تسارع واضح في اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل البحث الصحي
أظهر تقرير حديث أن استخدام البالغين في الولايات المتحدة للذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات متعلقة بالصحة ارتفع بصورة لافتة خلال فترة قصيرة، في إشارة إلى تحوّل سريع في سلوك المستهلكين تجاه الأدوات الرقمية. فبعد أن كانت النسبة لا تتجاوز 2% في عام 2024، وصلت اليوم إلى 61%، وفقاً لبحث يستند إلى استطلاع شمل 3200 مستهلك حول العالم بهدف قياس تأثير الذكاء الاصطناعي الوكيل على توقعات المستخدمين داخل قطاع الرعاية الصحية.
هذا التحول لا يعكس فقط انتشار أدوات المحادثة الذكية، بل يكشف أيضاً عن تغير أعمق في طريقة تعامل المرضى مع الخدمات الطبية اليومية. فبدلاً من الاكتفاء بالمصادر التقليدية، بات كثيرون يلجأون إلى الأنظمة الذكية للحصول على إجابات سريعة، ومراجعة المعلومات، وفهم خطوات العلاج أو المتابعة بعد زيارة الطبيب.
التعقيد الإداري يدفع المرضى إلى البدائل الرقمية
أحد أبرز ما يلفت الانتباه في النتائج هو أن احتكاك المرضى بالإجراءات الإدارية ما زال يمثل عائقاً كبيراً أمام الوصول إلى الرعاية. ووفق التقرير، فإن 58% من المرضى قد يؤجلون الرعاية الضرورية أو يتجاوزونها بسبب صعوبة حجز المواعيد أو تعقيد الخطوات المطلوبة. كما أشار 60% إلى أنهم يماطلون في طلب الرعاية بسبب عراقيل مرتبطة بجدولة المواعيد.
وتتفاقم المشكلة عندما تتعرض قنوات التواصل التقليدية للفشل. فـ49% من المرضى قالوا إنهم واجهوا مكالمات معلقة لأكثر من 10 دقائق دون رد، بينما وصف 46% المواقع الإلكترونية الخاصة بمقدمي الرعاية بأنها مربكة وصعبة الاستخدام. وفي هذا السياق، أصبح الوصول الرقمي السهل عاملاً مؤثراً في اختيار مقدم الخدمة لدى واحد من كل ستة مرضى تقريباً.
ولا يقتصر الأمر على الحجز فقط، إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف المرضى يواجهون مشاكل في مشاركة السجلات بين مقدمي الخدمة، ما يضطرهم إلى إعادة إجراء الفحوص نفسها. كما أن 66% قالوا إنهم نفدت منهم الأدوية أثناء انتظار تجديد الوصفات، وهو مؤشر إضافي على أن التجربة الصحية الحالية لا تزال تعاني من فجوات تشغيلية واسعة.
الذكاء الاصطناعي كأداة للمتابعة والتنظيم بعد الزيارة
يرى التقرير أن الدور الأكثر قبولاً للذكاء الاصطناعي في الصحة لا يتمثل في التشخيص وحده، بل في الدعم اللوجستي والتنظيمي والمتابعة المستمرة. فحوالي 67% من المشاركين فضلوا الحصول على مساعدة ذكية على مدار الساعة بدلاً من انتظار ساعات العمل الرسمية، فيما قال 83% إنهم مهتمون ببرامج ذاتية التسجيل تقدم توصيات صحية مبنية على البيانات.
وتزداد أهمية هذا التوجه بعد الزيارات الطبية نفسها. فقرابة واحد من كل أربعة مرضى يغادرون العيادة من دون فهم كامل لخطوات العلاج التالية، بينما قال 70% إن رسائل متابعة استباقية من نظام ذكاء اصطناعي ستساعدهم على الالتزام بالخطة العلاجية بين الزيارات. كما أن 78% أكدوا أن التذكيرات الآلية ستساعدهم على تناول الأدوية والالتزام بالإرشادات.
بالنسبة للحالات المزمنة، يبدو هذا الدور أكثر حساسية. إذ قال 65% إن وجود مساعد رقمي متاح طوال اليوم قد يجعل إدارة الحالة الصحية أكثر سهولة. ويشير ذلك إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول من مجرد أداة للبحث عن المعلومات إلى طبقة دعم يومية تساند المريض في التطبيق والمتابعة.
