جمعت شركة Acti تمويلاً أولياً بقيمة 5.3 مليون دولار في خطوة تعكس سباق الشركات الناشئة لإعادة تعريف واجهة استخدام الذكاء الاصطناعي على الهاتف المحمول. وتبني الشركة رؤيتها على فكرة مختلفة عن روبوتات الدردشة التقليدية: بدل أن يذهب المستخدم إلى التطبيق، يأتي الذكاء الاصطناعي إلى المكان الذي يبدأ منه التفاعل فعلياً، أي لوحة المفاتيح نفسها.
الرهان هنا ليس على تحسين الكتابة فقط، بل على تحويل لوحة المفاتيح إلى طبقة تنفيذ قادرة على إنجاز مهام عملية داخل التطبيقات اليومية، مثل تحرير الرسائل، إنشاء روابط الاجتماعات، تلخيص النصوص، الترجمة، أو تشغيل إجراءات مرتبطة بأدوات وخدمات أخرى. بهذا المعنى، تريد Acti أن تجعل الكتابة على الهاتف نقطة انطلاق للعمل، لا مجرد إدخال بيانات.
تمويل أولي يقوده BITKRAFT Ventures
قاد جولة التمويل صندوق BITKRAFT Ventures، وهو مستثمر مبكر معروف بتركيزه على الألعاب والإعلام التفاعلي وتقنيات الذكاء الاصطناعي والمنتجات الاستهلاكية الرقمية. ويمتلك الصندوق خبرة في دعم الشركات التي تعتمد على سلوك المستخدم اليومي وتكرار التفاعل، وهي نقطة تتقاطع مع رؤية Acti لمنتجها الجديد.
اختيار المستثمر يعكس أيضاً أن المشروع لا يقدّم أداة إنتاجية تقليدية فحسب، بل يحاول بناء تجربة استخدام يمكن أن تصبح عادة يومية. فكلما كان المنتج أقرب إلى سلوك المستخدم الطبيعي، زادت فرص تبنيه، وهو ما تراهن عليه الشركة عبر وضع الذكاء الاصطناعي داخل لوحة المفاتيح بدلاً من نافذة مستقلة.
من مساعد منفصل إلى واجهة داخل النص
تقوم الفكرة الأساسية لدى Acti على انتقاد شائع لطريقة عمل كثير من مساعدين الذكاء الاصطناعي اليوم. فالمستخدم غالباً يضطر إلى التبديل بين التطبيقات، نسخ السياق، إدخال الطلب، ثم العودة إلى المحادثة أو البريد أو التطبيق الأصلي. وتعتقد الشركة أن هذه الخطوات تجعل التجربة أبطأ من اللازم، خصوصاً على الهاتف المحمول حيث السرعة والدقة عاملان حاسمان.
لذلك، تقدم Acti ما تصفه بلوحة مفاتيح وكيلية، أي لوحة تحتوي على وكيل ذكاء اصطناعي مدمج في حقول النص. والهدف هو السماح للمستخدم بطلب إجراء محدد وهو لا يزال داخل السياق نفسه، من دون فتح تطبيق جديد أو مغادرة الشاشة الحالية. هذه المقاربة تضع الشركة في مسار مختلف عن معظم أدوات الذكاء الاصطناعي الاستهلاكية التي تركز على المحادثة النصية كواجهة أولى.
وتقوم تجربة الاستخدام على تسلسل بسيط: يكتب المستخدم ما يحتاج إليه، ثم يفعّل ميزة Acti Bar أو مفتاحاً مخصصاً، ويعاين النتيجة المقترحة قبل تطبيقها. هذا الأسلوب يحاول الموازنة بين الأتمتة والتحكم، بحيث لا ينفذ النظام المهمة بشكل نهائي إلا بعد مراجعة المستخدم.
مفاتيح مهارية قابلة للبرمجة
أحد أكثر أجزاء المنتج طموحاً هو مفهوم Skill Keys، أي المفاتيح التي يمكن تحويلها إلى مهارات رقمية. وبمجرد الضغط المطول على مفتاح معين، يمكن تشغيل إجراء محدد مسبقاً مثل ترجمة رسالة، إنشاء دعوة اجتماع، تلخيص فقرة، إرسال موقع على الخريطة، أو تنفيذ سير عمل خاص بالمستخدم.
ما يميز هذا التصميم أنه لا يضيف زرّاً جديداً فقط، بل يحول لوحة المفاتيح إلى مساحة قابلة للبرمجة. وبدلاً من حصر الذكاء الاصطناعي في قالب واحد، تتيح الشركة للمستخدم تخصيص سلوك كل مفتاح وفقاً لاحتياجاته اليومية. هذه الفكرة قد تكون جذابة خصوصاً للمستخدمين الذين يعتمدون على هاتفهم في التواصل والعمل والإنتاجية.
