08-Jul-2026 5 دقائق قراءة

اليابان تضع نموذجاً وطنياً للذكاء الاصطناعي لدعم 10 ملايين روبوت بحلول 2040

تتحول خطة اليابان للروبوتات الذكية إلى مشروع وطني رسمي يهدف إلى تشغيل 10 ملايين روبوت مدعوم بالذكاء الاصطناعي في 18 قطاعاً بحلول 2040، بتمويل حكومي قد يصل إلى تريليون ين خلال خمس سنوات.

انتقلت خطة اليابان الخاصة بالروبوتات الذكية من مستوى الطرح السياسي العام إلى مشروع وطني منظم، بعدما أكدت الحكومة تفاصيل برنامج يستهدف نشر 10 ملايين روبوت مدعوم بالذكاء الاصطناعي في 18 قطاعاً اقتصادياً بحلول عام 2040. ويأتي ذلك ضمن تمويل حكومي قد يصل إلى تريليون ين، أي ما يعادل نحو 6.1 مليارات دولار، موزعاً على خمس سنوات.

الرقم الكبير جذب الانتباه سريعاً، لكن الأهم منه أن الخطة لم تعد مجرد تصور بعيد المدى. فطوكيو كلفت بالفعل جهات محددة بتنفيذ هذا المسار، في خطوة تعكس رغبة واضحة في تحويل الذكاء الاصطناعي من أدوات رقمية تعمل على الشاشات إلى أنظمة مادية تتفاعل مع البيئة وتنفذ المهام داخل المصانع والمطابخ والمستشفيات وغيرها من مواقع العمل.

نموذج ذكاء اصطناعي مادي بدل الأوامر المسبقة

تشرف وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية مع وكالة الابتكار الوطنية على المشروع، وقد أسندت المهمة إلى شركة Noetra بالتعاون مع المعهد الياباني للعلوم والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة AIST. المطلوب هو تطوير نموذج ذكاء اصطناعي مادي متعدد الوسائط يستطيع فهم اللغة والصور والفيديو وبيانات الحساسات في وقت واحد، بحيث لا يكتفي الروبوت بتنفيذ حركة مبرمجة سلفاً، بل يفهم ما يراه حوله ويتصرف وفق السياق.

هذا النوع من النماذج يمثل تطوراً مهماً في مجال الروبوتات، لأنه يربط بين الإدراك واتخاذ القرار والتنفيذ. وبذلك يمكن للروبوت أن يتعامل مع بيئة عمل متغيرة، مثل إعادة ترتيب الأدوات، أو التنقل بين عوائق، أو التكيف مع تعليمات جديدة دون إعادة برمجته من الصفر.

ومن المتوقع صدور نسخة أولية من النموذج خلال السنة المالية الحالية، على أن تتبعها تحديثات سنوية لاحقاً. وستعتمد عملية التدريب والتطوير على بيانات تقدمها شركات مصنعة وجهات مشاركة أخرى، في صيغة تعاون بين الحكومة والقطاع الخاص تهدف إلى تسريع الوصول إلى تطبيقات عملية.

تمويل مشروط ومراجعات سنوية صارمة

رغم أن القيمة الإجمالية المتوقعة للبرنامج تبلغ تريليون ين، فإن التمويل ليس مفتوحاً بلا قيود. فالجزء المتعلق بالسنة المالية الحالية يقدَّر بنحو 2.3 مليار دولار، وهو ممول من تخصيص مالي حجمه 387.3 مليار ين عبر سندات مخصصة لتمويل انتقال الاقتصاد نحو الطاقة والخدمات النظيفة.

كما أن الخطة لا تتجاوز مرحلتين مضمونتين فقط في الوقت الحالي، بينما تخضع السنوات اللاحقة لمراجعة سنوية ضمن آلية تقييم مرحلية. وهذا يعني أن الحكومة اليابانية تحتفظ بحق تقليص الدعم أو إيقافه إذا لم تحقق Noetra الأهداف المطلوبة في المواعيد المحددة.

هذه الصيغة التمويلية تكشف أن المشروع، على ضخامته، يخضع لمنطق محاسبي صارم. فالتريليون ين يمثل سقفاً مالياً وليس التزاماً نهائياً، وهو ما يمنح صانعي القرار قدرة على إعادة ضبط المسار إذا ظهرت عراقيل تقنية أو تأخر في تحقيق النتائج.

ائتلاف صناعي يضم شركات التكنولوجيا والروبوتات

تقوم Noetra على هيكل شراكة يضم عدداً من أبرز الشركات الصناعية والتكنولوجية في اليابان. وتعود ملكيتها الأكبر إلى SoftBank وNEC وSony Group وHonda، مع تقارير تشير إلى احتمال انضمام Fujitsu وRakuten إلى المشروع أيضاً. كما يعمل مهندسون من SoftBank إلى جانب باحثين من Preferred Networks وAIST على تطوير المنظومة.