ثقة متزايدة في مشاركة البيانات الصحية مع ضوابط واضحة
من اللافت أن تقبل المرضى للذكاء الاصطناعي لم يعد سطحياً أو محدوداً، بل يمتد إلى مشاركة بيانات حساسة إذا وُجدت ضمانات كافية. فـ73% قالوا إنهم يثقون في قدرة الذكاء الاصطناعي على تنبيههم لاحتمال وجود تداخلات دوائية قبل صرف وصفة جديدة، بينما 63% يريدون تذكيرات تلقائية لتناول الأدوية، و66% يرغبون في أن يقترح النظام فحوصات وقائية مناسبة.
كما أبدى 54% استعدادهم للسماح لوكيل ذكي آمن بالتعامل مع بياناتهم الصحية الحساسة إذا كان ذلك سيؤدي إلى تنسيق أفضل للرعاية. وفي الاتجاه نفسه، قال 72% إنهم سيثقون بأداة ذكاء اصطناعي لإعداد جدول متابعة شخصي يعتمد على تاريخهم الصحي الكامل، بينما رأى 77% أن أداة تقلل الفجوة بين الخروج من المستشفى والعودة إلى المنزل ستكون مفيدة للغاية.
ويبدو أن الأجيال الأصغر أكثر استعداداً لهذه الخطوة. فبين جيل زد، قال 31% إنهم سيلجأون إلى الذكاء الاصطناعي أولاً عندما يساورهم شك بشأن الخطوة التالية بعد الموعد الطبي. كما أظهرت النتائج أن جيل الألفية أكثر ميلاً إلى منح النظام الذكي وصولاً إلى السجل الطبي الكامل للحصول على تشخيص أسرع، ما يعكس انتقالاً تدريجياً من الحذر إلى الاستخدام العملي المنظم.
الإشراف البشري ما زال شرط الثقة الأساسي
رغم هذا الانفتاح المتزايد، يؤكد التقرير أن الثقة في الصحة الرقمية لا يمكن أن تقوم على الذكاء الاصطناعي وحده. فالمرضى يميزون بوضوح بين الأدوات الموجودة داخل البنية الآمنة لمقدم الرعاية، وتلك المتاحة عبر روبوتات المحادثة العامة أو المواقع المفتوحة. وهم أكثر بثلاث مرات تقريباً في الثقة بالحلول المدمجة داخل البوابة الآمنة لمقدم الخدمة.
وفي المقابل، يطالب المستخدمون بإشراف بشري واضح. فـ88% يريدون دليلاً على وجود مراقبة بشرية قبل قبول استخدام الذكاء الاصطناعي في الدعم الإداري، بينما ارتفعت النسبة إلى 90% عندما يتعلق الأمر بالدعم الطبي المباشر. كما شدد المشاركون على ضرورة وجود خيار واضح للتصعيد إلى موظف أو مختص بشري عند الحاجة.
هذه النتائج تضع معياراً واضحاً أمام الشركات الصحية ومزودي التكنولوجيا: القبول الشعبي للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يتقدم سريعاً، لكن الشفافية، وإمكانية التتبع، والمساءلة، والقدرة على الرجوع إلى الإنسان، ما زالت عناصر غير قابلة للتفاوض.
ما الذي يعنيه ذلك لقطاع الرعاية الصحية الرقمية؟
تشير البيانات إلى أن المستهلكين لم يعودوا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تجريبية في الصحة، بل كجزء محتمل من التجربة الطبية اليومية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات ستعتمد على قدرتها على حل المشكلات العملية التي تزعج المرضى: المواعيد، والردود البطيئة، وتجديد الوصفات، وتكرار الفحوص، وصعوبة فهم التعليمات.
وبمعنى آخر، لا يكفي أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي ذكية؛ يجب أيضاً أن تكون آمنة، ومترابطة مع الأنظمة الطبية، وقادرة على العمل ضمن حدود واضحة. وإذا نجح القطاع في تحقيق هذا التوازن، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات تحسين تجربة المريض في السنوات المقبلة.