كما تقدم الشركة أداة Skill Builder التي تسمح بإنشاء هذه المهارات دون الحاجة إلى كتابة أكواد. ويكفي أن يشرح المستخدم ما يريد باللغة الطبيعية، لتقوم المنصة بتجميع التعليمات والأدوات والنتيجة النهائية في مهارة قابلة لإعادة الاستخدام. ثم يمكن حفظ هذه المهارات بشكل خاص أو نشرها داخل Skill Hub، وهو طبقة اكتشاف تشبه السوق الداخلية للأوامر والوظائف الجاهزة.
رهان على بناء منظومة حول لوحة المفاتيح
لا تعتمد Acti على المنتج الأساسي فقط، بل على احتمال أن يتحول إلى نظام بيئي صغير من المهارات القابلة للمشاركة. ووفق ما تعلنه الشركة، فقد أنشأ المستخدمون الأوائل أكثر من 1000 مهارة خلال أقل من أسبوعين، وهو رقم يشير إلى أن قابلية التخصيص قد تكون عاملاً رئيسياً في انتشار الفكرة.
إذا استمرت هذه الوتيرة، فقد تصبح المنصة أقل شبهاً بأداة مساعدة وأكثر شبهاً بواجهة تشغيل مرنة، حيث يبني المستخدم وظائفه الخاصة وفق نمط استخدامه. وهذا النوع من التوسع مهم لأن القيمة الحقيقية للوحة المفاتيح الذكية لن تأتي من مهمة واحدة أو اثنتين، بل من كثافة السيناريوهات التي يمكن أن تخدمها داخل التطبيق نفسه.
وتشير تصنيفات Skill Hub إلى أن الاستخدامات تمتد إلى مجالات متعددة مثل الكتابة، التواصل الاجتماعي، أدوات المطورين، والإنتاجية. وهذه التعددية تدل على أن Acti تريد أن تكون طبقة عامة، لا حلاً متخصصاً لحالة واحدة فقط.
البيانات السياقية وثقة المستخدم
تقول الشركة إن رؤيتها الأكبر هي أن تصبح لوحة المفاتيح طبقة سياق شخصية لعصر وكلاء الذكاء الاصطناعي. وتستند هذه الرؤية إلى أن المعلومات التي يحتاجها الوكيل لفهم نية المستخدم موزعة عادة بين تطبيقات كثيرة، بينما تمثل لوحة المفاتيح نقطة تماس مشتركة مع معظم أنشطة الكتابة على الهاتف.
لكن هذه القوة تأتي مع تحدٍ حساس جداً. فاللوحة من أكثر أجزاء الهاتف خصوصية، لأنها ترتبط بما يكتبه المستخدم من رسائل وملاحظات وطلبات عمل ومعلومات شخصية. ولهذا تؤكد الشركة أن التطبيق لا يسجل كل ما تتم كتابته، وأن المعالجة تتم فقط عند تفعيل Acti Bar أو أحد المفاتيح المهارية بشكل صريح. كما تشير إلى أن الاتصالات البرمجية تستخدم التشفير، وأن المستخدم يظل متحكماً فيما يرسله.
هذه النقطة قد تكون حاسمة في مستقبل المنتج. فكلما زادت فائدة لوحة المفاتيح الوكيلة، احتاجت إلى قدر أكبر من السياق والوصول إلى التطبيقات والواجهات البرمجية وسلوك المستخدم المتكرر. وهنا تظهر المعضلة الأساسية: كيف تمنح النظام ما يكفي من السياق ليكون مفيداً، من دون أن يشعر المستخدم بأنه تحت المراقبة الدائمة؟
منافسة على إحدى أهم واجهات الهاتف
التحرك نحو لوحة المفاتيح لا يعني فقط الابتكار في تجربة المستخدم، بل يعني أيضاً الدخول في مساحة تتنافس عليها شركات كبرى تملك نفوذاً مباشراً على أنظمة التشغيل والمتاجر والواجهات الأساسية. فكل من Apple وGoogle ومنصات الذكاء الاصطناعي الكبرى لديها مصلحة في السيطرة على هذا السطح الذي يستخدمه الناس في معظم التطبيقات.
ومع ذلك، تظل لوحة المفاتيح واحدة من أكثر الواجهات عالمية وانتشاراً على الهاتف، لأنها لا ترتبط بتطبيق واحد بل تمر عبر جميع التطبيقات تقريباً. وهذا يمنح Acti ميزة نظرية مهمة: إذا نجحت الفكرة، فقد تصبح خدمات الذكاء الاصطناعي أقرب إلى البنية التحتية المدمجة في الاستخدام اليومي، بدلاً من أن تبقى وجهة منفصلة يذهب إليها المستخدم عند الحاجة.
وبتمويل جديد قدره 5.3 مليون دولار، تمتلك Acti الآن فرصة لاختبار ما إذا كانت لوحة المفاتيح قادرة فعلاً على التحول من أداة إدخال سلبية إلى طبقة تنفيذ نشطة. وستعتمد النتيجة في النهاية على جودة المهارات التي تقدمها الشركة، وعلى مدى استعداد المستخدمين لمنح هذه الواجهة الحساسة دوراً أكبر في إدارة السياق والأوامر والمهام اليومية.