أظهرت دراسة جديدة أن أكبر عقبة أمام وكلاء الذكاء الاصطناعي في المهام الطويلة ليست فقط دقة النموذج، بل طريقة إدارة الذاكرة نفسها. فكلما امتدت المحادثة أو تعقّد مسار الاستدلال، امتلأت نافذة السياق سريعاً، وبدأت أنظمة الاسترجاع التقليدية في إعادة معلومات كثيرة لا تضيف قيمة حقيقية، ما يرفع التكلفة ويضعف النتائج.
ولمعالجة هذه المشكلة، قدّم باحثون في الجامعة الوطنية في سنغافورة إطاراً جديداً يحمل اسم MRAgent، وهو اختصار لـ Memory Reasoning Architecture for LLM Agents. الفكرة الأساسية وراء الإطار هي التخلي عن أسلوب "استرجع أولاً ثم استدل"، والانتقال إلى عملية أكثر تفاعلاً تسمح للوكيل ببناء ذاكرته أثناء التفكير، اعتماداً على الأدلة التي يجمعها خطوة بخطوة.
مشكلة الاسترجاع السلبي في المهام طويلة الأفق
في الأنظمة التقليدية، يعتمد الوكيل على البحث في المتجهات أو التنقل داخل الرسوم البيانية ثم تمرير النتائج إلى النموذج اللغوي ليقرر ما يفعل بها. هذا الأسلوب يبدو عملياً في المراحل الأولى، لكنه يواجه حدوداً واضحة عندما يحتاج الوكيل إلى تتبع سلسلة طويلة من الإشارات والقرائن.
المشكلة الأولى أن النظام لا يستطيع تعديل استراتيجية البحث أثناء الاستدلال. فإذا عثر على معلومة جزئية واكتشف لاحقاً أن هناك اسماً أو تاريخاً مفقوداً، فلن يكون قادراً على إعادة توجيه البحث بشكل ذكي بناءً على ما تعلمه للتو.
أما المشكلة الثانية فهي أن الاعتماد على التشابه الثابت أو توسعات الرسم البياني الجاهزة يؤدي غالباً إلى جلب نتائج سطحية أو غير دقيقة، وهو ما يملأ نافذة السياق بضوضاء معلوماتية تزيد العبء الحسابي وتربك النموذج.
وتكمن المشكلة الثالثة في أن هذه الأنظمة تعتمد كثيراً على بنيات مسبقة مثل أفضل النتائج ضمن نطاق محدد أو دوال الملاءمة الثابتة، وهي قيود لا تناسب الأسئلة غير المتوقعة أو الجلسات الطويلة متعددة المراحل.
الانتقال إلى إعادة بناء الذاكرة بشكل نشط
يقترح MRAgent بدلاً من ذلك نموذجاً أقرب إلى إعادة البناء المعرفي. فبدلاً من قراءة كتلة من البيانات الجاهزة، يبدأ الوكيل بإشارات صغيرة من طلب المستخدم، مثل اسم شخص أو فعل أو موقع، ثم يستخدم هذه الإشارات كبوابات للوصول إلى مفاهيم أوسع وروابط أكثر دلالة.
من خلال هذا المسار، لا يسترجع النظام الذاكرة دفعة واحدة، بل يبنيها تدريجياً. كل معلومة جديدة تصبح دليلاً يوجّه الخطوة التالية، إلى أن تتكون الصورة الكاملة. هذه الطريقة تقلل الفاقد، لأنها تجعل البحث مرتبطاً بما تم اكتشافه بالفعل، لا بما يبدو مشابهاً فقط على مستوى السطح.
ويستند هذا المنهج إلى فكرة أن الذاكرة ليست مخزناً ثابتاً، بل بيئة تفاعلية يمكن استكشافها. وعندما يكون النموذج قادراً على تقييم ما جمعه في كل مرحلة، فإنه يستطيع أيضاً تحديد المسار الأكثر فائدة، وإهمال الفروع التي لا تضيف شيئاً إلى الإجابة النهائية.
