09-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الفجوة في عائد استثمارات الذكاء الاصطناعي ليست مشكلة نماذج بل مشكلة سير عمل

توضح بيانات حديثة أن ضعف عائد الاستثمار في مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل الشركات لا يرتبط في الأساس بجودة النماذج، بل بغياب سير عمل منظم يمنح المخرجات إشارات واضحة للدقة والاعتماد.

تتسع فجوة العائد من استثمارات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات بوتيرة لافتة، لكن المشكلة لا تبدو مرتبطة بضعف النماذج بقدر ما ترتبط بغياب البنية التشغيلية التي تجعل المخرجات قابلة للثقة والقياس. فبينما تتقدم قدرات النماذج التوليدية والعوامل الذكية بسرعة، ما زالت كثير من المؤسسات تحاول إدخال هذه الأدوات إلى بيئات عمل لا تمتلك أصلاً سيراً واضحاً، أو إشارات دقيقة للحكم على جودة الناتج.

هذا التباين يفسر جانباً مهماً من واقع السوق: شركات كثيرة تنفق على تجارب الذكاء الاصطناعي، لكنها لا ترى الأثر المالي المتوقع. وفي المقابل، تظهر بعض الحالات الناجحة داخل مجالات محددة، خصوصاً تطوير البرمجيات، لأن العمل هناك مبني منذ سنوات على أدوات توثيق ومراجعة واختبار ورصد تسمح بتطبيق الذكاء الاصطناعي داخل إطار يمكن التحقق منه.

النجاح في البرمجيات يكشف سبب التعثر في القطاعات الأخرى

عندما تحقق أدوات الذكاء الاصطناعي تقدماً كبيراً في كتابة الشيفرة أو مراجعتها، فذلك لا يعني أن هذه النماذج فريدة بقدراتها، بل يعني أن بيئة العمل البرمجية نفسها جاهزة لاستقبالها. فالمطورون يعتمدون على أنظمة مثل التحكم في الإصدارات، وخطوط النشر المستمر، واختبارات الجودة الآلية، ومراجعات الكود، وهي كلها عناصر تمنح العمل مساراً واضحاً وإشارات دقيقة بشأن الصحة والخطأ.

بمعنى آخر، الذكاء الاصطناعي لا ينجح هناك لأنه أكثر ذكاءً فقط، بل لأنه يعمل فوق طبقة تنظيمية وقياسية كانت موجودة مسبقاً. هذه الطبقة، التي يمكن تسميتها بنية تحتية للثقة، هي ما تفتقده قطاعات كثيرة حين تحاول استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال اليومية.

وهنا يظهر الفارق الحقيقي: في البرمجيات، يمكن قياس النتيجة بسرعة نسبية. إما أن الشيفرة تعمل أو لا تعمل، إما أن الاختبار ينجح أو يفشل. أما في وظائف أخرى، فالإشارة إلى صحة المخرجات قد تكون غامضة أو متأخرة أو معقدة بسبب تعدد المتغيرات البشرية والتنظيمية.

التركيز على الحوكمة وحده لا يكفي

كثير من المؤسسات ركزت خلال العامين الماضيين على إنشاء لجان توجيه، وموافقات رسمية، ومؤشرات أداء، ونماذج حوكمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. هذه الخطوات مهمة، لكنها غالباً تقع فوق مستوى العمل الفعلي، لا داخله. أي أنها تنظم القرار الإداري، لكنها لا تضمن أن المخرجات الناتجة عن النموذج كانت صحيحة في اللحظة التي استُخدمت فيها.

المشكلة هنا أن الشركات قد تبني قشرة تنظيمية قوية، ثم تكتشف أن القيمة تتسرب داخل تفاصيل التنفيذ: في الإدخال الأولي، أو في كيفية صياغة الطلب، أو في مراجعة المخرجات، أو في تسليمها للعميل أو للموظف أو للنظام الداخلي. لذلك فإن العائد لا يتوقف على وجود سياسة استخدام، بل على وجود سير عمل يمكن تتبعه وقياسه وتصحيحه.

وتشير التجارب المؤسسية إلى أن الفرق بين النجاح والتعثر لا يتحدد عادة بحجم الإنفاق، بل بمدى وضوح العملية نفسها. فإذا لم يعرف الفريق أين يبدأ العمل وأين ينتهي، وكيف يمكن التحقق من صحة كل مرحلة، فإن الذكاء الاصطناعي يظل أداة تجريبية أكثر منه محركاً إنتاجياً.

