تتجه شركات التكنولوجيا العملاقة إلى تغيير طريقة بيع وتنفيذ حلول الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، عبر نموذج جديد يضع المهندسين مباشرة داخل فرق العملاء بدل الاكتفاء بدور الاستشارة التقليدية. هذا التحول يعكس سباقاً متسارعاً بين مزودي النماذج السحابية والبرمجية للسيطرة على المرحلة الأكثر صعوبة في رحلة الذكاء الاصطناعي: الانتقال من التجربة إلى التشغيل الفعلي.
في هذا السياق، أعلنت مايكروسوفت عن استثمار بقيمة 2.5 مليار دولار في مبادرة تحمل اسم Microsoft Frontier Company، بينما كشفت أمازون ويب سيرفيسز عن خطة بقيمة مليار دولار لبناء منصة جديدة تعتمد على المهندسين الميدانيين. وتقوم الفكرة على إرسال آلاف الخبراء إلى بيئات العملاء لمساعدتهم على التصميم والتنفيذ والتشغيل والتحسين المستمر لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
نموذج جديد يقترب من قلب المؤسسة
المقاربة الجديدة تعتمد على ما يعرف بمهندسي النشر الميدانيين، وهو دور يجمع بين المعرفة التقنية العميقة والفهم العملي لاحتياجات العميل. بدلاً من تقديم توصيات عامة أو تنفيذ مشاريع منفصلة، يعمل هؤلاء المهندسون جنباً إلى جنب مع فرق الأعمال والهندسة والأمن، من أجل بناء حلول مخصصة تستند إلى البيانات الداخلية والعمليات الفعلية لكل شركة.
هذا الأسلوب يضع مزودي الذكاء الاصطناعي في موقع أكثر تأثيراً داخل المؤسسة. فبدلاً من بيع الأدوات فقط، يصبحون شركاء في صياغة البنية التشغيلية نفسها، وهو ما يمنحهم فرصة لتعزيز اعتماد العملاء على منظوماتهم السحابية والنموذجية على المدى الطويل.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يتزايد فيه الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوكيلي، أي الأنظمة القادرة على تنفيذ مهام متعددة داخل بيئات العمل. ومع ارتفاع توقعات الشركات، لم يعد كافياً توفير نموذج قوي أو واجهة استخدام سهلة؛ بل أصبحت الحاجة ملحة إلى خبرات قادرة على تحويل هذه التقنيات إلى عمليات يمكن الاعتماد عليها يومياً.
مايكروسوفت تراهن على منصة متعددة النماذج
خطة مايكروسوفت الجديدة تتضمن نشر 6000 خبير للعمل مع العملاء على تصميم الأنظمة الذكية ونشرها وتطويرها باستمرار بما يتوافق مع أهداف الأعمال. وتؤكد الشركة أن المنصة الجديدة لا تقتصر على نموذج واحد أو بيئة واحدة، بل تتيح للمؤسسات اختيار النماذج التي تناسبها، سواء كانت من مايكروسوفت أو من مزودين آخرين أو من نماذج مفتوحة المصدر.
هذه الفلسفة تعكس محاولة واضحة لطمأنة العملاء الذين يخشون الارتباط الكامل بمورد واحد. كما تشير إلى أن المنافسة الحالية لا تدور فقط حول جودة النموذج اللغوي، بل حول من يملك البنية الأكثر مرونة لإدارة البيانات والحوكمة والأمن والتوسع.
وتقول مايكروسوفت إن بيانات العملاء وملكيتهم الفكرية لا تستخدم لتدريب نماذجها، في رسالة موجهة إلى الشركات التي ما زالت متحفظة بشأن إدخال معلوماتها الحساسة إلى بيئات الذكاء الاصطناعي. كما تعتمد المبادرة على شراكات مع شركات تكامل الأنظمة والاستشارات الكبرى لمساعدة العملاء على توسيع النطاق ونقل المعرفة إلى فرقهم الداخلية.
وتستهدف مايكروسوفت من هذه الخطوة بناء ما تسميه منصة ذكاء تتراكم فيها الخبرة بمرور الوقت، بحيث تتحول كل دورة تطوير واستخدام إلى مصدر لتحسين النظام التالي، بدلاً من أن تبدأ المؤسسة من الصفر في كل مشروع جديد.
أمازون تركز على التشغيل طويل الأمد
أمازون ويب سيرفيسز تتبنى من جهتها رؤية مشابهة، لكنها تشدد أكثر على عنصر الاستدامة التشغيلية. فبدلاً من تقديم خدمة استشارية تنتهي عند مرحلة الإطلاق، تعتمد المنصة الجديدة على دمج مهندسين ذوي خبرة في فرق الأعمال والهندسة والأمن لدى العميل، لمساعدته على بناء أنظمة ذكاء اصطناعي مصممة خصيصاً للبيانات والعمليات وأطر الحوكمة الخاصة به.
