خرجت شركة ناشئة جديدة في قطاع الذكاء الاصطناعي إلى العلن بطموح يتجاوز بناء روبوتات محادثة أو أدوات إنتاجية تقليدية. الشركة، Mirendil، أسسها باحثون سابقون في Anthropic، وتحمل رؤية تتمثل في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على مساعدة العلماء والمهندسين في تسريع أبحاث الذكاء الاصطناعي نفسها.
اللافت في انطلاقة الشركة ليس فقط طبيعة المهمة التي تستهدفها، بل أيضاً حجم الدعم المالي الذي حصلت عليه منذ بدايتها؛ إذ أعلنت عن جولة تمويل أولية بقيمة 200 مليون دولار عند تقييم بلغ مليار دولار، وهي من أكبر جولات التمويل الأولي التي كُشف عنها في قطاع الذكاء الاصطناعي حتى الآن. وقادت الجولة شركتا Andreessen Horowitz وKleiner Perkins، مع مشاركة من NVIDIA.
رهان على الذكاء الاصطناعي الذي يصنع الذكاء الاصطناعي
تنطلق Mirendil من فرضية أساسية مفادها أن المرحلة التالية من التطور في الذكاء الاصطناعي لن تأتي فقط من تحسين المساعدات الذكية الموجهة للمستخدم النهائي، بل من بناء أنظمة تساعد على تحسين نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها. ووفقاً لهذا التصور، فإن القيمة الكبرى لا تكمن في الإجابة عن الأسئلة فحسب، بل في تمكين فرق البحث من اكتشاف نماذج أفضل وبناءها بصورة أسرع وأكثر تخصصاً.
هذا التوجه يضع الشركة ضمن موجة متنامية من المشاريع التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كطبقة بنية تحتية للبحث العلمي، لا كمنتج استهلاكي نهائي. وبدلاً من التركيز على كتابة النصوص أو إدارة المهام اليومية، تسعى Mirendil إلى تطوير أدوات قادرة على دعم دورة البحث والتجريب والتقييم والتحسين التي تمر بها النماذج المتقدمة.
من خلفية Google وAnthropic إلى شركة مستقلة
تأسست الشركة على يد بهنام نيشابور وحرش مهتا، وهما اسمان عملا سابقاً معاً في Google ثم في Anthropic. ويعكس هذا الانتقال نمطاً متكرراً في سوق الذكاء الاصطناعي، حيث يغادر باحثون ذوو خبرة مختبرات كبرى لإطلاق شركات تركّز على طبقات أكثر تخصصاً من التطوير.
ويضم الفريق المؤسس أيضاً شايان ساليحيان، الذي كان من أوائل المنضمين إلى xAI، إلى جانب تارا رضائي، خريجة معهد ماساتشوستس للتقنية. وبحسب المعلومات المتاحة، نجحت الشركة في بناء فريق يضم نحو 20 باحثاً ومهندساً، يمتلكون خبرات تراكمت في Anthropic وOpenAI وGoogle DeepMind وxAI.
هدف الشركة: توسيع الوصول إلى أبحاث الحدود الأمامية
تقول Mirendil إن رؤيتها تتجاوز تطوير نموذج أساسي جديد، لأن ما تريده فعلياً هو إعادة تشكيل العملية البحثية ذاتها. الفكرة هنا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح شريكاً في البحث العلمي، يساعد على استكشاف الفرضيات بسرعة أكبر، ويختصر الوقت المطلوب للوصول إلى نتائج قابلة للاختبار.
وتستند الشركة إلى قناعة بأن أبحاث الذكاء الاصطناعي المتقدمة باتت مركزة في عدد محدود من المؤسسات التي تمتلك موارد حوسبة ضخمة وفرقاً بحثية كبيرة. أما الجامعات والشركات الناشئة ومختبرات الأدوية والمؤسسات الصناعية، فقد يكون بإمكانها إنجاز تقدم أسرع إذا توفرت لها أنظمة مصممة خصيصاً لتسريع البحث بدلاً من الاعتماد على نماذج عامة الاستخدام.
وبهذا المعنى، تريد Mirendil أن تقدم الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تضخيم لقدرات الباحثين، لا بديلاً عنهم. فالمقصود، بحسب فلسفة الشركة، هو تمكين العلماء من العمل بشكل أسرع وأكثر تخصصاً في مجالات مثل الكيمياء والطب والمواد والروبوتات والبيولوجيا.