كيف يعمل MRAgent عملياً
يعتمد الإطار على بنية متعددة الطبقات تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: Cues وTags وContent. هذه العناصر تشكل معاً شبكة ترابطية تسمح للوكيل بالتنقل داخل الذاكرة بكفاءة أعلى.
Cues: إشارات دقيقة تُستخرج من تفاعل المستخدم، مثل كيانات محددة أو سمات سياقية.
Tags: روابط دلالية مختصرة تشرح العلاقة بين الإشارات ومحتوى الذاكرة.
Content: وحدات الذاكرة الفعلية، وتشمل ذاكرة حدثية ترتبط بحوادث محددة وذاكرة دلالية تتعلق بالحقائق أو التفضيلات المستقرة.
هذه البنية تسمح بعملية استرجاع من مرحلتين. في المرحلة الأولى ينتقل النموذج من الإشارات الأولية إلى الوسوم المحتملة، ثم يفحص هذه الوسوم القصيرة لفهم صلتها بالسؤال. بعد ذلك ينتقي المسار الأكثر وعداً، ويتجنب استهلاك الرموز على بيانات ثقيلة قبل التأكد من فائدتها.
وبمجرد أن يحدد المسار الأنسب، يسترجع المحتوى المرتبط به، ثم يعيد تقييم ما جمعه ليقرر إن كان يحتاج إلى مزيد من البحث. بهذه الطريقة، تتحول الذاكرة إلى عملية بحث متكررة لكن مضبوطة، لا إلى تدفق مفتوح للمعلومات.
مثال يوضح آلية التصفية والتوجيه
لفهم ذلك بصورة أوضح، يمكن تخيل سؤال من نوع: كيف استخدم شخص ما الجائزة المالية بعد فوزه في بطولة ألعاب فيديو ثالثة؟ في هذه الحالة يبدأ الوكيل من مؤشرات أولية مثل اسم الشخص، وعبارة "بطولة ألعاب فيديو"، وفعل "فاز".
بعدها يربط هذه المؤشرات بالوسوم المتاحة داخل شبكة الذاكرة. قد تظهر أمامه وسوم متعددة، مثل وسم يتعلق بـ"الانتصار في البطولة" ووسم آخر يرتبط بـ"المشاركة في البطولة". هنا لا يكتفي الوكيل بالبحث الأوسع، بل يختار المسار الذي ينسجم مع الهدف الفعلي للسؤال، ثم يستبعد ما لا علاقة له بما حدث بعد الفوز.
في المرحلة التالية يسترجع الوكيل عدداً محدوداً من الأحداث المرتبطة بالمؤشر المختار، ثم يفحصها واحدة تلو الأخرى. وإذا اكتشف أن إحدى القطع تتضمن إشارة إلى مكافأة مالية أو إنفاق لاحق، يضيف ذلك كمؤشر جديد ويواصل البحث في اتجاه أكثر تحديداً. تتكرر العملية حتى يصل إلى استنتاج واضح، مثل أن الشخص ادخر المال أو استخدمه بطريقة معينة.
نتائج الاختبارات: دقة أعلى وتكلفة أقل
اختبر الباحثون الإطار على معيارين صناعيين هما LoCoMo وLongMemEval، وهما من الاختبارات المصممة لقياس قدرة الوكلاء على التعامل مع محادثات ومهام طويلة تمتد عبر عشرات الجلسات ومئات التبادلات. واستخدمت التجارب نماذج أساسية مثل Gemini 2.5 Flash وClaude Sonnet 4.5.
وبحسب النتائج، تفوق MRAgent على البدائل المقارنة في جميع الفئات تقريباً، سواء عند مقارنته بالاسترجاع التقليدي أو بأطر الذاكرة الوكيلية الأخرى مثل A-MEM وMemoryOS وLangMem وMem0. لكن اللافت ليس الدقة فقط، بل أيضاً الكفاءة الحسابية.
في اختبار LongMemEval، انخفض استهلاك الرموز إلى نحو 118 ألف رمز لكل عينة. بالمقارنة، احتاج A-MEM إلى نحو 632 ألف رمز، بينما استهلك LangMem ما يصل إلى 3.26 مليون رمز في الاستعلام الواحد. كما سجّل النظام تقليصاً واضحاً في زمن التنفيذ، إذ هبط وقت المعالجة مقارنةً بـA-MEM من 1,122 ثانية إلى 586 ثانية تقريباً.
