تشير تقديرات جديدة من شركة Gartner إلى أن الشركات قد تواجه خلال العامين المقبلين فاتورة متصاعدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البرمجة، إلى درجة يمكن أن تقترب فيها كلفة الاستهلاك من الرواتب الشهرية المعتادة للمطورين، وربما تتجاوزها في بعض الحالات. ويعكس هذا التحذير تحولا لافتا في طريقة شراء أدوات التطوير، مع انتقال السوق من الرسوم الثابتة إلى نماذج تعتمد على حجم الاستخدام الفعلي.
الرسالة الأساسية هنا ليست أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أغلى من التوظيف البشري في كل البيئات، بل إن مراكز التكلفة داخل فرق الهندسة بدأت تتغير بسرعة. فمع اتساع استخدام وكلاء البرمجة التوليدية، أصبحت الشركات لا تدفع فقط مقابل الترخيص أو الاشتراك، بل أيضا مقابل عدد الرموز التي يستهلكها كل فريق أو مطور أثناء العمل اليومي.
هذا التحول قد يربك كثيراً من المؤسسات التي كانت تنظر إلى أدوات الذكاء الاصطناعي كوسيلة لخفض التكاليف وتسريع الإنجاز في الوقت نفسه. لكن نمو الاستخدام، وتزايد الاعتماد على الأدوات المساعدة في كتابة الشيفرة ومراجعتها واختبارها، يعني أن الفاتورة النهائية قد ترتفع بوتيرة أسرع من المتوقع إذا لم توضع ضوابط واضحة.
من تسعير ثابت إلى استهلاك متغير
في النموذج التقليدي، كانت الشركات تشترك في البرمجيات بسعر شبه ثابت لكل مستخدم. أما اليوم، فالكثير من مزودي أدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي انتقلوا إلى التسعير حسب الاستهلاك، وهو ما يجعل تكلفة الفريق تتأثر مباشرة بعدد الطلبات، وحجم السياق المرسل للنموذج، ودرجة الاعتماد على الوكلاء الآليين في تنفيذ المهام.
ويشير هذا التحول إلى مشكلة إدارية أكبر: لم يعد من السهل التنبؤ بالميزانية المطلوبة مسبقاً. فالمطور الواحد قد يستخدم الأداة بشكل محدود في يوم ما، ثم يضاعف الاستهلاك في يوم آخر عندما يعتمد على النموذج في توليد شيفرة أكثر تعقيداً أو في مراجعة ملفات أطول. ومع تزايد عدد المستخدمين داخل المؤسسة، تتحول التكاليف إلى منحنى يصعب ضبطه بالطرق المالية التقليدية.
وتوضح Gartner أن هذه التكاليف تتأثر أيضاً بتوسع استخدام الأدوات الوكيلة، أي الأنظمة التي تنفذ خطوات متعددة بشكل شبه مستقل. هذا النوع من الاستخدام يرفع حجم الرموز المستهلكة بسرعة، لأن النظام قد يكرر الاستعلامات أو يعيد بناء السياق أكثر من مرة أثناء تنفيذ المهمة نفسها.
لماذا تبدو الفواتير أعلى من المتوقع
بحسب تقدير Gartner، فإن المقارنة التي استندت إليها التوقعات تعتمد على متوسط عالمي شهري للرواتب يبلغ نحو 2000 دولار، وهو ما يعني أن الرقم لا ينطبق على جميع الأسواق بشكل متساوٍ. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تصل رواتب مهندسي البرمجيات إلى مستويات أعلى بكثير، ما يجعل المقارنة المباشرة أقل حدة في بعض المؤسسات وأكثر تعقيداً في مؤسسات أخرى.
ومع ذلك، ترى الشركة أن السيناريوهات المرتفعة ليست نظرية. فهناك حالات تشهد فيها المؤسسات إنفاقات كبيرة على الرموز خلال شهر واحد فقط، وقد تصل بعض الفواتير، وفقاً لما نُقل عن محلل في Gartner، إلى عشرات الآلاف من الدولارات لمستخدم واحد أو لفريق صغير. وهذا المستوى من الإنفاق يفسر سبب القلق المتزايد لدى مديري الهندسة والمالية معاً.
وتكمن المشكلة أيضاً في أن عدداً كبيراً من المؤسسات لا يملك رؤية دقيقة لكيفية احتساب الرموز أو توزيع الاستهلاك بين الفرق. فغياب الشفافية في آليات الفوترة يجعل من الصعب معرفة أي سير العمل يستهلك أكثر، وأين يمكن التدخل، وما إذا كانت الزيادة في التكلفة تعكس قيمة حقيقية أم مجرد استخدام غير منضبط.
