسة لا تقل أهمية عن الخوادم وقواعد البيانات والمفاتيح السرية.

وفي بيئة تتسارع فيها الهجمات بفعل الأتمتة، قد يصبح تأمين المعرفة والسياق وقرارات الأنظمة الذكية أحد أكبر التحديات الأمنية في السنوات المقبلة. فالذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل كيفية بناء المنتجات فقط، بل يعيد أيضاً رسم قواعد المواجهة بين المهاجمين والمدافعين في الفضاء السيبراني.