توسّعت مايكروسوفت بهدوء في سوق معقّد وحساس: بيع نماذج OpenAI داخل الصين عبر منصة Azure، في وقت ترفض فيه OpenAI وAnthropic تقديم نماذجهما مباشرة للعملاء الصينيين. هذا المسار غير المباشر منح الشركة الأميركية موقعاً فريداً في سوق لا تزال عليه قيود سياسية وتنظيمية وتكنولوجية واسعة.
وبحسب التفاصيل التي ظهرت هذا الأسبوع، فإن مايكروسوفت باتت القناة الأساسية التي تصل عبرها نماذج GPT إلى بعض أكبر الشركات الرقمية في الصين. واللافت أن هذه العلاقة التجارية لا تتم من خلال OpenAI نفسها، بل عبر مايكروسوفت التي تستفيد من اتفاقها الحصري مع الشركة المطوّرة للنماذج.
القضية تتجاوز البيع التقليدي؛ فهي تكشف كيف يمكن لاتفاقيات الشراكة في قطاع الذكاء الاصطناعي أن تخلق أسواقاً لم يكن من الممكن الوصول إليها مباشرة، حتى عندما تختار الشركات المطوّرة للنماذج الانسحاب منها لأسباب تتعلق بالمخاطر واحتمالات إساءة الاستخدام.
Azure يصبح بوابة النماذج الأميركية إلى السوق الصينية
مايكروسوفت لا تبيع هنا مجرد بنية سحابية، بل تجمع بين الحوسبة وخدمات الذكاء الاصطناعي والنماذج نفسها في حزمة واحدة. هذه الصيغة جعلت Azure قناة توزيع رئيسية لنماذج OpenAI داخل الصين، رغم أن الشركة المطوّرة للنماذج لا تتعامل مباشرة مع السوق هناك.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن بعض عملاء مايكروسوفت في الصين من أكبر شركات الإنترنت والتكنولوجيا في البلاد. من بينهم ByteDance، التي تُعد من أكبر عملاء مايكروسوفت في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب Ant Group وMeituan وTencent. بعض هذه الشركات يعتمد على نماذج خارجية عبر Azure، فيما يطور بعضها الآخر نماذجه الخاصة أيضاً.
هذه المعادلة تمنح مايكروسوفت إيرادات من جانبين في الوقت نفسه: فهي تبيع الخدمات الأميركية داخل الصين، وفي المقابل تواصل تقديم خدمات مرتبطة بنماذج صينية مثل DeepSeek في الأسواق الغربية. النتيجة هي نموذج أعمال يعتمد على الوساطة التقنية بين كتلتين تزداد بينهما التوترات.
نمو سريع في الإيرادات داخل الصين
البيانات الداخلية التي جرى تداولها داخل الشركة تظهر أن نشاط الذكاء الاصطناعي عبر Azure في الصين نما بوتيرة أسرع من أي سوق أخرى لدى مايكروسوفت. ووفقاً للتفاصيل المتاحة، تضاعف هذا النشاط تقريباً ثلاث مرات خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025، بعد أن كان قد ارتفع بنحو 400% في السنة التي سبقتها.
هذا النمو السريع يوضح أن السوق الصينية ما زالت تمثل فرصة تجارية كبيرة، حتى في ظل البيئة السياسية المعقدة بين واشنطن وبكين. كما يشير إلى أن الشركات الصينية لا تزال تبحث عن الوصول إلى نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي عبر قنوات آمنة قانونياً وتقنياً، حتى لو لم يكن ذلك عبر علاقة مباشرة مع مزود النموذج الأصلي.
كما أن مايكروسوفت قدّمت هذه القصة على أنها مثال على الربط بين وادي السيليكون ومراكز التكنولوجيا في شرق الصين. وفي الوقت نفسه، قال براد سميث أمام مشرّعين أميركيين إن أعمال الصين تمثل نحو 1.5% من إيرادات الشركة في 2024، وهو ما يعكس حجم النشاط من جهة، وحساسيته السياسية من جهة أخرى.
لماذا لا تبيع OpenAI وAnthropic مباشرة داخل الصين؟
السبب الرئيس يعود إلى المخاطر المرتبطة بالملكية الفكرية وإساءة الاستخدام والضوابط الأمنية. كل من OpenAI وAnthropic اختارتا عدم الدخول المباشر إلى السوق الصينية، وهو قرار يعكس رؤية أكثر تحفظاً تجاه الأسواق التي يُنظر إليها على أنها عالية الحساسية من الناحية التنظيمية والجيوسياسية.
