الذكاء الاصطناعي يتقدم، لكن المؤسسات تعيد النظر في طريقة العمل
تتسارع خطط تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، غير أن كثيراً من قادة تقنية المعلومات باتوا يقتنعون بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأدوات نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها الأعمال اليومية. فوفقاً لنتائج دراسة حديثة، ترى غالبية كبيرة من التنفيذيين التقنيين أن فرقهم قادرة على تشغيل قدرات الذكاء الاصطناعي وإدارتها على نطاق واسع، لكنهم في الوقت ذاته يعتقدون أن نماذج التشغيل وعمليات المؤسسة تحتاج إلى تغيير جوهري حتى تتحقق القيمة الفعلية من هذه التقنيات.
هذا التحول في النظرة مهم لأنه ينقل النقاش من سؤال: هل تستطيع فرق التقنية تنفيذ الذكاء الاصطناعي؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: هل المؤسسة نفسها جاهزة لإعادة تصميم طريقة العمل كي تستفيد من الذكاء الاصطناعي بشكل منتج ومستدام؟
أرقام تكشف ثقة عالية في فرق التقنية
الدراسة، التي تناولت آراء كبار مسؤولي التقنية، تشير إلى أن أكثر من 80% من التنفيذيين في المجال واثقون بقدرة مؤسساتهم على نشر الذكاء الاصطناعي وإدارته والرقابة عليه على مستوى واسع. هذه النسبة تعكس نضجاً متزايداً داخل إدارات تقنية المعلومات، خصوصاً بعد سنوات من بناء البنية التحتية السحابية، وأدوات البيانات، وآليات الحوكمة الأساسية.
لكن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد. فحوالي 75% من المشاركين قالوا إن عمليات التشغيل ونماذج العمل يجب أن تتغير خلال 12 إلى 18 شهراً المقبلة إذا كانت المؤسسات تريد تحقيق نتائج أفضل من الذكاء الاصطناعي. بعبارة أخرى، لم يعد السؤال متعلقاً بتوفير النماذج أو شراء الرخص، بل بقدرة الشركة على إعادة ترتيب تدفق العمل نفسه.
المشكلة ليست في التقنية وحدها
توضح قراءة النتائج أن كثيراً من المؤسسات لا تواجه بالضرورة عائقاً تقنياً داخل قسم تقنية المعلومات. بل إن العائق الأكبر يظهر عندما تحاول الشركة إدخال الذكاء الاصطناعي إلى عمليات ما زالت تعتمد على خطوات يدوية، وموافقات متكررة، وإدخال بيانات يدوي، وأدوات متفرقة مثل جداول البيانات في الأعمال المحاسبية أو الإدارية.
هذه البيئة تجعل الذكاء الاصطناعي أقل فاعلية، لأن الأداة الذكية لا تستطيع تعويض ضعف تصميم العملية نفسها. وإذا كانت البيانات تتنقل ببطء، أو المعرفة محصورة لدى أفراد محددين، أو كانت خطوات العمل غير موثقة بشكل واضح، فإن إضافة نموذج ذكاء اصطناعي لن تحل المشكلة من جذورها.
المعنى العملي هنا أن الذكاء الاصطناعي قد يكشف حدود المؤسسة التنظيمية أكثر مما يكشف حدودها التقنية. فالمؤسسة قد تمتلك بنية رقمية جيدة، لكنها لا تزال تعمل بمنطق إداري قديم يجعل التغيير بطيئاً ومجزأً.
دور المدير التقني يتجاوز التنفيذ
في هذا السياق، يتسع دور المدير التقني ليصبح شريكاً في إعادة تصميم العمل وليس مجرد مسؤول عن تطبيق الحلول. فبحسب آراء عدد من التنفيذيين، يستطيع المدير التقني استخدام خبرته للدفاع عن إعادة هندسة مسارات العمل بحيث تتوافق مع أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأنظمة المعتمدة على الوكلاء الذكيين والأتمتة المتقدمة.
هذا التحول يفرض نوعاً جديداً من القيادة التقنية، حيث لا يكفي أن يكون المدير التقني قادراً على إدارة الفرق والأنظمة، بل يجب أن يمتلك القدرة على قيادة المؤسسة خلال تغيير يمس العمليات والمهارات والأدوار. فنجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي بات مرتبطاً بمدى استعداد القادة لتحريك المؤسسة بأكملها، لا الاكتفاء بمشاريع تجريبية معزولة داخل قسم واحد.
