جدد ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة DeepMind التابعة لغوغل، دعوته إلى إنشاء إطار صناعي جديد لتنظيم الذكاء الاصطناعي المتقدم، على أن تقوده الحكومة الأميركية بالشراكة مع القطاع الخاص. ويأتي هذا الطرح في وقت تتسارع فيه قدرات النماذج الحدودية، وتزداد معه المخاوف من الاستخدامات عالية المخاطر، خصوصاً عندما تقترب الأنظمة من مستوى يشبه الذكاء العام الاصطناعي.
الفكرة الأساسية التي يطرحها هاسابيس تقوم على تأسيس جهة معيارية مستقلة نسبياً، تتولى اختبار النماذج قبل نشرها وتطوير بروتوكولات تقييم موحدة، مع تركيز واضح على الأبعاد المرتبطة بالأمن القومي. ويرى أن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة تقنية واقتصادية تجعلها مؤهلة لقيادة هذا المسار، عبر نموذج شبيه بالهيئات التنظيمية المهنية التي تجمع بين الإشراف العام والخبرة الصناعية.
هيئة جديدة لاختبار النماذج المتقدمة
بحسب الطرح الذي يقدمه هاسابيس، فإن الهيئة المقترحة لن تكون مجرد لجنة استشارية، بل مؤسسة عملية مسؤولة عن وضع معايير تقييم ديناميكية وقابلة للتحديث المستمر، بما يتناسب مع سرعة تطور النماذج الحديثة. وستعمل هذه الجهة، في تصوره، مع وكالات فدرالية ومع مختبرات وطنية أميركية لإجراء اختبارات تتعلق بالمخاطر الحساسة والقدرات التي قد تحمل تبعات أمنية.
كما يتصور أن يشارك فيها خبراء تقنيون مستقلون وممثلون عن بيئات المصادر المفتوحة، إلى جانب مساهمات من شركات الصناعة نفسها. وفي المقابل، يشدد على أن نجاح هذا النموذج يتطلب تمويلاً كبيراً، ويرجح أن يأتي الجزء الأكبر منه من شركات القطاع، حتى تستطيع الجهة الجديدة استقطاب المواهب المتخصصة والحصول على القدرة الحاسوبية اللازمة لإجراء اختبارات واسعة النطاق.
وتشمل الممارسات التي يدعو إليها هاسابيس نشر بطاقات النماذج التي توضح الجوانب التقنية الأساسية، وتعزيز الأمن السيبراني الداخلي، والتحقق من خلفيات العاملين في المواقع الحساسة، وتخصيص موارد كافية لأبحاث السلامة والأمن.
الأمن القومي في قلب النقاش
اللافت في هذه المبادرة أن محور الأمن القومي يحتل موقعاً مركزياً فيها، وهو ما يمنحها ثقلاً سياسياً في واشنطن، لكنه يثير في الوقت نفسه حساسية خارج الولايات المتحدة. فحين يُبنى التنظيم على حماية المصالح الأمنية الأميركية أولاً، قد تنظر إليه حكومات أخرى باعتباره أداة نفوذ أكثر من كونه إطاراً عالمياً محايداً.
هذه الإشكالية ليست نظرية فقط، بل ترتبط بطبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إذ تعمل النماذج الرائدة عبر أسواق عالمية وسلاسل توريد دولية وقواعد بيانات ومنظومات حوسبة عابرة للحدود. لذلك يرى منتقدون أن أي هيكل تنظيمي وطني ضيق قد يصطدم سريعاً بواقع تقني عالمي لا يعترف كثيراً بالحدود الجغرافية.
تحفظات على التنظيم الذاتي
عدد من المحللين الذين علّقوا على الفكرة أبدوا شكوكاً واضحة بشأن قدرة الصناعة على ضبط نفسها ذاتياً. وتتمثل أبرز الاعتراضات في أن الشركات التقنية الكبرى تعمل وفق منطق ربحي، ما يجعلها في موقع تضارب محتمل بين حماية المصلحة العامة وحماية مصالح المساهمين والنمو التجاري.
ويحذر هؤلاء من أن التنظيم الذاتي قد ينتهي إلى قواعد تضعها الشركات نفسها بما يضمن لها مساحة عمل مريحة، من دون أن يفرض عليها رقابة مستقلة حقيقية. كما أن بعضهم يرى أن الشركات لا تمتلك بطبيعتها القدرة المؤسسية أو الحافز الكافي لفرض قيود صارمة على نفسها في سوق تتحرك فيه المنافسة بسرعة كبيرة.