القياس التقليدي للإنتاجية لم يعد كافياً
في بيئة أصبحت فيها النماذج التوليدية قادرة على إنتاج أجزاء واسعة من الشيفرة خلال ثوانٍ، لم يعد قياس الإنتاجية بعدد الأسطر المكتوبة مقياساً مناسباً. فالقيمة الحقيقية باتت تُقاس بسرعة التسليم، وجودة المخرجات، وقدرة الفرق على تحويل الملاحظات إلى تحديثات عملية في وقت أقل.
لكن Gartner تحذر من خطأ شائع: ليس كل استهلاك أعلى للرموز يعني بالضرورة إنتاجية أعلى. فالاعتماد الزائد على الذكاء الاصطناعي قد يخلق سياقا متضخما، وعمليات مراجعة متكررة، وتكاليف إضافية لا تقابلها قيمة مساوية. لذلك تركز التوصية الأساسية على تحسين طريقة استخدام الأداة، لا على زيادة استخدامها بلا حدود.
وتشير الشركة إلى أن مفهوم «تحسين السياق» أصبح مهارة محورية. والمقصود به إدخال المعلومات الأكثر صلة فقط، وتقليل البيانات غير الضرورية، وتلخيص المواد الطويلة قبل إرسالها للنموذج. هذه الممارسات يمكن أن تخفض الاستهلاك وتحسن جودة الإجابات في الوقت نفسه.
ضوابط عملية للشركات
للسيطرة على النفقات، تدعو Gartner المؤسسات إلى إدخال قيود واضحة على الاستخدام، مثل وضع عتبات استهلاك للرموز، ومراقبة الفواتير بشكل آلي، وتفعيل سياسات تصعيد عندما يتجاوز مشروع ما الحدود المقررة. كما توصي بدمج مراجعة الاستهلاك داخل دورة التطوير نفسها، وليس الاكتفاء بمراجعة مالية لاحقة.
ومن بين التوصيات أيضاً بناء إطار قرار يحدد متى ينبغي استخدام وكلاء البرمجة، وما مستوى الاستقلالية المناسب لكل مهمة. ويمكن تقسيم العمل إلى ثلاثة أنماط: عمل يقوده المطور بالكامل، وعمل مشترك بين المطور والوكيل، وعمل ينفذه الوكيل بشكل كامل. هذا التقسيم يساعد على منع الاستخدام العشوائي ويجعل التكلفة مرتبطة بحساسية المهمة وأهميتها.
كما تنصح Gartner بتوجيه المهام البسيطة والمتكررة إلى نماذج أصغر وأقل كلفة، مع الاحتفاظ بالنماذج الأكبر للمهام المعقدة أو عالية القيمة. بهذه الطريقة، يمكن للمؤسسات الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي دون استنزاف الميزانية في حالات لا تتطلب نماذج متقدمة.
ما الذي ينبغي أن يفعله القادة والمطورون
ترى Gartner أن القادة يجب ألا يتعاملوا مع ارتفاع تكلفة الذكاء الاصطناعي كسبب للتراجع عن تبني الأدوات الجديدة. فالمشكلة، بحسب التقدير المطروح، ليست في التقنية نفسها بل في غياب الحوكمة التشغيلية. ومع وجود سياسات واضحة، يمكن للمؤسسة الاستفادة من مزايا الأتمتة مع إبقاء النفقات تحت السيطرة.
وتشجع الشركة على البدء بخطوات صغيرة، ثم توسيع النطاق بعد تقييم جاهزية فرق الهندسة ومستوى النضج التقني داخل المؤسسة. كما تشير إلى أن أدوات التطوير المساعدة بالذكاء الاصطناعي قد تحقق مكاسب إنتاجية ملحوظة، لكن هذه المكاسب لن تتحول تلقائياً إلى قيمة اقتصادية ما لم تُدار الاستهلاكات بعناية.
أما على مستوى الأفراد، فتعتبر Gartner أن القدرة على هندسة السياق ستصبح من أهم المهارات المهنية للمطورين في المرحلة المقبلة. فالمهندس الذي يعرف كيف يكتب طلبا مختصرا ودقيقا، ويقلل الحشو، ويستخدم النموذج في المكان المناسب، سيكون أكثر قدرة على رفع الجودة وتقليل الكلفة معاً.
في المحصلة، يظهر هذا التقرير أن مرحلة الذكاء الاصطناعي في البرمجة دخلت طوراً جديداً: لم تعد المنافسة فقط على السرعة أو الدقة، بل أيضاً على الانضباط المالي. وكلما ازدادت قوة الأدوات، زادت الحاجة إلى إدارة أكثر ذكاءً لاستخدامها.