تسعى كثير من الشركات إلى توظيف الذكاء الاصطناعي، لكن عدداً كبيراً منها لا يزال يواجه صعوبة في إثبات العائد المالي المباشر من هذه الاستثمارات. في هذا السياق، تقدم شركة فانغارد في قطاع إدارة الاستثمار مثالاً لنهج أكثر انضباطاً، يقوم على ربط مبادرات الذكاء الاصطناعي بأهداف تجارية محددة ونتائج قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بتجارب تقنية منفصلة عن احتياجات العمل.
الشركة تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي في نهاية 2022 دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها. الانتقال لم يكن تقنياً فقط، بل شمل طريقة اتخاذ القرار، وهيكل القيادة، واختيار الحالات التي تستحق الاستثمار. الفكرة الأساسية أصبحت واضحة: لا يكفي تشغيل نماذج جديدة أو إطلاق تجارب داخلية، بل يجب أن تقود التقنية إلى تحسين خدمة العملاء أو رفع كفاءة الأعمال أو الاثنين معاً.
هذا التحول يكتسب أهمية أكبر إذا وضعناه في إطار السوق الأوسع. فبحسب نتائج مسحية عالمية للرؤساء التنفيذيين في 2026، لم يرَ أكثر من نصف المشاركين فائدة مالية كبيرة من الذكاء الاصطناعي حتى الآن، بينما قالت أقلية فقط إنها حققت مكاسب في الإيرادات أو خفض التكاليف. لذلك تبدو تجربة فانغارد لافتة، لأنها تبني الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة أعمال قبل أن يكون مشروعاً تقنياً.
من التجربة إلى الأثر التشغيلي
أحد أهم عناصر نهج فانغارد هو الانتقال المنهجي من مرحلة التجربة إلى مرحلة الأثر الفعلي. في البداية، خاضت الشركة اختبارات داخلية في ثلاثة مجالات رئيسية: توليد الشيفرات البرمجية، وإنتاج المحتوى وتلخيصه، وتحسين البحث داخل الأنظمة. هذه البداية سمحت للفرق بفهم قدرات الأدوات الجديدة وحدودها، كما ساعدت الشركة على بناء إطار مسؤول للتعامل مع الذكاء الاصطناعي.
لكن الشركة لم تتوقف عند مستوى الاستكشاف. فقد ربطت كل مشروع لاحقاً بفرضية واضحة: ما المشكلة التجارية التي نريد حلها؟ وما المؤشر الذي سيؤكد نجاح هذا المشروع؟ هذا النوع من الأسئلة جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من الاستراتيجية التشغيلية، لا مجرد نشاط جانبي تقوده أقسام تقنية المعلومات.
النتيجة كانت نهجاً أكثر صرامة في تقييم المشروعات. فإذا لم يكن هناك هدف واضح أو مؤشر أداء يمكن متابعته، لا يتحول المشروع إلى تطبيق واسع. وإذا أثبتت التجربة جدواها، تحصل على دعم أكبر وتسريع في التوسع. بهذه الطريقة، تقل مخاطر الإنفاق على مبادرات لا تضيف قيمة حقيقية.
حالة استخدام عملية داخل خدمات المستشارين الماليين
من أبرز الأمثلة على هذا التوجه أداة داخلية تحمل اسم Expert Insights، طورتها الشركة لدعم قطاع خدمات المستشارين الماليين لديها. هذا القطاع شهد زيادة كبيرة في الطلب خلال السنوات الست الماضية، ما خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن توسيع الوصول إلى خبرة المتخصصين في المحافظ الاستثمارية دون الاعتماد فقط على التوسع البشري التقليدي؟
الحل الذي طورته فانغارد يجمع بين الذكاء الاصطناعي والتحليل المنهجي الخاص بالشركة. تبدأ الأداة بفهم أهداف المستثمر، ثم تحلل مكونات المحفظة الاستثمارية في ضوء تلك الأهداف. بعد ذلك، يستخدم نظام برمجي حتمي منهجية الشركة الخاصة لإجراء تحليل إضافي، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي صياغة سرد واضح يحدد فرص تحسين المحفظة.
الأداة لا تزال في مرحلة تجريبية ومحصورة حالياً على مجموعة مختارة من الموظفين، لكنها بدأت بالفعل في رفع حجم العمل الذي يستطيع المتخصصون إنجازه. ووفق رؤية الشركة، يمكن أن يؤدي هذا النوع من الأدوات إلى توسيع الوصول إلى خبرة محللي المحافظ بمعدل يصل إلى عشرة أضعاف مقارنة بالوضع السابق. هذا مهم لأنه يوضح الفارق بين مشروع تقني عام وبين حالة استخدام مرتبطة مباشرة بهدف عمل معروف مسبقاً.
الذكاء الاصطناعي كاستراتيجية أعمال لا كاستراتيجية تقنية
الرسالة الأوضح في تجربة فانغارد هي أن الذكاء الاصطناعي لا يُدار باعتباره ملفاً منفصلاً عن النشاط الأساسي للشركة. فبدلاً من بناء "استراتيجية ذكاء اصطناعي" مستقلة، جرى التعامل معه كجزء من استراتيجية الأعمال نفسها. هذا التمييز مهم للغاية، خصوصاً في المؤسسات الكبيرة التي قد تميل إلى إنشاء برامج ابتكار معزولة عن خطوط الإنتاج والخدمات الأساسية.
