15-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الاتحاد الأوروبي يدرس تشديد القيود على استخدام الأطفال والمراهقين لمنصات التواصل الاجتماعي

يدرس الاتحاد الأوروبي حزمة قواعد جديدة قد تفرض حدوداً عمرية أو حظراً كاملاً أو وصولاً مرحلياً لمواقع التواصل، مع إلزام المنصات بإثبات أن خدماتها آمنة للقُصّر قبل السماح باستخدامها.

يدرس الاتحاد الأوروبي فرض قواعد أشد صرامة على وصول الأطفال والمراهقين إلى منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة قد تشمل تحديداً عمرياً، أو حظراً مباشراً، أو نموذجاً مرحلياً يتيح الاستخدام وفق الفئة العمرية. كما تدرس المؤسسات الأوروبية إلزام الشركات بأن تثبت مسبقاً أن خدماتها لا تضر المستخدمين الأصغر سناً قبل السماح لهم بالوصول إليها.

وتأتي هذه المراجعة في وقت يتزايد فيه الجدل العالمي حول تأثير المنصات الرقمية على الصحة النفسية والسلوك اليومي للأطفال، خصوصاً مع تنامي المخاوف من التصميمات التي تشجع على الاستخدام الطويل والمتكرر. وبحسب المقترحات المطروحة، لن تكون المسؤولية على الأسر وحدها، بل ستنتقل بدرجة أكبر إلى شركات التكنولوجيا نفسها.

مقترح أوروبي يربط الوصول بالسلامة الرقمية

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أشارت إلى أن الذراع التنفيذية للاتحاد قد تتقدم بتشريع جديد خلال الأشهر المقبلة، بعد مراجعة توصيات لجنة خبراء صدرت حديثاً. وأوضحت أن النقاش لا يدور حول مبدأ السماح للأطفال باستخدام المنصات، بل حول توقيت السماح بذلك والشروط التي ينبغي أن تسبق الوصول إليها.

هذا التحول يعكس اتجاهاً أوروبياً متصاعداً نحو تحميل المنصات مسؤولية أكبر عن الأثر الذي تتركه على الفئات العمرية الصغيرة. وإذا جرى اعتماد هذا المسار، فسيكون على الشركات أن تقدم أدلة عملية على أن منتجاتها مصممة بطريقة تراعي السلامة النفسية والسلوكية للقُصّر، وليس فقط قواعد الاستخدام العامة.

تدرج عمري يبدأ من عدم التعرض للشاشات

التوصيات التي راجعتها المفوضية تقترح نهجاً متدرجاً يبدأ من عدم استخدام الشاشات نهائياً للأطفال دون الثالثة، ثم الانتقال إلى استخدام الإنترنت تحت إشراف مباشر لمن هم دون الثالثة عشرة. أما المراهقون الأكبر سناً، فستُفرض عليهم قيود متفاوتة بدلاً من السماح المفتوح وغير المشروط.

هذا النموذج المرحلي يهدف إلى التعامل مع مراحل النمو المختلفة بوصفها فئات تحتاج إلى أدوات حماية متباينة. فالصغار جداً يحتاجون إلى منع شبه كامل، بينما يحتاج المراهقون إلى قيود أكثر دقة تتعلق بطريقة التفاعل مع المحتوى والوقت المستغرق في الاستخدام ووسائل الإشعارات والتوصيات.

وتحظى فكرة إلزام الشركات بإثبات ملاءمة خدماتها للقُصّر بدعم من فون دير لاين، وفق ما أعلنته، وهو ما قد يفتح الباب أمام معايير تقنية وتنظيمية جديدة تشمل التصميم، والخصائص الافتراضية للحسابات، وأنظمة التحقق العمري، وآليات الحد من المحتوى المؤذي.

خطوة تشريعية قد تعزز الضغط على المنصات الكبرى

قالت المفوضية إنها ستراجع التقرير ثم تعود بمقترحات بعد الصيف، لكن أي مشروع قانون يحتاج لاحقاً إلى موافقة البرلمان الأوروبي ودول الاتحاد السبع والعشرين قبل أن يصبح سارياً على مستوى التكتل. ورغم أن المسار التشريعي لم يبدأ بعد، فإن مجرد طرح الفكرة رسمياً يمنحها زخماً سياسياً كبيراً.

في حال المضي قدماً، ستتزايد الضغوط على شركات المنصات لإظهار أن خدماتها آمنة بالفعل للقاصرين، لا سيما في ظل استمرار الانتقادات المرتبطة بخصائص الإدمان الرقمي. وهذا يعني أن المعركة المقبلة قد لا تقتصر على تحديد العمر المناسب للاستخدام، بل تمتد إلى إعادة تصميم بعض عناصر التجربة نفسها.

سجل أوروبي متشدد تجاه التصميم الإدماني

المبادرة الجديدة تأتي بعد سلسلة من الإجراءات الأوروبية ضد منصات كبرى. ففي الأسبوع الماضي، خلص تحقيق أولي داخل الاتحاد الأوروبي إلى أن ميتا انتهكت قانون الخدمات الرقمية بسبب ما وصفه المنظمون بتصميم “إدماني” في فيسبوك وإنستغرام. كما واجه تيك توك نتيجة مماثلة في وقت سابق من هذا العام.

هذه القرارات تعزز الاتجاه الأوروبي الذي لم يعد يكتفي بتنظيم المحتوى الظاهر للمستخدمين، بل بات ينظر أيضاً إلى الآليات التي تحكم التفاعل نفسه: التمرير اللانهائي، والتنبيهات المتكررة، والتشغيل التلقائي، وخوارزميات التوصية. ومن منظور التنظيم الرقمي، فإن المشكلة لم تعد فقط في ما يراه الطفل، بل في كيفية إبقائه متصلاً أطول وقت ممكن.

ومع اتساع هذا النهج، قد يصبح إثبات السلامة شرطاً مسبقاً للدخول إلى السوق الأوروبية، لا مجرد التزام لاحق عند وقوع المخالفة. وهذا التحول، إذا تحقق، سيضع شركات التكنولوجيا أمام معادلة جديدة تجمع بين الامتثال القانوني، وإعادة هندسة المنتجات، وتقوية أدوات التحقق من العمر، وتخفيف عناصر الجذب التي تستهدف المستخدمين الصغار.

انعكاسات عالمية محتملة على سياسات العمر الرقمي

المقترحات الأوروبية لن تبقى محصورة داخل حدود التكتل، لأن أي تشريع يصدر من بروكسل غالباً ما يترك أثراً يتجاوز السوق المحلية، خاصة عندما يتعلق الأمر بشركات تقنية تعمل عالمياً. كما أن الخطوة الأوروبية تأتي ضمن موجة أوسع من التشريعات والنقاشات في دول أخرى مثل بريطانيا وأستراليا، حيث تتجه الحكومات إلى تقليص استخدام القاصرين لمنصات التواصل.

إذا تحولت هذه الأفكار إلى قانون، فقد تصبح أوروبا من أكبر المناطق التي تعتمد نموذجاً صارماً لتنظيم وصول الأطفال إلى الشبكات الاجتماعية. وقد يدفع ذلك الشركات العالمية إلى تبني معايير موحدة أكثر تحفظاً، بدلاً من إدارة قواعد مختلفة في كل سوق على حدة.

وبينما لا يزال الطريق التشريعي طويلاً، فإن الإشارة السياسية واضحة: المرحلة المقبلة في تنظيم المنصات الرقمية لن تكتفي بسؤال من يملك الحساب، بل ستسأل أيضاً ما إذا كانت البيئة نفسها مناسبة لمن يستخدمها.