في وقت تتجه فيه الشركات إلى الذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاجية، تراهن شركة ناشئة جديدة على استخدام التقنية نفسها في مهمة أكثر مباشرة: استعادة الأموال التي كسبتها المؤسسات بالفعل، لكنها لا تنجح في تحصيلها بالكامل. هذا هو الرهان الذي تبنيه Rivvun AI، الشركة الناشئة في سياتل التي أعلنت عن جولة تمويل أولي بقيمة 7.55 مليون دولار.
الجولة كانت مفرطة الاكتتاب وقادتها Sitara Capital و3one4 Capital، فيما تعمل الشركة على تطوير طبقة تنفيذ مستقلة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتتبع تسرب الإنفاق وتسرب الإيرادات وتآكل الهوامش داخل المؤسسات الكبيرة. الفكرة لا تقوم على استبدال الأنظمة المؤسسية القائمة، بل على العمل فوقها لالتقاط الفجوة بين ما تم التعاقد عليه وما يتحقق فعلياً على مستوى المال.
مشكلة مؤسسية مكلفة غالباً ما تُهمل
تعتمد معظم الشركات الكبرى على منظومات متقدمة لإدارة الموارد المالية، وعلاقات العملاء، والمشتريات، والعقود. لكن هذه المنظومات، رغم قوتها، لا تضمن دائماً أن الاتفاقات التجارية تتحول بالكامل إلى نتائج مالية مطابقة. هنا يظهر ما تصفه Rivvun بأنه أحد أكثر “النقاط العمياء” كلفة في البرمجيات المؤسسية.
بحسب رؤية الشركة، تضيع مليارات الدولارات سنوياً بسبب خصومات غير محصلة، وفروق تسعير، وأخطاء تسوية، وثغرات امتثال، وانحرافات تعاقدية، ومشكلات تشغيلية أخرى تحدث بعد توقيع الاتفاقات وقبل تحصيل القيمة الكاملة منها. هذه الخسائر ليست مرتبطة بقرار واحد أو نظام واحد، بل تتوزع عبر مراحل متعددة من دورة العمل، ما يجعل اكتشافها وإصلاحها مهمة معقدة.
وتحاول Rivvun معالجة هذه المشكلة عبر مراقبة مستمرة للبيانات التشغيلية والمالية، بحيث لا تكتفي بتقديم مؤشرات أو تقارير، بل تسعى إلى تحديد مواضع الانحراف وتنفيذ الإجراءات التصحيحية المناسبة مع الحفاظ على سجلات تدقيق واضحة.
فريق بنى خبرته داخل قطاع إدارة العقود
تأسست الشركة على يد Anand Veerkar وNiranjan Umarane، اللذين عملا لأكثر من عقد في شركة Icertis وساهما في تطويرها لتصبح من أبرز منصات ذكاء العقود على مستوى العالم. هذه الخلفية مهمة لأن المؤسسين يعرفون عن قرب كيف تُدار الاتفاقات التجارية داخل المؤسسات الكبرى، وأين تتكرر الفجوات بين النص التعاقدي والتنفيذ الفعلي.
كما انضم إلى الفريق Patrick Linton، وهو رائد أعمال تقني يمتلك خبرة في توسيع العمليات البرمجية على نطاق عالمي. ويبدو أن هذه التركيبة تمنح الشركة مزيجاً من الخبرة في العقود والبرمجيات المؤسسية والتنفيذ التشغيلي، وهي عناصر أساسية لمواجهة مشكلة بهذا التعقيد.
انطلاقاً من هذه الخبرات، ترى Rivvun أن إدارة العقود لا ينبغي أن تكون نقطة النهاية، بل يجب أن تكون بداية لسلسلة تحقق مستمرة تضمن أن الشروط المتفق عليها تُنفذ داخل الأنظمة المالية والتشغيلية كما هو مقصود.
كيف تعمل طبقة التنفيذ الذكية
تعتمد منصة Rivvun على ما تسميه طبقة تنفيذ للقيمة بشكل مستقل. هذه الطبقة تتصل بأنظمة المؤسسات مثل ERP وCRM وأنظمة المشتريات والمالية، ثم تراجع باستمرار ما إذا كانت التزامات الأسعار، وشروط الموردين، والخصومات، والدفعات، والتسويات مع العملاء تُنفذ بالشكل الصحيح.
وعندما تكشف المنصة عن اختلافات بين الاتفاقات والنتائج، فإنها مصممة لاقتراح أو إطلاق إجراءات تصحيحية ضمن ضوابط الحوكمة، مع توثيق كل خطوة بشكل قابل للمراجعة. هذا النهج يجعل الذكاء الاصطناعي هنا أقرب إلى أداة تشغيلية تنفذ وتتابع، لا مجرد محرك تحليلات.