نموذج عمل يركز على البحث والتطوير
توضح الشركة أن ما تبنيه ليس مجرد منتج برمجي تقليدي، بل منظومة متكاملة من النماذج ومسارات العمل البحثية. هذا النهج يشير إلى رغبة في الجمع بين بنية نموذجية متقدمة وعمليات تطوير تسمح بتحسين الأداء بشكل تراكمي، بحيث تصبح المنصة نفسها أكثر قدرة على المساعدة في أبحاث الذكاء الاصطناعي مع الوقت.
ومن المنتظر أن تطلق Mirendil أول نموذج ومنتج لها خلال الأشهر المقبلة، في خطوة تهدف إلى جمع ردود الفعل من الباحثين والمطورين قبل توسيع نطاق العمل. هذه المرحلة المبكرة عادة ما تكون حاسمة بالنسبة للشركات التي تستهدف شرائح تقنية متقدمة، لأن نجاحها يعتمد على مدى ملاءمة الأدوات لاحتياجات المختبرات وفرق التطوير الفعلية.
التمويل الكبير يعكس ثقة في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
توقيت الجولة وحجمها يسلطان الضوء على تغير واضح في شهية المستثمرين. فبينما كانت كثير من الاستثمارات السابقة تتجه نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستخدم أو المؤسسات، بدأ جزء متزايد من رأس المال يذهب إلى الشركات التي تبني الطبقات الأساسية: الحوسبة، التقييم، البنية التحتية، وأدوات تطوير النماذج.
في حالة Mirendil، يبدو أن المستثمرين يراهنون على أن أدوات تسريع الأبحاث قد تصبح من أهم قطاعات النمو خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا أصبحت قادرة على خفض كلفة الابتكار في مجالات عالية القيمة مثل اكتشاف الأدوية وتصميم المواد والنمذجة العلمية والأنظمة الروبوتية.
كما أن مشاركة NVIDIA في الجولة تشير إلى أهمية البنية الحاسوبية في هذا المسار، لأن أي محاولة لبناء ذكاء اصطناعي مخصص للبحث والتطوير ستحتاج إلى موارد ضخمة وقدرة عالية على التدريب والاستدلال والتجريب السريع.
الجدل حول التحسين الذاتي المستمر
تقع رؤية Mirendil عند نقطة حساسة في النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي: فكرة التحسين الذاتي المتكرر، أي أن تساعد النماذج الذكية في بناء أجيال أكثر تقدماً منها. المؤيدون لهذه الفكرة يرون أنها قد تسرّع الاكتشاف العلمي بشكل غير مسبوق، وتختصر دورات البحث الطويلة التي تتطلب عادة سنوات من العمل المتواصل.
لكن هذا المسار يثير أيضاً أسئلة معقدة لدى باحثي السلامة والحوكمة، لأن ارتفاع مستوى استقلالية الأنظمة قد يخلق تحديات مرتبطة بالرقابة والتحكم والتأكد من أن التطوير ما يزال ضمن حدود آمنة ومفهومة. وتقول الشركة إن هذه التحديات يمكن التعامل معها على أنها مشكلات هندسية قابلة للحل، وليست عوائق نهائية.
ومع ذلك، يبقى هذا الملف من أكثر الملفات حساسية في الصناعة، لأن أي خطأ في تصميم الأنظمة التي تساعد على تطوير أنظمة أخرى قد تكون له تبعات تتجاوز المنتج نفسه إلى نطاق أوسع من البحث والتشغيل.
ما الذي يعنيه ظهور Mirendil للقطاع؟
أهمية Mirendil لا تتعلق فقط بحجم التمويل، بل أيضاً بالإشارة التي ترسلها إلى السوق: مرحلة جديدة من الذكاء الاصطناعي بدأت تتشكل، حيث ينتقل التركيز من استخدام النماذج إلى تحسين آلية إنتاجها. وإذا نجحت هذه الشركات في بناء أدوات فعالة للبحث العلمي، فقد يتغير توزيع القوة داخل القطاع على المدى الطويل.
في هذا السيناريو، لن تبقى قدرات التطوير المتقدم حكراً على عدد محدود من المختبرات العملاقة. بل قد تتمكن الجامعات والشركات الدوائية والمختبرات الصناعية من الوصول إلى أدوات تساعدها على ابتكار نماذج خاصة بها، مصممة لحل مشكلات محددة بدقة أعلى وسرعة أكبر.
وبين طموح ديمقراطية البحث العلمي وحساسية المخاطر التقنية، تدخل Mirendil السوق وهي تراهن على أن المستقبل الأقرب للذكاء الاصطناعي لن يكون فقط في الإجابة عن الأسئلة، بل في تسريع الطريقة التي تُطرح بها هذه الأسئلة أصلاً.