وتبرز هنا أيضاً مشكلة التمثيل الدولي. فحتى لو نجح نموذج أميركي داخلي، يبقى السؤال: هل ستقبل به الأسواق الأخرى باعتباره مرجعاً عالمياً؟ الإجابة ليست محسومة، خاصة في ظل تعدد الأطر التنظيمية القائمة في أوروبا والمملكة المتحدة والصين وغيرها، ووجود مقاربات مختلفة تماماً بشأن الشفافية والإنفاذ والرقابة.
مخاوف من الانقسام العالمي
الاختلافات التنظيمية بين المناطق قد تخلق بيئة مجزأة، حيث تعمل الشركات وفق معايير متعددة ومتباينة. وفي هذه الحالة، قد لا يؤدي إنشاء هيئة أميركية جديدة إلى توحيد المشهد، بل ربما يضيف طبقة أخرى من التعقيد. كما أن دولاً كثيرة قد تفسر الخطوة على أنها محاولة لفرض رؤية أميركية على سوق عالمي.
بعض المنتقدين ذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن ربط معايير الذكاء الاصطناعي بالأمن القومي الأميركي قد يكون بمثابة رسالة طاردة للخارج، لأنه يضع المؤسسة المقترحة في منطقة رمادية بين السياسة الصناعية والسيادة التقنية والاستخبارات. ومن هنا، يخشى هؤلاء أن تصبح المبادرة أقل قبولاً دولياً، حتى لو كانت جيدة النية من حيث المبدأ.
كما لفتت آراء أخرى إلى أن حتى النماذج التي تنجح في اجتياز اختبارات المخاطر الكارثية قد تظل تعاني مشكلات عملية بالنسبة للمؤسسات، مثل الخصوصية والاعتمادية والمسؤولية القانونية. أي أن اجتياز اختبار السلامة لا يعني بالضرورة أن النظام مناسب للاستخدام المؤسسي على نطاق واسع.
من ينظم من؟
في المقابل، يرى مؤيدون للفكرة أن الذكاء الاصطناعي الحدّي يختلف عن كثير من القطاعات الأخرى، لأن الفشل في شركة واحدة قد ينعكس على القطاع بأكمله. ومن هذا المنطلق، يعتبرون أن وجود معيار مهني موحد قد يكون أفضل من ترك كل مؤسسة تعيد اختراع أساليب التقييم والاختبار بنفسها، وبمستوى معلومات أقل مما قد توفره هيئة متخصصة.
ويشير بعض المدافعين عن الفكرة إلى أن الاقتصاد الرقمي عرف من قبل نماذج تجمع بين الرقابة العامة والتقييس المهني، وهو ما قد يصلح أيضاً للذكاء الاصطناعي إذا صيغ بطريقة واضحة وشفافة. وفي هذا السياق، يقارنون المقترح بأطر معروفة في مجالات أخرى، حيث لا يكون الهدف خنق الابتكار، بل تحويل المخاطر غير المرئية إلى معايير يمكن قياسها ومراجعتها.
لكن حتى هؤلاء المؤيدين لا يرون أن الحل بسيط. فنجاح أي هيئة من هذا النوع سيتوقف على استقلالها الفعلي، وقدرتها على امتلاك الخبرة التقنية، وامتدادها الدولي، ومدى قبول الشركات لها بوصفها مرجعاً ملزماً أو على الأقل مؤثراً.
معركة مبكرة على قواعد الذكاء الاصطناعي
يبدو أن النقاش حول هيئة معايير للذكاء الاصطناعي ليس مجرد اقتراح تنظيمي عابر، بل جزء من معركة أكبر على من يكتب قواعد المرحلة المقبلة. فمع اقتراب النماذج من قدرات أكثر تقدماً، تتنافس الحكومات والشركات والخبراء على رسم الحدود بين الابتكار والسلامة، وبين السرعة والحوكمة، وبين الريادة التقنية والرقابة العامة.
وتكشف دعوة هاسابيس مرة أخرى أن السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك حاجة إلى تنظيم، بل من يملك شرعية وضعه وكيف يمكن تنفيذه من دون خلق انحياز جغرافي أو تجاري. وفي ظل غياب إجماع دولي واضح، يبدو أن أي خطوة من هذا النوع ستواجه فوراً اختباراً صعباً: هل يمكن بناء إطار يوازن بين السلامة والشفافية والقدرة على المنافسة في سوق عالمي شديد الحساسية؟