البيانات المؤسسية تكشف أين تتسرب القيمة

النتائج التي تظهر في دراسات قادة تقنية المعلومات تعزز هذا التفسير. فالنسبة الصغيرة من المؤسسات التي تقول إن مبادرات الذكاء الاصطناعي حققت أو تجاوزت أهداف العائد الاستثماري، تقابلها أغلبية واسعة ما زالت غير قادرة على إثبات جدوى واضحة. وفي الوقت نفسه، فإن كثيراً من هذه المؤسسات لا تعاني من غياب الاهتمام، بل من غياب البنية التي تربط بين الاستخدام والنتيجة.

وتتكرر في هذه الدراسات ثلاثة تحديات رئيسية: نقص الخبرة الداخلية، وضعف تعريف مقاييس العائد، وغياب استراتيجية مؤسسية واضحة للذكاء الاصطناعي. ولا يشير أي من هذه التحديات إلى أن النموذج نفسه غير كافٍ. بل على العكس، فهي كلها مشكلات تشغيلية وتنظيمية ومعرفية تتعلق بكيفية إدخال الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل.

وتبدو هذه الفجوة أوضح في القطاعات التي لا تشبه دورة تطوير البرمجيات. فكلما كان العمل أقل تجزئة، وأصعب في القياس، وأكثر اعتماداً على الحكم البشري، زادت صعوبة تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مالية قابلة للإثبات. ولهذا تتقدم بعض الصناعات أسرع من غيرها، لا لأنها أكثر حماساً، بل لأنها تمتلك بنية أكثر ملاءمة للتجربة والقياس.

التطبيقات الداخلية تتقدم على الواجهات الخارجية

اللافت أن كثيراً من المؤسسات تبدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات الداخلية قبل التوجه إلى التطبيقات الموجهة للعملاء. هذا ليس علامة على الحذر فقط، بل انعكاس عملي لطبيعة المخاطر. فالعمليات الداخلية غالباً أكثر وضوحاً وأقل تكلفة في حال الخطأ، كما أن نواتجها يمكن مراجعتها وتصحيحها قبل أن تصل إلى المستخدم النهائي.

أما التطبيقات الخارجية، فهي أصعب بكثير، لأن أي خطأ فيها ينعكس فوراً على تجربة العميل وعلى سمعة المؤسسة. لذلك، فإن المؤسسات التي تنجح فعلاً تميل إلى بناء الخبرة أولاً داخل مهام لها خطوات محددة ومخرجات قابلة للمراجعة، ثم تتوسع لاحقاً إلى المساحات الأكثر حساسية.

ومع ذلك، لا يكفي الانتقال من الداخلي إلى الخارجي وحده. ما لم يوجد معيار واضح للحكم على دقة مخرجات النموذج في كل مرحلة، ستظل المؤسسة تدور في حلقة من التجارب المحدودة التي تنتج مؤشرات نشاط أكثر مما تنتج قيمة فعلية.

العائد يبدأ من تصميم العمل نفسه

القاعدة العملية هنا واضحة: لا ينبغي تقييم فرص الذكاء الاصطناعي فقط بحسب حجم القيمة المتوقعة، بل بحسب مدى جاهزية سير العمل الذي سيستضيفه. فإذا كان العمل مقسماً إلى مراحل يمكن رصدها، وكانت هناك إشارة واضحة تحدد نجاح كل مرحلة أو فشلها، فإن احتمالات النجاح ترتفع بشكل كبير.

أما إذا كان العمل يعتمد على أحكام غير قابلة للقياس، أو يتطلب سياقاً بشرياً واسعاً لا يمكن ترجمته بسهولة إلى قواعد تشغيلية، فالمؤسسة أمام خيارين: إما بناء البنية اللازمة أولاً، أو تأجيل التوسع حتى تتضح ملامح الاستخدام المناسب.

هذا المنظور يغيّر طريقة التفكير في ميزانيات الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من تمويل المشاريع على أمل أن تظهر الفائدة لاحقاً، يصبح المطلوب تمويل حالات الاستخدام التي تمتلك منذ البداية بنية تسمح بالتحقق. وهنا تنتقل المؤسسة من منطق التجربة العشوائية إلى منطق الاختيار المنضبط.

الخلاصة: المشكلة ليست في ذكاء النماذج بل في جاهزية المؤسسة

الدرس الأهم أن الذكاء الاصطناعي لا يفشل بالضرورة لأنه أقل قدرة مما يُتوقع، بل لأنه يُوضع أحياناً في بيئات لا تمنحه الشروط اللازمة للنجاح. النموذج قد يكون قوياً، لكن دون سير عمل منظم، وآلية مراجعة، وإشارات واضحة للجودة، سيبقى العائد أقل بكثير من التوقعات.

وعليه، فإن السؤال الصحيح لم يعد: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينفذ المهمة؟ بل: هل صُممت المهمة بطريقة تسمح بالاعتماد على مخرجاته؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد الفارق بين مشاريع تستهلك الميزانية ومشاريع تصنع قيمة قابلة للقياس.