17-Jul-2026 6 دقائق قراءة

SAS تعتمد نهجاً حذراً في دمج الذكاء الاصطناعي بعد 50 عاماً على تأسيسها

تتبنى SAS، الشركة العريقة في التحليلات والبرمجيات، استراتيجية انتقائية في الذكاء الاصطناعي تركّز على الاستخدامات ذات الأثر التجاري الواضح، بدلاً من تعميم التقنية على كل المنتجات.

مع دخولها عامها الخمسين، تبدو شركة SAS، المعروفة تاريخياً ببرمجيات التحليلات، في مرحلة جديدة من علاقتها مع الذكاء الاصطناعي. فالشركة التي وُلدت في حقبة كان فيها الحماس للذكاء الاصطناعي يمر بفترة فتور طويلة، لا تتعامل مع التقنية بوصفها موجة يجب ركوبها في كل مكان، بل كأداة يجب أن تُستخدم حيث يمكن أن تضيف قيمة ملموسة للأعمال.

هذا النهج يعكس اختلافاً واضحاً عن كثير من شركات البرمجيات التي سارعت إلى إدخال المساعدات الذكية في معظم المنتجات، أو إلى إعادة بناء منصاتها بالكامل حول الذكاء الاصطناعي التوليدي. أما SAS فتبدو أكثر تحفظاً، إذ تفضل اختيار الحالات التي تستطيع فيها التقنية تحسين الكفاءة، وتبسيط الاستخدام، ورفع مستوى الدقة، من دون تحميل العملاء تكاليف إضافية غير مبررة.

هذا الموقف لا يأتي من فراغ. فالشركة التي بدأت كفريق صغير من أربعة مؤسسين خرجوا من مشروع بحثي في جامعة ولاية نورث كارولاينا، أصبحت اليوم مؤسسة عالمية تضم نحو 11 ألف موظف في 39 دولة، وتحقق إيرادات سنوية تتجاوز 3 مليارات دولار. كما أنها بقيت طوال عقود شركة خاصة ومربحة باستمرار، وهي سمات نادرة في قطاع البرمجيات التحليلية الذي يتغير بسرعة.

من مشروع جامعي إلى شركة عالمية

تعود جذور SAS إلى أبحاث أُجريت في أواخر ستينيات القرن الماضي لتحليل بيانات زراعية معقدة. وفي عام 1971 أصبح البرنامج متاحاً لعملاء خارج الجامعة، قبل أن تتبلور الشركة رسمياً في 1 يوليو 1976، في وقت كانت الصناعة التكنولوجية لا تزال تتعامل بحذر مع مفاهيم الذكاء الاصطناعي نفسها.

في البدايات، كانت الطموحات محدودة. فبحسب رواية مؤسسها والرئيس التنفيذي الحالي جيم غودنايت، كان الهدف الأساسي عند التأسيس هو الوصول إلى نهاية العام دون خسائر كبيرة. غير أن الشركة حققت أرباحاً مبكرة، ثم بدأت تتوسع تدريجياً من مشروع أكاديمي إلى منصة مؤسسية تخدم قطاعات متعددة.

ومن قاعدة عملاء أولية لم تتجاوز 150 جهة، أصبحت SAS اليوم في قلب عمليات تحليل البيانات لدى نحو 80 ألف موقع في 150 دولة. وتُستخدم برمجياتها في مجالات تمتد من التجارب السريرية لدى شركات الأدوية، إلى التسعير في تجارة التجزئة، ومكافحة غسل الأموال، وكشف الاحتيال في البنوك، إلى إدارة المخاطر والحوكمة واتخاذ القرار.

الذكاء الاصطناعي في خدمة سهولة الاستخدام

في الوقت الذي تدفع فيه شركات كثيرة الذكاء الاصطناعي إلى كل طبقة من منتجاتها، تختار SAS مساراً أكثر تحديداً. فالشركة تريد أن تجعل برمجياتها أسهل في الاستخدام وأكثر وضوحاً في تفسير النتائج، لا أن تضيف إلى تجربة العميل طبقات من التعقيد أو فواتير غير متوقعة.

الرئيس التنفيذي جيم غودنايت عبّر عن شكوكه إزاء بعض الاستخدامات المنتشرة للذكاء الاصطناعي، معتبراً أن إنفاق مبالغ كبيرة على توقع الكلمة التالية في الجملة ليس بالضرورة أفضل توظيف للتقنية. لذلك، تتجه SAS إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي في الأماكن التي يمكن قياس أثرها فعلياً على العمل، مثل دعم المستخدمين وتبسيط الوصول إلى التحليلات وتقديم إجابات أكثر تفسيراً.