وتقول الشركة إن الهدف ليس فقط تسريع الإطلاق، بل تمكين العملاء من التحول إلى مستخدمين مستقلين وقادرين على تطوير حلولهم بأنفسهم لاحقاً. بمعنى آخر، يبدأ المشروع بمرافقة لصيقة من الخبراء، ثم ينتقل تدريجياً إلى نقل المهارة والمعرفة إلى داخل المؤسسة.
وتشير أمازون إلى أن هذه المنصة مصممة للشركات التي تجاوزت مرحلة التجريب وأصبحت بحاجة إلى تشغيل أنظمة إنتاجية تدعم عمليات فعلية. كما أن الفكرة تقوم على تقليص الجداول الزمنية من شهور إلى أيام، وهو وعود كبير في سوق لا تزال فيه كثير من مشروعات الذكاء الاصطناعي تتعثر بين النماذج التجريبية ومتطلبات الواقع التشغيلي.
المنصة تمنح العملاء أيضاً وثائق تشغيلية وإرشادات معمارية وطبقة دلالية تربط مصادر البيانات ببعضها، بحيث تتمكن الوكلاء الذكية من الاستدلال على المعلومات عبر مخطط معرفي أكثر تنظيماً. كما تعتمد على ضوابط أمنية تشمل العزل القائم على العتاد والتشفير الشامل لحماية الأنظمة والبيانات.
فجوة العائد تفسر الإقبال على هذا النموذج
يتزامن هذا التحول مع اتساع الفجوة بين حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والعائد الفعلي الذي تحصل عليه المؤسسات. فالكثير من الشركات رفعت ميزانياتها بشكل كبير خلال الفترة الماضية، لكنها ما زالت تواجه صعوبة في إثبات القيمة الإنتاجية لمشروعاتها، خاصة عندما تنتقل من النماذج التجريبية إلى الاستخدامات المؤسسية المعقدة.
في هذا المناخ، تبدو خدمات المهندسين الميدانيين أكثر جاذبية لأنها تختصر وقت التعلم وتقلل الأخطاء المتكررة، وتساعد الفرق الداخلية على بناء ممارسات قابلة لإعادة الاستخدام. كما أنها تمنح مزودي التقنية فرصة لتعزيز حضورهم داخل عمليات القرار نفسها، وليس فقط داخل طبقة البنية التحتية.
لكن هذا النموذج لا يلغي دور شركات تكامل الأنظمة التقليدية. فهذه الشركات لا تزال تمتلك خبرة واسعة في ربط الأنظمة المتفرقة وإدارة التغيير المؤسسي وتوسيع البرامج التقنية عبر قطاعات متعددة. لذلك يبدو أن السوق يتجه نحو نموذج مزدوج: مزودو السحابة يتولون سرعة التنفيذ العميق، بينما تبقى شركات التكامل ضرورية لربط ذلك كله بالسياق المؤسسي الأوسع.
ماذا يعني ذلك للمؤسسات؟
بالنسبة للمؤسسات، تفتح هذه المنافسة باباً جديداً لاختيار الطريقة الأنسب لتنفيذ مشاريع الذكاء الاصطناعي. الشركات التي حسمت أمرها بشأن منصة أو مزود معين قد تجد في هذه الخدمات قيمة عملية حقيقية، خاصة إذا كانت تبحث عن تسريع البناء والإطلاق داخل بيئة تقنية محددة.
في المقابل، قد تدفع هذه المقاربة بعض المؤسسات إلى قبول قدر أقل من المرونة، لأن الاعتماد على مزود واحد قد يحد من الخيارات المستقبلية. كما أن الشركات التي لم تحسم استراتيجيتها السحابية أو الذكاء الاصطناعي بعد قد لا تكون هذه الخدمات مناسبة لها، لأنها تحتاج أولاً إلى إجابات أساسية حول الحوكمة والبنية والاتجاه العام.
الخلاصة أن مايكروسوفت وأمازون لا تبنيان مجرد برامج دعم، بل تعيدان تعريف دور مزود التقنية داخل المؤسسة. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول من يقدم أفضل نموذج ذكاء اصطناعي، بل حول من يستطيع تحويل هذا النموذج إلى قيمة تشغيلية ملموسة داخل بيئة عمل معقدة. وفي هذا السباق، يبدو أن المهندس الميداني أصبح أحد أهم أصول المرحلة المقبلة في الذكاء الاصطناعي المؤسسي.