14-Jul-2026 6 دقائق قراءة

مدير تقنية مرسيدس-AMG بتروناس يوازن بين الابتكار والاستقرار في سباق البيانات داخل الفورمولا 1

يروي مايكل تايلور، مدير تقنية المعلومات في مرسيدس-AMG بتروناس، كيف تدير فرقته الصغيرة واحدة من أكثر بيئات العمل اعتماداً على البيانات في العالم، من تحديث الأنظمة المؤسسية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي مع إبقاء الإنسان في الحلقة.

في عالم الفورمولا 1، تُقاس المنافسة بالمللي ثانية، لكن البنية التقنية التي تدعم السيارة والفريق تُدار بعقلية أقرب إلى المؤسسات الكبرى التي تتعامل مع البيانات الحساسة والأنظمة المعقدة. هذا ما يشرحه مايكل تايلور، مدير تقنية المعلومات في فريق مرسيدس-AMG بتروناس، بعد مسيرة تمتد 25 موسماً داخل الفريق وتنقله بين الدعم الميداني وأنظمة الهندسة والتحول المؤسسي، وصولاً إلى قيادة فريق صغير لا يتجاوز 18 شخصاً.

الفريق، رغم حجمه المحدود، يعمل في واحدة من أكثر البيئات ثراءً بالبيانات في الرياضة الحديثة. فعندما تغادر السيارة المرآب تحمل معها نحو 300 مستشعر، وخلال التشغيل يمكن أن تولد أكثر من مليون نقطة بيانات في الثانية الواحدة. كل مكوّن في السيارة، وكل لفة، وكل تغيير في الإعدادات يتحول إلى مدخلات تحليلية تساعد المهندسين على استخراج أفضلية قد لا تتعدى جزءاً من الثانية، لكنها قد تحسم الفوز أو الخسارة.

يقول تايلور إن هذه الثقافة ليست جديدة على الفورمولا 1، فالمعيار الأساسي للنجاح كان ولا يزال الزمن المسجل على المضمار. لكن ما تغيّر هو حجم القياس ودرجة تغلغل التكنولوجيا في كل تفصيلة من العمل، من التصميم إلى التصنيع ثم الاختبار والتجميع على حافة الحلبة. ومع هذا الاتساع في القياس، أصبحت إدارة البيانات واتخاذ القرار أسرع وأكثر تعقيداً في الوقت نفسه.

الابتكار والاستقرار تحت ضغط السباق

التحدي الأكبر، وفق تايلور، لا يتمثل في جمع البيانات، بل في تحويلها إلى قرارات سريعة من دون إرباك العمليات الأساسية. ففي الشركات العادية قد يمتد الصراع بين الابتكار وضبط المخاطر إلى شهور أو سنوات، أما في الفورمولا 1 فيتجدد هذا التوتر أسبوعياً مع كل سباق. هنا لا يكفي أن تكون الفكرة جيدة تقنياً، بل يجب أن تكون قابلة للتنفيذ فوراً وفي إطار لا يهدد جاهزية الفريق.

لذلك تعمل فرقته في نمطين واضحين. خلال الفترات بين السباقات، يكون التركيز على المصنع في بريكلي بالمملكة المتحدة، حيث تنشط أعمال التخطيط والتطوير والتحسين وإدارة المشاريع. وعندما يقترب موعد السباق، تتحول الأولوية بالكامل إلى التنفيذ الدقيق والاستقرار التشغيلي، مع تجنب أي تعديل قد يربك المهندسين أو ينعكس سلباً على الأداء في الحلبة.

هذه الثنائية، كما يصفها، ليست خياراً تجميلياً بل قاعدة تشغيلية. فالسرعة مطلوبة عند الابتكار، لكن الاستقرار يصبح أهم عندما يكون الأداء على الخط. ومن هنا تأتي أهمية الخبرة البشرية في حسم اللحظة المناسبة للتغيير أو التراجع عنه.

تحديث أنظمة المؤسسة بعقلية شبيهة بوقفات الصيانة

اعتمد الفريق على نظام SAP منذ عام 1999، وهو يشكل العمود الفقري لسلسلة العمليات من إطلاق التصميمات وشراء المكونات إلى التصنيع والاختبار والتطوير ثم إعادة تجميع السيارة في موقع السباق. ومع مرور الوقت، أصبح تحديث هذا الأساس التقني ضرورة لا يمكن تأجيلها، لكن الفريق تعامل مع المهمة بمنطق يشبه التوقف السريع في الحلبة: خطة محكمة، توقيت دقيق، وتنفيذ بلا هامش كبير للخطأ.

في ديسمبر 2024، اختار الفريق الانتقال إلى حزمة RISE with SAP، وهي مقاربة تجمع بين الحوسبة السحابية وتحديث نظام تخطيط الموارد المؤسسية ومسار الهجرة التقني. جرى استهداف الإطلاق في أغسطس 2025، بما يتوافق مع التوقف الإلزامي في منتصف الموسم لمدة أسبوعين، وهي نافذة زمنية نادرة تسمح بإجراء تغييرات كبيرة من دون التأثير على روزنامة السباقات.

لكن النتيجة جاءت أفضل من المتوقع، إذ أُنجز العمل قبل الموعد المحدد بنحو ثمانية أسابيع. بالنسبة لتايلور، هذا الإنجاز لم يكن مجرد نجاح تقني، بل دليل على أن التخطيط الصارم والملكية الداخلية للأنظمة يمكن أن يوفرا سرعة أكبر من الاعتماد الكامل على أطراف خارجية كبيرة تتعامل مع المشروع ثم تغادره.

