الذكاء الاصطناعي والتقنية 30-Mar-2026 6 دقائق قراءة

جوجل تدمج الإعلانات المصوّرة في منصة Demand Gen المعتمدة على الذكاء الاصطناعي

تتجه جوجل إلى إنهاء نموذج الإعلانات المصوّرة التقليدي عبر دمجه في منصة Demand Gen المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مع تركيز أكبر على الأتمتة والنتائج التجارية.

تتحرك جوجل نحو تغيير كبير في سوق الإعلانات الرقمية عبر نقل الإعلانات المصوّرة التقليدية إلى منصة Demand Gen المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. هذه الخطوة لا تعني مجرد تحديث تقني، بل تمثل عملياً نهاية نموذج اعتمد عليه المعلنون لسنوات طويلة داخل شبكة العرض التابعة للشركة.

شبكة العرض كانت واحدة من الأدوات الأساسية في التسويق الرقمي المفتوح، إذ منحت الشركات قدرة واضحة على اختيار المواقع التي تظهر فيها الإعلانات، وضبط الشرائح المستهدفة، واختبار التصاميم الثابتة بشكل مباشر. أما الآن، فالجوجل تدفع المستخدمين من المسار اليدوي المعتاد إلى نموذج أكثر اعتماداً على الخوارزميات والقرارات الآلية.

تقول الشركة إن هذا التحول يأتي ضمن تطور طبيعي في أدواتها الإعلانية، وإن الهدف هو جمع أكثر من قناة في حملة واحدة يمكن أن تصل إلى YouTube وDiscover وGmail. وبذلك تنتقل الحملة من إدارة متفرقة للمنصات إلى بنية موحدة يقودها الذكاء الاصطناعي.

من إدارة المواقع إلى إدارة الأهداف

الفرق الأساسي بين النموذجين واضح. في الإعلانات المصوّرة التقليدية كان المسوّق يحدد المواقع والفئات الإعلانية ويضبط التفاصيل بنفسه. أما في Demand Gen، فالأولوية أصبحت لأهداف النشاط التجاري نفسها، مع تزويد المنصة بمجموعة من الأصول الإبداعية مثل الصور ومقاطع الفيديو والعناوين.

بعد ذلك تتولى أنظمة جوجل اختبار هذه العناصر بطرق متعددة، ثم توزيعها في صيغ مختلفة مثل الإعلانات داخل الفيديو أو المقاطع القصيرة على YouTube Shorts أو المنشورات التفاعلية في Discover. أي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح المسؤول عن اختيار الصيغة والمكان والجمهور المناسبين.

هذا التغيير يعكس أيضاً واقع السوق الأوسع. فالإعلانات التقليدية تواجه منافسة متزايدة من المنصات التي تركز على الفيديو الكامل والشكل العمودي السريع، مثل TikTok وInstagram. وفي هذا السياق، تراهن جوجل على أن الإعلانات المؤتمتة ستمنحها قدرة أفضل على بناء الاهتمام قبل أن يبدأ المستخدم البحث الفعلي عن المنتج أو الخدمة.

الفرق الإبداعي أمام ضغط جديد

التحول إلى Demand Gen لا يغيّر طريقة شراء الإعلانات فقط، بل يفرض إيقاعاً مختلفاً على فرق المحتوى والتصميم. فالمنصة تحتاج إلى مواد إبداعية متنوعة وقابلة للاستخدام عبر عدة صيغ، ما يعني أن الفرق الإبداعية مطالبة بإنتاج كمية أكبر من الأصول بدل الاعتماد على عدد محدود من الإعلانات الثابتة.

بمعنى آخر، لم يعد المطلوب مجرد تصميم إعلان واحد جيد، بل توفير مجموعة واسعة من الصور واللقطات والعناوين التي يستطيع النظام إعادة تركيبها واختبارها بشكل مستمر. هذا يبدل أيضاً طريقة عمل الوكالات التي كانت تبني حملاتها على التحكم الدقيق في كل عنصر بصري أو نصي.

ومع هذا التبدل، تتجه القيمة من الإشراف اليدوي إلى توفير المادة الخام الجيدة. فالجودة الإبداعية ما زالت مهمة، لكن الذكاء الاصطناعي هو الذي يتولى عملية المزج والتوزيع والتجربة على نطاق واسع.

أرقام الأداء القديمة تفقد مركزها

أحد أبرز آثار هذا التحول هو أن بعض المؤشرات الإعلانية التقليدية أصبحت أقل قدرة على شرح ما يحدث فعلاً. فمعدلات النقر وتكلفة النقرة لا تكفي وحدها لتقييم حملة موزعة على صيغ عديدة ومنصات مختلفة، خصوصاً عندما تكون الخوارزمية تعمل في الوقت نفسه على تحسين التحويلات وتعزيز الوعي بالعلامة التجارية.

لذلك ينتقل القياس تدريجياً إلى مؤشرات أوسع مثل تكلفة اكتساب العميل والعائد على الإنفاق الإعلاني وتأثير الحملة على رحلة الشراء كاملة. هذه النظرة تجعل الإعلانات أقل ارتباطاً بحدث النقر نفسه وأكثر ارتباطاً بالنتائج النهائية للأعمال.

لكن هذا التحول يضع عبئاً جديداً على البنية التقنية للشركات. فحتى تعمل الأنظمة بشكل جيد، تحتاج إلى بيانات تحويل دقيقة وفي الوقت الحقيقي. وإذا كانت بيانات المبيعات أو العملاء غير متصلة جيداً، فإن الذكاء الاصطناعي يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على التحسين.

هنا تظهر أهمية الربط بين منصات الإعلان وأنظمة إدارة علاقات العملاء وقواعد بيانات التجارة الإلكترونية. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الأنظمة مبنية لأغراض مختلفة تماماً، ما يجعل جودة التكامل عاملاً حاسماً في نجاح الحملة.

سباق أوسع نحو الإعلان المؤتمت

ما تفعله جوجل لا يحدث في فراغ. فميتا تواصل السير في اتجاه مشابه عبر حملات Advantage+ التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في استهداف الجمهور واختيار المحتوى وتوزيعه داخل منظومتها. الصناعة ككل تبدو وكأنها تنتقل من شراء المساحة الإعلانية إلى تفويض الأنظمة الذكية بالبحث عن العملاء المحتملين.

هذا التحول يمنح الشركات الكبرى أفضلية واضحة، لأنها تمتلك كميات ضخمة من البيانات وقنوات توزيع واسعة. لكنه في الوقت نفسه يقلل من السيطرة المباشرة التي اعتاد عليها المسوّقون، ويجعل الأداء أكثر ارتباطاً بجودة البيانات وبقدرة الخوارزميات على التنبؤ.

بالنسبة لقادة التسويق، لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كانوا سيستخدمون الذكاء الاصطناعي أم لا، بل حول الطريقة التي سيعيدون بها تنظيم فرقهم وأدواتهم وعملياتهم لمواكبة هذا النموذج. فالتحول الجاري لا يغيّر شكل الإعلان فقط، بل يعيد تعريف دور المسوّق نفسه داخل الشركة.

في النهاية، قرار جوجل بدمج Display Ads داخل Demand Gen يوضح إلى أين تتجه الإعلانات الرقمية: مزيد من الأتمتة، مزيد من الاعتماد على البيانات، ومزيد من الابتعاد عن التحكم اليدوي التقليدي. وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد يصبح معيار النجاح في الإعلانات أقل تعلقاً بالإعدادات وأكثر ارتباطاً بقدرة الأنظمة الذكية على تحقيق نتائج فعلية للأعمال.