هذا التشكيل يعكس نهجاً يابانياً معروفاً في المشاريع التقنية الكبرى، حيث لا تُترك المهمة لشركة واحدة تحاول الوصول إلى نموذج متقدم بمفردها. وبدلاً من ذلك، يجري تجميع خبرات في العتاد البصري والحوسبة والهندسة والروبوتات وتكامل الأنظمة ضمن تحالف واحد.

وتكمن أهمية هذا الترتيب في أن الذكاء الاصطناعي المخصص للروبوتات يحتاج إلى منظومة كاملة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار والمحركات والبرمجيات، وليس إلى نموذج لغوي فقط. لذلك تبدو الشركات المشاركة مناسبة تقنياً لتوفير اللبنات اللازمة من التصميم حتى النشر.

الهدف الحقيقي: سد فجوة العمل في اقتصاد يشيخ بسرعة

السبب الرئيسي وراء الخطة يرتبط بأزمة العمل في اليابان. فالتراجع السكاني المتواصل وارتفاع متوسط الأعمار، إلى جانب سياسات الهجرة المحدودة، أديا إلى نقص واسع في الأيدي العاملة داخل قطاعات عديدة. ونتيجة لذلك تبحث الشركات اليابانية عن وسيلة تقلل الاعتماد على العمالة البشرية في المهام المتكررة أو الشاقة أو التي يصعب تغطيتها بالتوظيف التقليدي.

وقد صرح وزير الصناعة الياباني بأن الحكومة تسعى إلى دعم التطبيق العملي للتقنية في قطاعات مثل المطاعم، وتصنيع الأغذية، والرعاية الطبية. وهذه المجالات بالذات تعاني من ضغط واضح في القوى العاملة، كما أنها من أكثر القطاعات قابلية للاستفادة من الروبوتات الذكية إذا أصبحت قادرة على الفهم والاستجابة في بيئات حقيقية.

اليابان لا تبدأ من الصفر في هذا المجال. فالدولة تمتلك خبرة طويلة في الروبوتات المستخدمة في الرعاية المنزلية، والاستجابة للكوارث، والتصنيع، وحتى في أعمال شديدة التعقيد مثل إزالة آثار حادثة فوكوشيما. غير أن المشروع الجديد يسعى إلى تحويل هذه الخبرة المتفرقة إلى منصة وطنية يمكن توسيعها وتصديرها.

منافسة آسيوية على مستقبل الروبوتات الذكية

توقيت الإعلان يضيف بعداً تنافسياً واضحاً. فخلال فترة قصيرة من تأكيد اليابان لمشروعها، طرحت كوريا الجنوبية أيضاً مبادرة خاصة بالروبوتات، ما يشير إلى أن السباق في المنطقة لم يعد مقتصراً على نماذج المحادثة أو الخدمات السحابية، بل انتقل إلى ما يمكن وصفه بالذكاء الاصطناعي المادي.

في هذا السياق، لا تتنافس الدول فقط على تطوير نماذج أكبر أو أسرع، بل على بناء أنظمة قادرة على العمل في العالم الملموس. وهذا يشمل الروبوتات الصناعية، والمساعدين الخدميين، والأنظمة المؤتمتة في المستودعات، وربما مستقبلاً حلولاً أوسع في الرعاية والبنية التحتية.

التحول من الذكاء الاصطناعي النصي إلى الذكاء الاصطناعي المتجسد في روبوتات حقيقية قد يصبح أحد أهم خطوط المنافسة التقنية في السنوات المقبلة، خصوصاً في الاقتصادات التي تعاني من نقص العمالة وارتفاع تكاليف التشغيل.

ما الذي سيحدد نجاح المشروع؟

المؤشر الحاسم لن يكون رقم 2040، بل ما سيحدث خلال المراحل الأولى من التنفيذ. فإذا تمكنت Noetra من إطلاق نموذج عملي خلال السنة المالية الحالية وحققت الأهداف المرحلية الأولى، فمن المرجح أن يزداد اهتمام المستثمرين والشركات المشاركة بالمشروع. أما إذا تعثر التطوير، فإن آلية المراجعة السنوية قد تجعل الحكومة أقل استعداداً لمواصلة الإنفاق.

وبالنسبة لليابان، فإن الرهان لا يتعلق بالروبوتات وحدها، بل بإعادة تعريف كيفية تعامل الاقتصاد مع نقص العمالة عبر التقنية. وإذا نجحت الخطة، فقد تتحول إلى نموذج دولي لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي المادي في خدمة الإنتاج والخدمات العامة. أما إذا أخفقت، فستبقى مثالاً على أن المشاريع الوطنية الكبرى في الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى أكثر من التمويل والطموح: تحتاج إلى أداء تقني يمكن قياسه على الأرض.