12-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الذكاء الاصطناعي يفاقم خطر «فقدان الذاكرة المؤسسية» لدى الشركات بعد موجات التسريح

يحذر التقرير من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتقليص الوظائف قد يؤدي إلى خسارة المعرفة المتراكمة داخل المؤسسات إذا لم تُوثَّق الخبرات والإجراءات قبل رحيل الموظفين، ما يهدد جودة التشغيل ودقة القرارات.

تتسارع رهانات الشركات على الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة لتقليص التكاليف ورفع الإنتاجية، لكن هذا التحول قد يحمل كلفة خفية لا تظهر فورًا في الميزانيات: فقدان المعرفة المؤسسية. فحين تسرّح المؤسسات موظفين يمتلكون خبرة تراكمية طويلة، ثم تترك الأنظمة الذكية تتولى المهام نفسها من دون نقل هذه الخبرة وتوثيقها، فإنها لا تبني كفاءة أعلى بقدر ما تفتح الباب أمام أخطاء أسرع وأكثر اتساعًا.

المشكلة هنا لا تتعلق بمدى تطور نماذج الذكاء الاصطناعي أو قوة البنية التقنية فقط، بل بما إذا كانت الشركة قادرة أصلًا على تحويل ما يعرفه البشر إلى سياق رقمي يمكن للأنظمة فهمه واستخدامه. من دون هذا السياق، قد تبدو المخرجات واثقة ودقيقة شكليًا، لكنها عمليًا قد تعكس قرارات خاطئة تؤثر في خدمة العملاء والعمليات الداخلية وسلاسل العمل اليومية.

التسريح الجماعي يهدد ما لا تراه الأنظمة

خلال السنوات الأخيرة، اتجهت مؤسسات كثيرة إلى تقليص عدد العاملين في أقسام حساسة مثل خدمة العملاء، ومراكز الاتصال، والبرمجة، وإدخال البيانات، والموارد البشرية، والتحليل، وذلك بالتوازي مع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الوكيلة القادرة على تنفيذ جزء متزايد من المهام. ورغم أن هذا التوجه يمنح الشركات مرونة تشغيلية، فإنه يكشف أيضًا عن نقطة ضعف أساسية: المعرفة التي كانت تعيش في عقول الموظفين لا تنتقل تلقائيًا إلى الخوارزميات.

عندما يغادر موظف متمرس المؤسسة، لا تختفي فقط إجراءات العمل المكتوبة، بل أيضًا التفاصيل غير الرسمية التي تفسر لماذا يُتخذ قرار معين، وكيف تُحل المشكلات الاستثنائية، وما هي العلاقات بين العملاء والمنتجات والأنظمة والفرق المختلفة. هذه الطبقة من الفهم لا تظهر في الجداول وحدها، لكنها غالبًا ما تكون العامل الحاسم بين تشغيل مستقر وتشغيل مضطرب.

ومن هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ«فقدان الذاكرة المؤسسية»: حالة تصبح فيها المؤسسة أسرع على المستوى التقني، لكنها أقل فهمًا لنفسها على المستوى التشغيلي. ومع انتقال بعض الشركات إلى نماذج أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، يزداد احتمال أن تتخذ الأنظمة قرارات صحيحة ظاهريًا لكنها منفصلة عن واقع العمل الفعلي.

المعرفة السياقية هي الفارق الحقيقي

الحديث عن البيانات النظيفة والمركزية لم يعد كافيًا. ما تحتاجه المؤسسات اليوم هو طبقة أعمق يمكن وصفها بالذكاء السياقي؛ أي تحويل طريقة عمل الشركة إلى تمثيل رقمي مفهوم للآلة، يربط بين العملاء والعلاقات والمنتجات وسجلات القرار وآثار التدقيق وأنماط التفاعل. هذه الطبقة هي التي تمنح الذكاء الاصطناعي القدرة على العمل ضمن منطق المؤسسة بدل أن يعمل فوقه بشكل معزول.

فالنموذج الذكي الذي لا يعرف كيف تُدار العلاقة مع عميل معين، أو لماذا توجد بنية معقدة لبيانات الحسابات، أو كيف تتداخل المنصات القديمة مع الأنظمة الحديثة، سيُنتج استجابات ناقصة مهما كانت قدرته الحسابية عالية. ومن هنا تصبح الحوكمة الجيدة للبيانات، وتحديد الملكية، وتتبع المصدر، وتعريف العلاقات، جزءًا لا يتجزأ من أي مشروع ذكاء اصطناعي ناجح.

