سجلت شحنات الحواسيب الشخصية حول العالم تراجعاً يقارب 5% لتصل إلى 68.2 مليون وحدة، وفق تقديرات شركة الأبحاث IDC، في أول انخفاض من نوعه منذ عامين بعد تسعة أرباع متتالية من النمو. ويأتي هذا التحول في وقت يواصل فيه سوق التقنية التعامل مع تداعيات أزمة نقص الذاكرة التي بدأت تتفاقم بنهاية عام 2025.
الانخفاض لا يعكس فقط تباطؤاً في الطلب، بل يكشف أيضاً عن تأثير مباشر لأزمة المكونات التي دفعت التكاليف إلى الأعلى عبر سلسلة التوريد. ومع استمرار الشركات في رفع أسعار المنتجات النهائية بوتيرة أسرع من تراجع الطلب، يظهر مشهد غير معتاد: شحنات أقل، لكن عائدات أعلى.
نقص الذاكرة يضغط على السوق
ترى IDC أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع هو النقص الحاد في شرائح الذاكرة، وهو عامل مرتبط جزئياً بالطلب الكبير الناتج عن توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا الطلب أدى إلى منافسة قوية على الموارد التصنيعية، ما تسبب في ارتفاع أسعار المكونات وأربك خطط التسعير لدى شركات الأجهزة.
وبحسب التقديرات الحالية، فإن هذا النقص لن ينتهي سريعاً، إذ تشير IDC إلى أن الأزمة قد تستمر حتى عام 2028. هذا يعني أن سوق الحواسيب الشخصية قد يظل تحت ضغط لعدة أعوام، مع استمرار موجات الغلاء في الظهور سواء في أجهزة المستهلكين أو في منتجات الشركات.
التأثير لا يقتصر على الأسعار النهائية فقط، بل يمتد إلى قرارات الشراء نفسها. عندما ترتفع تكلفة الأجهزة الأساسية أو تتراجع قيمة العروض المتاحة، يميل المستهلكون إلى تأجيل الترقية أو الاكتفاء بأجهزتهم الحالية لفترة أطول، ما يضعف دورة استبدال الحواسيب المعتادة.
الإيرادات ترتفع رغم هبوط الشحنات
المفارقة الأبرز في بيانات السوق أن إيرادات المصنعين ما زالت في مسار تصاعدي، رغم تراجع عدد الوحدات المباعة. وتفسر IDC ذلك بأن الشركات تنقل زيادات التكلفة إلى المستهلكين بسرعة أكبر من وتيرة هبوط الطلب، وهو ما يحافظ على قيمة المبيعات حتى مع انخفاض الشحنات.
وقال جitesh Ubrani، الباحث في IDC، إن الصورة الحقيقية تكمن في الفجوة بين عدد الأجهزة وقيمتها المالية: الشحنات تتراجع بينما الإيرادات ترتفع. وأضاف أن المصنعين يستعدون لزيادات إضافية في الأسعار قد تمتد حتى 2027، وهو ما يشير إلى أن التحدي في السوق ليس مؤقتاً.
هذه المعادلة تعني أن الشركات قد تتمكن من حماية هوامش الربح في المدى القريب، لكنها في المقابل تواجه سوقاً أضيق حجماً وأكثر حساسية للسعر. ومع استمرار المخزون الحالي في النفاد خلال الأشهر المقبلة، قد تصبح الزيادات الجديدة أكثر وضوحاً للمستهلكين.
الربع الثاني قد يكون أفضل من القادم
تحذر IDC من أن الانخفاض المسجل قد لا يكون الأسوأ بعد. فمع استهلاك المخزونات الحالية وبدء المستهلكين والشركات في مواجهة موجة جديدة من الأسعار الأعلى، قد يتفاقم الضغط على الطلب خلال النصف الثاني من العام. وفي هذه البيئة، تصبح عمليات الترقية أقل جاذبية، خاصة في الفئات التي لا تقدم قفزة واضحة في الأداء.
هذا السيناريو قد يضر بدورة التحديث التقليدية التي يعتمد عليها سوق الحواسيب الشخصية، حيث يشتري المستخدمون أجهزة جديدة كل بضع سنوات. وإذا استمرت الأسعار في الصعود بوتيرة متسارعة، فقد يختار كثيرون تأجيل الشراء أو اللجوء إلى أجهزة مستعملة أو تجديد الأجهزة الحالية بدلاً من الاستبدال الكامل.
كما أن الشركات التجارية والمؤسسات، التي تشكل شريحة مهمة من الطلب، قد تعيد حساباتها أيضاً. فعندما ترتفع أسعار المكونات الأساسية، تتأخر خطط تحديث أساطيل الأجهزة، خصوصاً إذا لم يكن هناك ضغط فوري على الأداء أو الاعتمادية.
أبل تواصل النمو رغم التحديات
وسط هذا التراجع العام، برزت أبل كاستثناء لافت، بعدما تمكنت من زيادة شحنات الحواسيب خلال الربع نفسه مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025. وتعود هذه الزيادة بشكل أساسي إلى الإقبال القوي على جهاز MacBook Neo، الذي ساعد الشركة على إضافة نحو 800 ألف وحدة إلى شحناتها.
وبفضل هذا الأداء، ارتفعت حصة أبل السوقية إلى ما يقرب من 10% بعد أن كانت 8.5% فقط. لكن حتى هذه القصة الإيجابية لا تعني أن الشركة بمنأى عن أزمة الذاكرة، إذ اضطرت إلى رفع أسعار بعض أجهزتها استجابة لارتفاع التكاليف.
فقد ارتفع سعر الإصدار الأساسي من MacBook من 600 إلى 700 دولار، بينما بلغ سعر نسخة Air الأساسية 1300 دولار. وتوضح هذه الزيادة كيف أن موجة الأسعار لا تستثني حتى الشركات الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات، خاصة عندما تكون سلاسل التوريد نفسها تحت ضغط عالمي.
وفي تصريحات حديثة، أقر تيم كوك بأن ارتفاع الأسعار في هذه المرحلة يبدو أمراً صعب التجنب، مشيراً إلى أن السوق بحاجة إلى عودة أسعار الذاكرة ومستويات الإمداد إلى نطاقات أكثر استقراراً حتى تبقى المنتجات الاستهلاكية في متناول شريحة أوسع من المستخدمين.
ما الذي يعنيه ذلك لصناعة التقنية؟
تظهر هذه البيانات أن الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط طريقة استخدام الحواسيب، بل يعيد أيضاً تشكيل اقتصاديات تصنيعها. فالطلب المتزايد على الذاكرة والموارد المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ينعكس مباشرة على سوق الأجهزة الشخصية، من حيث التوفر والتسعير وخطط الإطلاق.
وفي الأمد القريب، قد تجد شركات الحواسيب نفسها مضطرة إلى الموازنة بين الحفاظ على هوامش الربح وبين عدم إبعاد المستهلكين أكثر عبر أسعار مرتفعة. أما المستهلك النهائي، فسيظل الطرف الأكثر تأثراً، سواء عبر ارتفاع تكلفة الشراء أو عبر تأخره في الحصول على أجهزة جديدة.
وبينما يواصل الذكاء الاصطناعي دفع الطلب على الشرائح والمكونات، يبدو أن سوق الحواسيب الشخصية يدخل مرحلة جديدة يكون فيها التوازن بين العرض والطلب أكثر هشاشة من أي وقت مضى.