أطلقت الحكومة الكورية الجنوبية خطة جديدة لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بين المواطنين عبر خدمة توليدية محلية مجانية، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على المنصات العالمية وتعزيز قدرة الشركات المحلية على المنافسة في سوق سريع النمو.
وتقود وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بالتعاون مع المعهد الوطني لتعزيز صناعة المعلومات، برنامجاً يفتح الباب أمام الشركات التي تمتلك قدرة على تقديم خدمات ذكاء اصطناعي موجهة للمستهلكين، سواء بشكل منفرد أو ضمن تحالفات. وتقوم الفكرة على بناء منظومة يمكن أن يستخدمها أي شخص دون مقابل، مع توفير بنية تحتية حوسبية تساعد الشركات على تشغيل نماذجها وتوسيع نطاقها.
دعم حكومي لتقليص فجوة الاعتماد على الخدمات الأجنبية
ترى الحكومة أن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي جعله أداة يومية لدى شرائح واسعة من السكان، لكن هذا التحول حمل معه مشكلة جديدة تتمثل في تفاوت الوصول إلى التقنية وفهمها والاستفادة منها. ووفقاً لهذا التوجه، فإن غياب بدائل محلية قوية قد يرسخ اعتماد السوق على خدمات أجنبية، ما يحد من تراكم الخبرات والبيانات داخل البيئة التقنية الوطنية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن نحو ثلثي السكان في كوريا الجنوبية جربوا بالفعل خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيما يبلغ عدد المستخدمين قرابة 23 مليون شخص. غير أن الاستخدام لا يزال يتركز إلى حد كبير على النسخ المجانية من منصات عالمية معروفة، بينما لا يتجاوز عدد المشتركين المدفوعين نحو 1.8 مليون مستخدم. هذا التفاوت دفع الحكومة إلى البحث عن نموذج يضمن وصولاً أوسع إلى خدمات أكثر ارتباطاً بالسوق المحلية.
ومن خلال البرنامج الجديد، تسعى سيؤول إلى بناء بنية تطبيقية تسمح بتحويل النماذج المحلية من أدوات تجريبية إلى خدمات جماهيرية قابلة للاستخدام اليومي. وتعتقد الجهات المنظمة أن التوسع في الاستخدام العملي هو الطريق الأهم لتطوير الأداء وتحسين جودة النماذج المحلية، بدلاً من الاكتفاء بتطوير تقني معزول عن السوق.
512 وحدة GPU وخيار اختيار شركات محدودة
يعتمد البرنامج على دعم حوسبي مباشر من الحكومة، إذ تخطط لتخصيص ما يصل إلى 512 وحدة معالجة رسومية من طراز Nvidia B200 ضمن الموارد المتاحة هذا العام. وسيُمنح الدعم لعدد يتراوح بين شركتين وثلاث شركات، على أن تحصل كل جهة فائزة على ما يصل إلى 256 وحدة GPU.
ويُنظر إلى هذا الدعم بوصفه عنصراً حاسماً، لأن تدريب النماذج وتشغيلها يتطلبان قدرة حوسبية كبيرة وتكاليف مرتفعة يصعب على كثير من الشركات تحملها بمفردها. كما تعتزم الحكومة بدء دعم تكاليف التشغيل من ميزانيتها العامة اعتباراً من عام 2027، ما يشير إلى أن المشروع لا يُعامل كمبادرة قصيرة الأجل، بل كمسار طويل لبناء خدمة وطنية مستقرة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه المنافسة العالمية على البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، سواء على مستوى الرقائق المتقدمة أو مراكز البيانات أو تكامل النماذج مع الخدمات الرقمية اليومية. وترغب كوريا الجنوبية في ضمان موقع لها داخل هذه السلسلة بدل الاكتفاء بدور المستخدم النهائي للتقنيات المستوردة.
إطلاق روبوت محادثة مجاني قبل نهاية العام
من الشروط الأساسية للمشاركة في البرنامج أن تقدم الشركات خدمة عامة مجانية موجهة لجميع المواطنين. ويجب على الجهات المختارة إطلاق نسخة تجريبية قبل نهاية سبتمبر، ثم تشغيل الخدمة رسمياً في ديسمبر من العام نفسه.