فريقه يفضل الاحتفاظ بالتحكم داخل المؤسسة، مع الاستفادة من خبرات المورّدين عند الحاجة فقط. هذا الأسلوب ينسجم مع طبيعة الفورمولا 1، حيث لا يمكن ترك الأنظمة الحيوية في حالة غموض أو انتظار طويل، كما أن الوقت نفسه لا يسمح بحلول تعتمد على تدخلات متقطعة لا تُبنى عليها معرفة مستدامة.

الأمن السيبراني يجب أن يكون المسار الأسهل

في الفورمولا 1، قيمة الملكية الفكرية لا تكمن في القطعة المرئية فقط، لأن المنافسين يمكنهم رؤية الأجزاء الجديدة بمجرد ظهورها في الحلبة أو في مرآب الصيانة. القيمة الحقيقية، بحسب تايلور، تكمن في المنهجية الكاملة خلف كل قطعة: النمذجة، والمحاكاة، واختبارات الفشل، والمفاضلات الهندسية، واتجاهات التطوير المستقبلية. هذا الجزء غير المرئي هو ما يمنح الفريق الأفضلية الحقيقية.

ولهذا يتبنى الفريق نهجاً هجومياً في الأمن السيبراني. رئيس أمن المعلومات يرفع تقاريره مباشرة إلى تايلور، والفريق لا يكتفي بالدفاع التقليدي، بل يحاول اختبار حدوده الداخلية بالطريقة نفسها التي قد يستخدمها مهاجم خارجي. الفكرة ليست فقط سد الثغرات، بل فهمها قبل أن تتحول إلى خطر فعلي.

غير أن تايلور يحذر من أن الأمن إذا صُمم بطريقة معرقلة سيؤدي إلى نتائج عكسية. فالعاملون في بيئة هندسية مرنة سيجدون دائماً طرقاً بديلة لتجاوز العوائق إن بدت الأنظمة الأمنية ثقيلة أو معقدة. لذلك يرى أن مهمة فرق الأمن ليست إبطاء العمل، بل جعل المسار الآمن هو الأسهل والأوضح والأكثر سلاسة بالنسبة للمستخدم النهائي.

الذكاء الاصطناعي مع وجود الإنسان في الحلقة

مثل كثير من المؤسسات، يختبر فريق مرسيدس-AMG بتروناس تطبيقات متعددة للذكاء الاصطناعي. تشمل هذه التجارب استخدام التعلم الآلي في المحاكاة، وتطبيقات سير العمل الوكيلية في تخطيط الإنتاج، إضافة إلى أدوات مساعدة للمطورين في كتابة الشيفرات البرمجية. لكن تايلور لا يتعامل مع هذه الموجة بوصفها سباقاً يجب خوضه بسرعة قصوى، بل كمرحلة تقييم واختبار تتطلب تروياً.

هو يرفض فكرة أن هناك مساراً واحداً صالحاً للجميع، ويرى أن الفريق ما زال في طور اكتشاف ما يصلح وما لا يصلح، وما يمكن توسيعه لاحقاً وما يجب إبقاؤه في نطاق التجربة. لذلك يفضل الانتظار عدة أشهر قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن الأدوات التي تستحق التوسع المؤسسي.

الأهم من ذلك أنه لا يضع الذكاء الاصطناعي في موقع بديل للإنسان. بالنسبة له، يجب أن يبقى البشر في الحلقة، لأن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتكامل قدرات الآلة مع الخبرة البشرية. فالأدوات الذكية يمكنها التسريع والتحليل، لكن القرارات الأعلى حساسية ما زالت تحتاج إلى حكم بشري يراعي السياق والمخاطر والنتائج.

كما أن الذكاء الاصطناعي رفع سقف متطلبات حوكمة البيانات. لم يعد كافياً أن تكون البيانات متاحة فحسب، بل يجب أن تكون الصلاحيات أوضح، والرؤية أوسع، والملكية أكثر تحديداً. كما ينبغي ضبط ما يُسمح للأنظمة الذكية بالوصول إليه بدقة أعلى، لأن جودة المخرجات تبدأ من جودة البيانات ومن حدود استخدامها.

درس للمؤسسات: ابدأ بالأثر قبل الأداة

الخلاصة التي يقدّمها تايلور تصلح لمديري التقنية خارج عالم السباقات أيضاً: ابدأ بتحديد العواقب، لا بالتقنية نفسها. ففي القطاع المالي قد تكون العاقبة هي خسارة العميل أو مخالفة تنظيمية، وفي الرعاية الصحية قد تكون مرتبطة بسلامة المرضى أو الثقة العامة، أما في الفورمولا 1 فالعاقبة الأهم هي خسارة الميزة التنافسية.

عندما تعرف المؤسسة ما الذي تخشاه فعلاً، يصبح من الأسهل تحديد أين يجب فرض أقوى مستويات التحكم، وأين يكفي الاكتفاء بالمراقبة، وأين تكون الممارسات الأساسية في النظافة التقنية كافية. بهذه الطريقة لا تتحول الحوكمة إلى عبء، بل إلى أداة لترتيب الأولويات وتوجيه الاستثمار في المكان المناسب.

هذا المنطق، الذي تشكّل عبر 25 موسماً في بيئة لا تسمح بترف الخطأ، يعكس معادلة شديدة الوضوح: في التكنولوجيا، كما في السباق، النجاح لا يعتمد على السرعة وحدها، بل على القدرة على الجمع بين الانضباط والمرونة، وبين الطموح والتحكم، وبين الأتمتة والحكم البشري.