بمعنى آخر، المشكلة ليست في نقص الأدوات، بل في نقص التمثيل المشترك للواقع التشغيلي. فإذا لم تستطع المؤسسة أن تشرح لنفسها أولًا كيف تعمل، فلن تستطيع أن تجعل الذكاء الاصطناعي يفهم ذلك عنها.

مثال عملي يكشف هشاشة البنية غير الموثقة

تظهر هذه الإشكالية بوضوح في الشركات التي تعتمد على أنظمة متفرقة وموروثات تقنية قديمة. في إحدى الحالات التي ناقشها فريق بيانات في شركة عالمية عاملة في قطاع السفر والضيافة، كانت البيانات موزعة بين نظام CRM قديم، ومنصة حجز عالمية، وعدة أنظمة إقليمية، وبوابة مدفوعات، وواجهات لمراكز الاتصال ووكلاء السفر، مع اعتماد كبير على المعالجات الدُفعية والحلول اليدوية لربط هذه الأجزاء.

اللافت أن المشكلة لم تكن في غياب المختصين؛ فغرفة الاجتماع كانت تضم خبراء ذوي خبرة طويلة. لكن عند الغوص في تفاصيل كيفية عمل الحسابات والعلاقات بين الوكلاء والمجموعات والكيانات الفرعية، اتضح أن كثيرًا من المعرفة الحيوية لم يكن موثقًا في أي نظام، بل كان محفوظًا في ذاكرة الأفراد أو في ملفات متفرقة. هذه الفجوة جعلت بعض عمليات النقل إلى منصات أحدث صعبة أو حتى متعذرة، لأن أحدًا لم يكن يملك الثقة الكافية لتعريف النموذج الجديد على كل العلاقات المعقدة كما هي فعليًا.

ومن الأمثلة العملية على ذلك أن البحث عن حساب وكالة سفر كان يعتمد على رقم هاتف أرضي قديم، وهو افتراض لم يعد مناسبًا بعد التحول الواسع إلى الهواتف المحمولة والعمل المرن. النتيجة كانت تكرارًا في السجلات وحسابات متعددة للجهة نفسها، من دون تنبيه واضح أو تصحيح تلقائي. وفي سيناريو آخر، كانت بوابة المدفوعات تعرض شاشة فارغة لا تربط الدفعة بالرحلة أو خط السير أو بيانات العميل، ما اضطر الموظفين إلى مطابقة المدفوعات يدويًا، في وقت كان من الممكن توفيره لو كانت الأنظمة تتبادل السياق بشكل صحيح.

ما الذي يجب أن تفعله القيادات التقنية

بالنسبة إلى مسؤولي التقنية والبيانات، لا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره طبقة تُضاف فوق الأنظمة الحالية فقط. بل يجب التعامل معه كتحول معماري وتنظيمي يتطلب تمهيدًا دقيقًا. هذا يعني أن أي خطة لاعتماد الذكاء الاصطناعي يجب أن تبدأ بسؤال بسيط لكنه حاسم: هل نمتلك تمثيلًا رقميًا واضحًا لكيفية عمل المؤسسة؟ وهل تتشارك الفرق والأنظمة الذكاء نفسه في فهم العملاء والعلاقات والسياقات ومصادر البيانات؟

إذا كانت الإجابة غير مؤكدة، فالمشكلة ليست في اختيار النموذج أو المنصة، بل في بناء الأساس. المؤسسات التي تستعجل استبدال البشر بالأنظمة من دون توثيق المعرفة ستجد نفسها أمام حوسبة أسرع لكنها أقل موثوقية. أما المؤسسات التي تتوقف قليلًا لتجميع الخبرة، وتحديد البيانات المرجعية، ورسم العلاقات، وبناء طبقة سياقية قابلة للقراءة آليًا، فستكون أقرب إلى الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي.

المرحلة الجديدة لا تقوم فقط على الأتمتة، بل على القدرة على جعل المعرفة المؤسسية قابلة للنقل والفهم والاستدعاء. وهذه مهمة لا تبدأ بالنماذج الكبرى، بل بتنظيم الذاكرة الداخلية للمؤسسة نفسها.