وتقول الشركة إنها عندما تشغّل بعض قدرات الذكاء الاصطناعي، فإن المعالجة تتم داخل بيئتها الخاصة، من دون تحميل العميل رسوماً إضافية مقابل تلك العمليات. ويرتبط هذا القرار بامتلاك الشركة خبرة عميقة في المجال، وباعتبار أن القيمة التجارية للميزة يجب أن تكون واضحة قبل تسويقها على أنها إضافة أساسية.

الحذر من المبالغة في وكلاء الذكاء الاصطناعي

الانفتاح على الذكاء الاصطناعي لا يعني تجاهل مخاطره. فبرأي براين هاريس، كبير مسؤولي التقنية في SAS، لا يكفي أن تكون الأداة قادرة على الأتمتة حتى تكون مناسبة للاستخدام في بيئات العمل الحساسة. فحين تصل نسبة الخطأ في بعض الوكلاء إلى ما بين 10% و30%، يصبح الاعتماد عليهم في تشغيل عمليات الأعمال أمراً محفوفاً بالمخاطر.

لهذا السبب، تركز SAS على كيفية تقليل الخطأ ورفع موثوقية النتائج، مع التذكير بأن بعض سيناريوهات الأتمتة قد تكون مناسبة في بيئات محددة فقط. فالشركة لا تتعامل مع الوكلاء الذكيين كحل شامل، بل كأداة ينبغي وضعها في السياق الصحيح، مع فهم دقيق للحدود والمخاطر.

كما ترفض SAS الانجرار وراء مؤشرات استعراضية أو مقاييس لا تعكس الأثر الحقيقي. وبدلاً من التركيز على أرقام قد تبدو لافتة في الحملات التسويقية، تؤكد الشركة أن معيارها الأساسي هو الفائدة العملية، والعائد المالي، والقدرة على تقديم نتائج يمكن الدفاع عنها داخل المؤسسات.

أولويات البحث والتطوير

إلى جانب تحسين ذكاء المنتجات الحالية، تواصل SAS توسيع أعمالها البحثية في مجالات أخرى مرتبطة بالمستقبل التقني. وتشمل هذه الأولويات الذكاء الاصطناعي المادي، والتوائم الرقمية، والحوسبة الكمية، وهي مجالات ترى الشركة أنها قد تؤثر في طريقة تحليل الأنظمة المعقدة واتخاذ القرار في السنوات المقبلة.

لكن حتى مع هذا التوسع البحثي، يبقى الخط العام ثابتاً: الابتكار يجب أن يكون مسؤولاً، وأن يخدم احتياجات الأعمال لا أن يضيف ضجيجاً تقنياً إضافياً. وهذا ما يفسر تمسك الشركة بفلسفة تقوم على التطبيق التدريجي بدل القفزات الكبيرة غير المحسوبة.

ثقافة الشركة كجزء من الاستمرارية

ورغم تغير التقنيات والمنصات وأشكال الطلب في السوق، تؤكد SAS أن ما بقي ثابتاً عبر العقود هو ثقافتها الداخلية وطريقتها في إدارة العمل. فقد ارتبطت الشركة بصورة مكان عمل يحظى بتقدير عالٍ، سواء داخل الولايات المتحدة أو عالمياً، وهو ما يراه قادتها عنصراً حاسماً في قدرتها على الاستمرار.

غودنايت، الذي يبلغ 83 عاماً، يربط نجاح الشركة أيضاً بطريقة تعاملها مع الموظفين، وبأهمية المحافظة على بيئة مهنية مستقرة وعادلة. وهذه الفلسفة تظهر في لغة الشركة عند الحديث عن المستقبل: النمو مهم، لكن من دون التضحية بالانضباط، أو تحميل التقنية أكثر مما تحتمل، أو إهمال العنصر البشري في سباق الذكاء الاصطناعي.

وبينما يواصل قطاع التقنية إعادة صياغة نفسه حول النماذج التوليدية والوكلاء الأذكياء، يبدو أن SAS تختار موقعاً مختلفاً: ليست ضد الذكاء الاصطناعي، لكنها لا ترى في التسرع فضيلة. بالنسبة لها، القيمة تبدأ من الاستخدام الصحيح، لا من الوعود الكبيرة.