كما أن هذا النهج يعيد تعريف العلاقة بين تقنية المعلومات ووحدات الأعمال. فبدلاً من أن تبدأ المبادرات التقنية من حل يبحث عن استخدام، يفترض أن تبدأ من مشكلة تشغيلية واضحة، ثم يجري تصميم الحل التقني حولها.
التركيز على إعادة تصميم العملية قبل تدريب المستخدم
أحد الأخطاء الشائعة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي هو الاعتقاد بأن النجاح يبدأ بتدريب الموظفين على استخدام أدوات مثل ChatGPT أو غيرها من النماذج التوليدية. لكن هذا النوع من التدريب، رغم فائدته، لا يحل المعضلة الأساسية إذا كانت المؤسسة نفسها لا تفهم عملياتها بما يكفي.
المطلوب أولاً هو تحليل أين تضيع المعرفة داخل المؤسسة، وأين يتكرر العمل نفسه بلا داعٍ، وأي الخطوات تستهلك وقتاً أكبر من قيمتها الفعلية. فحين لا تكون هذه الأسئلة واضحة، تصبح أي مبادرة تدريبية مجرد تحسين سطحي لا يغير الأداء العام.
ومن هنا يأتي الفرق بين استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة إنتاجية محدودة وبين توظيفه كرافعة لتحسين شامل في العمل. فالمطلوب ليس فقط تلخيص المستندات أو كتابة الرسائل، بل إعادة النظر في من ينجز المهمة، وكيف تُمرر البيانات، وأين يمكن أن تتدخل الأتمتة أو المساندة الذكية دون الإضرار بالجودة أو الرقابة.
الذكاء الاصطناعي يتطلب معرفة دقيقة بتدفق العمل
التحول الناجح في هذا المجال يحتاج إلى أن تكون المؤسسة قادرة على رسم مسار العمل من البداية إلى النهاية. فإذا لم تستطع الشركة وصف العملية بوضوح، من نقطة الإدخال حتى الإغلاق، فهي غالباً ليست جاهزة بعد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
هذا لا يعني أن كل شيء يجب أن يُؤتمت. بل يعني أن كل مهمة يجب أن تُفهم ضمن سياقها: ما الذي يمكن للآلة أن تفعله؟ ما الذي يحتاج إلى تدخل بشري؟ وأين يكون الإنسان أكثر قيمة من النظام الآلي؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيضيف قيمة حقيقية أم سيبقى مجرد طبقة تقنية فوق عملية ضعيفة.
الفرق بين مشروع ناجح وآخر متعثر لا يرتبط فقط بجودة النموذج أو قوة المنصة، بل بمدى وضوح المشكلة التي يُفترض أن يحلها الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة.
الحوكمة والبيانات والتكامل مع الأعمال
تؤكد الرؤية المطروحة في الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن بناؤه داخل فراغ تقني. فالحوكمة الجيدة، وجودة البيانات، وفهم المخاطر المرتبطة بالإجابة الخاطئة، كلها عناصر أساسية قبل إطلاق أي نظام على نطاق واسع. كما أن الفرق الهندسية لا تستطيع تصميم حلول فعالة إذا لم تكن تفهم البيئة التشغيلية التي سيعمل فيها النظام.
ولهذا السبب، يصبح التعاون المبكر بين فرق التقنية ووحدات الأعمال ضرورياً. فالمطورون ومهندسو البيانات يحتاجون إلى فهم تفاصيل العملية، ونقاط التعثر، ودرجة حساسية النتائج، قبل التفكير في بناء الحلول. وإذا جرى العكس، فقد تنتج أدوات جميلة من الناحية التقنية لكنها غير قابلة للاستخدام اليومي.
المؤسسات التي تنجح في هذا المسار غالباً ما تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءاً من منظومة تغيير أوسع تشمل السياسات، والمهارات، وتوزيع الأدوار، وآليات المتابعة، وليس فقط شراء الأدوات.
الخلاصة: القيمة الحقيقية تبدأ من داخل المؤسسة
تظهر المؤشرات أن المرحلة التالية من تبني الذكاء الاصطناعي لن تُحسم بسباق تقني بقدر ما ستُحسم بقدرة المؤسسات على تحديث طريقة العمل نفسها. فالثقة في فرق التقنية موجودة، وكذلك الأدوات، لكن القيمة الأكبر ستأتي من إعادة تصميم العمليات، وتقليل العمل اليدوي، ورفع كفاءة تدفق المعلومات، وربط الذكاء الاصطناعي بأهداف الأعمال لا بمشاريع تجريبية معزولة.
وبهذا المعنى، لم يعد السؤال: هل المؤسسة تمتلك التقنية المناسبة؟ بل: هل لديها العمليات المناسبة لتستفيد من هذه التقنية؟