ولا يقتصر المشروع على روبوت محادثة عام، بل يتضمن أيضاً تطوير وكيل ذكاء اصطناعي للخدمات العامة يساعد المستخدمين على العثور على الخدمات الحكومية المناسبة والتقدم إليها. كما يُطلب من الشركات تقديم خدمات متخصصة ترتبط باحتياجات كل جهة مشاركة، بما يوسّع نطاق الاستخدام من الاستفسار العام إلى التنفيذ العملي للمهام.
وتعكس هذه المتطلبات تحولاً واضحاً في رؤية الحكومة للذكاء الاصطناعي. فالمسألة لم تعد تدور حول بناء واجهة محادثة فقط، بل حول إنشاء طبقة خدمية أذكى قادرة على التوجيه والربط بين المواطن والجهات الرسمية، ثم لاحقاً تنفيذ خطوات فعلية مثل الحجز والدفع وفق ما تطمح إليه الخطة المستقبلية.
أولوية للنماذج المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج
ينص البرنامج على أن تكون النماذج الكورية المحلية هي الأساس في الخدمة، مع السماح بالاستخدام المحدود للنماذج الأجنبية فقط في الحالات التي تتطلب قدرات أعلى في الاستدلال المعقد أو في الوظائف متعددة الوسائط. كما يجب أن تشكل النماذج المحلية المبنية على أساسات مطورة داخلياً أكثر من 50% من الخدمة الكلية.
ولمنع احتكار السوق داخل لاعب واحد، تشترط الحكومة أيضاً أن تستفيد الخدمة من نماذج تعود إلى شركات محلية أخرى بنسبة لا تقل عن 30%. وبهذا تحاول السلطات خلق بيئة أكثر تنوعاً، بحيث لا تعتمد المنصة الوطنية على مزود واحد، بل تتحول إلى مساحة اختبار وتعاون بين أكثر من جهة من داخل الصناعة الكورية.
كما يتعين على الشركات الفائزة المساهمة بجزء من التكلفة المالية، إذ تفرض الحكومة مساهمة ذاتية تتراوح بين 5% و10% بحسب حجم الشركة، على أن تُقدَّم وحدات GPU كمساعدة عينية. ويعكس ذلك رغبة رسمية في تقاسم المخاطر مع القطاع الخاص مع الحفاظ على مستوى عال من الجدية في تنفيذ المشروع.
معايير الاختيار تركز على الخدمة والاستدامة
ستُقيَّم العروض وفق مجموعة من المؤشرات تشمل قوة النموذج، وجاهزية الخدمة، وخطة الاستفادة من وحدات GPU، وطريقة التطوير، ثم تُستكمل بمرحلة عرض تفصيلي أمام الجهات المختصة. وفي هذه المرحلة ستكون سهولة الاستخدام، وخطة جذب المستخدمين، وجودة الخدمة، واستقرار التشغيل، ومدى مساهمة المشروع في دعم البيئة المحلية للذكاء الاصطناعي من بين أبرز عناصر الحسم.
وبحسب الجدول الزمني المعلن، سيظل باب التقديم مفتوحاً حتى 11 أغسطس عند الخامسة مساءً عبر نظام إدارة المشاريع التابع للمعهد الوطني لتعزيز صناعة المعلومات. ومن المقرر اختيار الجهة أو الجهات النهائية في أغسطس، ثم الانتقال إلى التشغيل التجريبي في سبتمبر، على أن يبدأ الإطلاق الكامل في ديسمبر.
وتقدّم هذه الخطة نموذجاً لسياسات الذكاء الاصطناعي التي لا تكتفي بتنظيم القطاع، بل تسعى إلى بناء منتج عام مباشر للمواطنين. وإذا نجحت التجربة، فقد تتحول إلى مرجع لكيفية استخدام الدعم الحكومي لتوسيع الوصول إلى التقنية وتعزيز الصناعة المحلية في الوقت نفسه.