لكن اتفاق مايكروسوفت الحصري مع OpenAI يتيح لها وضع شروطها الخاصة لبيع النماذج خارج الأسواق التقليدية. وهذا ما جعلها، عملياً، الوسيط الوحيد القادر على تقديم نماذج OpenAI لشركات في الصين، بينما تبقى الشركة المطوّرة نفسها خارج الصفقة المباشرة.
غياب Anthropic عن هذه المعادلة يزيد من تركيز السوق حول مايكروسوفت، ويجعل Azure قناة شبه حصرية لبيع هذه الطبقة من النماذج المتقدمة إلى الشركات الصينية التي ترغب في الوصول إليها.
مخاوف بشأن distillation والرقابة على الاستخدام
التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بالبيع، بل بكيفية ضمان عدم استغلال النماذج بطريقة تنقل ميزتها التنافسية إلى أطراف أخرى. ومن بين أبرز المخاوف التي طُرحت في هذا السياق ما يُعرف بـ distillation، أي استخلاص مخرجات النموذج لاستخدامها في تدريب نموذج آخر.
OpenAI، بحسب المعلومات المتاحة، طلبت من مايكروسوفت تشديد القيود لمنع هذا النوع من الاستخدام. ومايكروسوفت تقول إنها تطبق مراقبة آلية، وإنها تبيع النماذج للشركات الراسخة فقط، وليس للمطورين الأفراد. إلا أن هذا النوع من الضبط يظل معقداً، لأن استخدامات البيانات الاصطناعية يصعب تتبعها بدقة كاملة.
كما أن بعض المصادر أشارت إلى أن العملاء الصينيين لا يخضعون لتدقيق أشد من غيرهم داخل منظومة البيع هذه. وبما أن مايكروسوفت لا تستضيف هذه النماذج داخل الصين نفسها، فإن الوصول إليها يتم عبر الإنترنت من مراكز بيانات خارج البلاد، من بينها سنغافورة، لتقليل المخاطر التشغيلية والتنظيمية.
DeepSeek يضيف طبقة أخرى من التناقض
الصورة تصبح أكثر تعقيداً عندما نلاحظ أن مايكروسوفت لا تبيع فقط نماذج أميركية في الصين، بل تختبر أيضاً نماذج صينية داخل أسواق غربية. فقد أضافت نموذج DeepSeek R1 إلى Azure AI Foundry في يناير 2025، كما أكدت هذا الشهر أنها تختبر نسخة مضبوطة من DeepSeek-V4 ضمن Azure كخيار أقل تكلفة لمنتج Copilot Cowork المخصص للمؤسسات.
هذا يعني أن الشركة تتحرك على خطين متوازيين: تتيح للنماذج الأميركية الوصول إلى الصين عبر Azure، وتعيد تصدير النماذج الصينية إلى العملاء الغربيين عندما ترى ذلك مناسباً تجارياً. ومن منظور الأعمال، يبدو هذا نموذجاً مرناً يهدف إلى التقاط القيمة في كل اتجاه ممكن.
لكن من منظور السياسة والتقنية، فإن هذا التوازن قد لا يكون مستقراً على المدى الطويل. فكل توسع في العلاقة مع الصين يضاعف الأسئلة في واشنطن، حيث ينظر بعض المشرعين إلى تقدم بكين في الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديداً للمنافسة الأميركية والأمن التقني.
أعمال مربحة لكنها شديدة الحساسية
مايكروسوفت اليوم في موقع نادر داخل سوق الذكاء الاصطناعي العالمي: فهي الشريك الذي يتيح الوصول إلى GPT داخل الصين، لكنها ليست المطور الأصلي للنماذج، كما أنها ليست الجهة التي قررت فتح السوق من الأساس. هذا الموقع يمنحها إيرادات ونفوذاً، لكنه يضعها أيضاً في قلب سجال متصاعد حول حدود التجارة التقنية مع الصين.
وفي الوقت الراهن، تبدو الشركة الوحيدة التي تجني عائداً من الطرفين. غير أن استمرار هذا الوضع سيعتمد على قدرة مايكروسوفت على الموازنة بين متطلبات العمل، وضغوط الشركاء، والرقابة الأميركية، والشكوك المستمرة حول استخدام النماذج الأميركية في بيئة تنافسية معقدة.
ومع أن المسار الحالي يبدو مربحاً، إلا أنه يسلط الضوء على حقيقة أساسية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي: من يسيطر على المنصة والتوزيع قد يربح أحياناً أكثر ممن يملك النموذج نفسه.