09-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تقرير: قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة يسجل 38,242 وظيفة مفقودة في مايو مع تصاعد تأثير الذكاء الاصطناعي

سجلت شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة 38,242 حالة تسريح في مايو 2026، في أعلى مستوى شهري للقطاع منذ أغسطس 2024، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي السبب الأكثر تكراراً الذي تشير إليه الشركات عند خفض الوظائف.

موجة تسريحات جديدة تضرب القطاع التقني

شهد قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة خلال مايو 2026 واحدة من أكبر موجات خفض الوظائف منذ أكثر من عام، بعدما أعلنت الشركات عن 38,242 وظيفة مفقودة خلال شهر واحد فقط. وبحسب بيانات شركة متخصصة في تتبع قرارات التوظيف والفصل، فإن هذا الرقم يمثل أعلى حصيلة شهرية للقطاع منذ أغسطس 2024، ما يعكس استمرار الضغوط التي تواجهها الشركات التقنية في بيئة أعمال تتسم بتباطؤ النمو وتغير أولويات الاستثمار.

الأرقام لا تعكس حدثاً معزولاً، بل تندرج ضمن اتجاه أوسع استمر لثلاثة أشهر متتالية من ارتفاع التسريحات عبر مختلف الصناعات. وفي القطاع التقني تحديداً، تجاوز إجمالي الوظائف التي جرى الاستغناء عنها في الولايات المتحدة منذ بداية العام 123,653 وظيفة، بزيادة 66% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذه القفزة تشير إلى أن عمليات إعادة الهيكلة لم تعد مقتصرة على شركات بعينها، بل أصبحت جزءاً من نمط متكرر في الصناعة.

الذكاء الاصطناعي يدخل مباشرة في معادلة خفض التكاليف

اللافت في بيانات مايو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد عامل جانبي في التحولات المؤسسية، بل أصبح السبب الأكثر شيوعاً الذي تذكره الشركات عند الإعلان عن تقليص العمالة. ووفقاً للتقرير، جرى تحميل الذكاء الاصطناعي مسؤولية 38,579 وظيفة مفقودة من أصل 97,006 وظيفة جرى الإعلان عن خفضها في مختلف القطاعات خلال الشهر ذاته، أي ما يعادل 40% من إجمالي التسريحات المرصودة.

هذا التحول كبير إذا ما قورن ببداية العام، حين لم تتجاوز نسبة الحالات المنسوبة إلى الذكاء الاصطناعي 7% في يناير. الارتفاع السريع خلال بضعة أشهر فقط يوضح كيف باتت أدوات الأتمتة والنماذج الذكية تُستخدم كذريعة تشغيلية أو كعامل فعلي في إعادة تنظيم فرق العمل، خصوصاً في الوظائف المرتبطة بالبرمجيات والدعم التقني والمهام المتكررة.

وتقول القراءة الأوسع لهذه الأرقام إن الشركات لم تعد تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة لتعزيز الإنتاجية، بل أيضاً وسيلة لتقليل الاعتماد على بعض الأدوار البشرية. ويعني ذلك أن موجة التبني التقني الحالية تحمل وجهاً مزدوجاً: تحسين الكفاءة من جهة، وإعادة تشكيل سوق العمل من جهة أخرى.

شركات كبرى تواصل تقليص القوى العاملة

لم يكن شهر مايو استثناءً مقارنة بما شهدته الأشهر السابقة. فقد سبقت ذلك قرارات لافتة من شركات كبيرة في القطاع، من بينها تقليصات كبيرة في HPE خلال مارس، إلى جانب خطط في Oracle للتخلي عن عدد غير محدد من المطورين، فضلاً عن خفض Meta لآلاف الوظائف في الشهر السابق. هذه الأمثلة تعكس أن إعادة الهيكلة ليست مرتبطة بشركة واحدة أو نموذج أعمال واحد، بل تمتد عبر طيف واسع من الشركات التي تحاول ضبط النفقات والتكيف مع التحول السريع في السوق.

ويشير هذا المسار إلى أن الشركات التقنية الكبرى تتحرك وفق معادلة جديدة: تقليل التكاليف الثابتة، والتركيز على مجالات ذات عائد أسرع، والاستثمار في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، حتى لو جاء ذلك على حساب الوظائف التقليدية. وفي العديد من الحالات، يصبح خفض العمالة جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع الموارد نحو مجالات أكثر تنافسية.

ما الذي تكشفه البيانات عن سوق العمل التقني؟

البيانات الحديثة تقدم مؤشراً مهماً على أن سوق العمل في التكنولوجيا يمر بمرحلة انتقالية عميقة. فبينما كانت الصناعة في السنوات الماضية ترتبط بالنمو السريع والتوظيف المكثف، أصبحت اليوم أكثر حذراً في التوسع، مع ميل واضح إلى الأتمتة وتقليص الفرق التي تؤدي مهام يمكن للبرمجيات تنفيذها بكلفة أقل. كما أن تباطؤ بعض المشاريع وارتفاع ضغوط الربحية يدفعان الشركات إلى إعادة تقييم كل وظيفة من حيث جدواها المباشرة.

ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف التقنية بصورة كاملة. فالطلب ما زال قائماً على المهارات المتقدمة في تطوير النماذج، وإدارة البيانات، وأمن المعلومات، وبناء الأنظمة، لكن طبيعة الوظائف نفسها تتغير. المطلوب اليوم لم يعد مجرد تنفيذ مهام تقليدية، بل القدرة على العمل مع أدوات ذكية وتوظيفها داخل بيئات تشغيل أكثر تعقيداً.

في المحصلة، تكشف أرقام مايو عن مرحلة حساسة يعيشها القطاع: تسريحات مرتفعة، واعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي، وضغط مستمر على الشركات لإثبات الكفاءة المالية. وبين هذه العوامل مجتمعة، يبدو أن سوق العمل التقني يدخل دورة جديدة لا تشبه تماماً ما عرفته الصناعة في العقد الماضي.