في قطاع خدمات المستشارين الماليين مثلاً، كان الهدف التجاري موجوداً قبل الذكاء الاصطناعي: توسيع الخدمة والوصول إلى عدد أكبر من العملاء والمستشارين. وعندما ظهرت فرصة لاستخدام النماذج الذكية، تم توظيفها لخدمة هذا الهدف القائم، لا لاختراع هدف جديد يبرر استخدام التقنية.
هذا النهج يساعد أيضاً في تسريع التنفيذ، لأن الفرق لا تبدأ من فراغ. بل تنطلق من حاجة أعمال محددة، ثم تجمع الخبرات المطلوبة حولها، مثل المختصين بالاستثمار، وخبراء المنهجيات، ومهندسي الذكاء الاصطناعي، ومديري المنتجات. هذا التكامل بين التخصصات سمح للشركة بالانتقال بسرعة من نموذج أولي إلى تجربة عملية ثم إلى حل قابل للاستخدام.
قيادة من الأعلى وابتكار من الأسفل
من العوامل التنظيمية التي دعمت التجربة إنشاء شبكة من القادة المعنيين بالذكاء الاصطناعي داخل الوحدات المختلفة. هؤلاء ليسوا جميعاً من فرق التقنية، بل يضمون مسؤولين ومديرين من قطاعات الأعمال يتمتعون بفهم جيد للذكاء الاصطناعي، ويتولون تحديد الأولويات من منظور تجاري. وجود هذا المستوى من القيادة ساعد على توجيه الموارد إلى الحالات التي يمكن أن تحقق نتائج فعلية للعملاء أو للشركة.
في المقابل، لم تعتمد فانغارد على القرارات القادمة من الإدارة العليا فقط. فقد منحت الموظفين في الصفوف الأقرب للعمل اليومي مساحة لتجربة الأدوات واقتراح استخدامات جديدة. هذه المقاربة المزدوجة تخلق توازناً بين التخطيط المركزي والابتكار العملي. القيادة تحدد الاتجاه العام، بينما تكشف الفرق التنفيذية عن فرص قد لا تظهر في الخطط الرسمية.
الفائدة هنا ليست فقط في زيادة عدد الأفكار، بل في تحسين جودة الاختيار. عندما تأتي المقترحات من فرق تعيش المشكلات التشغيلية يومياً، تكون فرص ربط التقنية بنتائج ملموسة أكبر. وعندما تُراجع هذه الأفكار ضمن إطار إداري منضبط، يصبح من الأسهل اختيار المشروعات الأكثر وعداً وإيقاف ما لا يثبت جدواه بسرعة.
أهمية الحوكمة وقياس العائد
في قطاع مالي حساس مثل إدارة الاستثمار، لا يمكن التوسع في الذكاء الاصطناعي من دون ضوابط واضحة. لذلك ربطت الشركة تقدمها في هذا المجال بعناصر عدة تتجاوز بناء النماذج نفسها، منها إعادة تصميم العمليات، وإدارة التغيير داخل المؤسسة، ورفع معدلات التبني، ووضع معايير استخدام مسؤولة.
هذا يوضح أن العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا ينتج من التقنية وحدها. حتى أفضل النماذج قد تفشل إذا لم تُدمج جيداً في سير العمل، أو إذا لم يثق بها الموظفون، أو إذا غابت مقاييس واضحة للحكم على أدائها. لذلك يبدو تركيز فانغارد على الانضباط في القياس جزءاً أساسياً من نجاحها، لا مجرد خطوة محاسبية لاحقة.
وعندما تتحدث الشركة عن العائد، فهي لا تحصره في رقم مالي مجرد، بل تنظر إليه من خلال أثر تشغيلي يمكن قياسه: زيادة الإنتاجية، تحسين سرعة الوصول إلى التحليل، توسيع نطاق الخدمة، وتحسين نتائج العملاء. هذه المقاييس قد تكون في كثير من الأحيان المدخل الأهم لإثبات الجدوى الاقتصادية على المدى المتوسط.
ما الذي يمكن أن تتعلمه الشركات الأخرى
تجربة فانغارد تقدم دروساً عملية لأي مؤسسة تحاول بناء برنامج ذكاء اصطناعي أكثر نضجاً. أول هذه الدروس هو أن البداية الصحيحة لا تكون من سؤال: أي نموذج نستخدم؟ بل من سؤال: ما المشكلة التجارية التي تستحق الحل؟ الدرس الثاني هو ضرورة تحديد مؤشرات نجاح قبل التوسع، لأن القياس بعد التنفيذ فقط يجعل تقييم المشروع أقل دقة.
الدرس الثالث يتمثل في إشراك قادة الأعمال بشكل مباشر، بدلاً من ترك الذكاء الاصطناعي في يد فرق التقنية وحدها. والدرس الرابع هو أهمية فتح المجال أمام التجارب الصغيرة داخل المؤسسة، لكن ضمن قواعد واضحة للحوكمة والمسؤولية. أما الدرس الأخير، فهو أن النجاح في هذا المجال ليس نتيجة إطلاق أداة واحدة، بل نتيجة بناء ثقافة تنظيمية تعرف متى تستثمر، وأين تتوقف، وكيف تتوسع.
في النهاية، يظهر من هذه التجربة أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تأتي من كثرة المبادرات، بل من جودة الاختيار والانضباط في التنفيذ. ومع استمرار الشركات في البحث عن طرق لإثبات جدوى استثماراتها التقنية، قد يصبح هذا النموذج القائم على الأثر القابل للقياس أكثر حضوراً في المؤسسات التي تريد نتائج عملية لا مجرد وعود مستقبلية.