وتقسم الشركة المنصة إلى مسارين رئيسيين:
ضمان الإنفاق: ويركز على خصومات الموردين، والالتزامات الشرائية، والتحقق من الفواتير، ومراقبة الامتثال، واسترداد المكافآت أو العوائد المتفق عليها.
حماية الهامش: ويركز على بنود التسعير مع العملاء، وفروق التسوية، والالتزامات الإيرادية، وتجديد العقود، والتحصيل.
هذا التقسيم يعكس انتقالاً واضحاً في سوق الذكاء الاصطناعي المؤسسي من الاكتفاء بإظهار المشكلة إلى محاولة إصلاحها داخل النظام نفسه.
لماذا تحتاج الشركات إلى ذكاء اصطناعي متخصص
من أبرز ما يميز نهج Rivvun هو اعتماده على منطق صناعي متخصص. فالتسرب المالي لا يحدث بالطريقة نفسها في كل القطاعات. شركة الأدوية تواجه قواعد تسعير حكومية ومسارات توزيع معقدة، بينما تتعامل مؤسسة مصرفية مع التزامات تنظيمية مختلفة، في حين تعتمد شركات التجزئة والسلع الاستهلاكية على برامج ترويج وتسعير متغيرة باستمرار.
لذلك تعمل الشركة على نشر وكلاء ذكاء اصطناعي وسير عمل مصممة بحسب القطاع، بما يشمل الرعاية الصحية، والأدوية، والخدمات المصرفية، والتجزئة، والسلع الاستهلاكية، والتصنيع، والعمليات الصناعية. والرهان هنا أن النماذج العامة قد تساعد في التحليل، لكنها لا تكفي لمعالجة التفاصيل التشغيلية الدقيقة التي تحدد ما إذا كانت الشركة ستستعيد مالها أم لا.
هذا التوجه ينسجم مع موجة أوسع داخل قطاع التقنية، حيث تتراجع جاذبية الحلول العامة لصالح أدوات أكثر تخصصاً، مبنية حول مهام محددة وبيئات عمل معروفة.
المستثمرون يبحثون عن عائد مالي مباشر
تأتي هذه الجولة التمويلية في وقت أصبح فيه المشترون المؤسسيون أكثر حذراً في تقييم عوائد الذكاء الاصطناعي. كثير من الشركات جرّبت المساعدات الذكية وواجهات المحادثة وأدوات رفع الإنتاجية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه داخل مجالس الإدارة اليوم مختلف: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسن النتائج المالية بشكل ملموس؟
هذا التحول يخلق فئة جديدة من البرمجيات المؤسسية تركّز على النتائج القابلة للقياس بدل الوعود العامة. وتشمل هذه الفئة أدوات استرداد الإيرادات، وتحسين المشتريات، وتطبيق الامتثال، وحوكمة التسعير، وتنفيذ الالتزامات التشغيلية بشكل أكثر دقة.
في هذا السياق، تحاول Rivvun أن تضع نفسها عند نقطة التقاء بين الذكاء الاصطناعي والرقابة المالية. فهي لا تبيع فقط رؤى حول المشكلة، بل تعرض نموذجاً يربط الاكتشاف بالإجراء ثم بالأثر المالي النهائي، مع إمكانية التحقق والمراجعة.
رهان على القيمة القابلة للاسترداد
قد يكون أحد أهم عناصر هذا النموذج أنه يركز على قيمة موجودة بالفعل داخل المؤسسة، لكنها تتسرب خلال التنفيذ. وهذا يختلف عن كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تُقاس فائدتها بكمية الوقت الموفر أو عدد المهام المكتملة. هنا، المعيار الأساسي هو المال الذي يمكن استعادته أو حمايته قبل أن يضيع.
إذا نجحت الشركة في إثبات قدرتها على رصد الفجوات المالية وتنفيذ التصحيح في قطاعات متعددة، فقد تصبح مثالاً على الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي المؤسسي الذي يربط التقنية مباشرة بميزانيات الشركات وأرباحها. أما إذا تعثر النموذج، فسيبقى السؤال الكبير قائماً حول مدى قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على التعامل مع التعقيد الشديد في العمليات المالية واسعة النطاق.
لكن في المرحلة الحالية، يبدو واضحاً أن Rivvun تراهن على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها صعبة التنفيذ: أن أكبر قيمة غير مستغلة في الذكاء الاصطناعي المؤسسي قد لا تكون في إنشاء أعمال جديدة، بل في منع الشركات من فقدان الأموال التي تستحقها بالفعل.