هذه الأرقام تهم فرق التطوير في الشركات والمؤسسات، لأن تكلفة تشغيل الوكلاء لا ترتبط فقط بجودة الإجابة، بل أيضاً بحجم الرموز المستهلكة والوقت اللازم للوصول إلى النتيجة. وكلما انخفضت هذه المؤشرات، أصبح نشر الوكلاء على نطاق واسع أكثر قابلية للتطبيق.
ما الذي يجعل الإطار أكثر كفاءة
تعود كفاءة MRAgent إلى سلوكها عند الطلب. فالنظام لا يواصل الحفر في الذاكرة بشكل عشوائي، بل يقيّم كل إشارة ويفرز المسارات الضعيفة مبكراً. هذا الأسلوب يحفظ مساحة السياق ويحد من التكرار، كما يساعد النموذج على التوقف عندما تصبح الإشارات المتاحة كافية للإجابة.
بمعنى آخر، لا يحاول الوكيل جمع أكبر كمية ممكنة من البيانات، بل يسعى إلى جمع المعلومة الأكثر فائدة بأقل تكلفة. وهذه نقطة مهمة في المهام الطويلة، حيث يمكن لمعلومة واحدة إضافية غير مفيدة أن تستهلك مساحة كبيرة من السياق دون أن تحسن الإجابة.
تحديات التنفيذ لدى المطورين
رغم هذه المزايا، لا يأتي MRAgent بلا متطلبات تشغيلية. فبنية Cue-Tag-Content يجب أن تكون جاهزة قبل أن يتمكن الوكيل من الاستفادة منها. وهذا يعني أن المطورين يحتاجون إلى تصميم قاعدة الذاكرة بطريقة تسمح بالتنقل السريع بين الإشارات والوسوم والمحتوى، دون تضخيم عبء الحوسبة.
لكن الخبر الجيد أن هذا لا يتطلب وسم البيانات يدوياً. فقد صمم الباحثون قناة تلقائية لاستخلاص المعلومات من سجلات التفاعل الخام، ثم تحويلها إلى عناصر قابلة للفهرسة داخل شبكة الذاكرة. عملياً، يمكن تنفيذ هذه الخطوة عبر مهمة خلفية أو خط تدفق مستمر يعالج المحادثات ويستخرج منها البيانات الوصفية قبل تخزينها في قاعدة الرسم البياني.
ويؤكد هذا التصميم أن المرحلة الأكثر حساسية ليست التجميع اليدوي، بل تنظيم تدفق الإدخال بحيث يزوّد الوكيل بذاكرة قابلة للاستكشاف من دون زيادة غير ضرورية في التكلفة.
دلالات أوسع على مستقبل الذاكرة في الوكلاء
تكشف هذه النتائج عن اتجاه مهم في تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي: الذاكرة لم تعد مجرد إضافة ثانوية، بل أصبحت جزءاً مركزياً من جودة الاستدلال. ومع تزايد الاعتماد على الأنظمة القادرة على العمل عبر جلسات متعددة ومهام طويلة، ستصبح طرق البناء النشط للذاكرة أكثر أهمية من الاعتماد على الاسترجاع الثابت وحده.
كما أن هذا النوع من الأطر يفتح الباب أمام تحسينات إضافية في مجالات مثل الدعم الذكي، وتحليل سجلات العمل، والمساعدات المؤسسية التي تحتاج إلى تتبع سياق طويل مع عدد كبير من التفاعلات. وفي هذه البيئات، لا يكفي أن يعرف النموذج ما هو الأقرب تشابهاً، بل يجب أن يعرف أيضاً ما الذي يستحق التتبع وما الذي ينبغي تجاهله.
وبهذا المعنى، يمثل MRAgent خطوة نحو جيل من الوكلاء الذين لا يكتفون باستدعاء الذاكرة، بل يعيدون تشكيلها أثناء التفكير، وهو ما قد يكون أحد المفاتيح الأساسية لجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة في العمل الحقيقي.