دعوى تضع الذكاء الاصطناعي في قلب قرارات التسريح
أثارت شكوى قانونية جديدة موجة نقاش حول الدور الذي يمكن أن تلعبه أنظمة الذكاء الاصطناعي في قرارات التوظيف والاستغناء عن العاملين، بعدما اتهمت مجموعة من الموظفين شركة ميتا بأن أدوات رقمية داخلية ساهمت في اختيارهم للتسريح خلال فترة إجازات محمية قانونياً.
وتشير القضية، المرفوعة في محكمة اتحادية بولاية كاليفورنيا، إلى أن الشركة استخدمت منظومة من الأدوات التحليلية والآلية لتقييم موظفين ورسم قوائم تسريح، بدل الاعتماد الكامل على تقدير المديرين المباشرين أو على مراجعة بشرية دقيقة لكل حالة.
وبحسب مضمون الشكوى، فإن أكثر من عشرين موظفاً حالياً وسابقاً يطلبون أمراً قضائياً أولياً يمنع استكمال إجراءات إنهاء خدماتهم أو تغيير رواتبهم ومزاياهم أو وضعهم الوظيفي خلال فترة النظر في القضية.
ما الذي تدعيه الشكوى
تقول الشكوى إن ميتا بدأت في 20 مايو 2026 بإبلاغ نحو 10% من قوتها العاملة، أي ما يقارب 8000 موظف، بأنهم اختيروا لإنهاء الخدمة، مع إعادة توجيه آلاف آخرين إلى مشاريع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وجاء ذلك، وفقاً للملف، في وقت كانت الشركة تعلن فيه نتائج مالية قوية وخطط إنفاق ضخمة على الذكاء الاصطناعي خلال العام.
وتزعم الدعوى أن عملية الاختيار لم تكن مجرد مراجعة بشرية، بل اعتمدت على مجموعة من الأنظمة الداخلية التي قيّمت الموظفين ورفعت توصيات بشأن من ينبغي الاستغناء عنه. ومن بين الأدوات المذكورة أنظمة تقيس النشاط الرقمي، وبيانات تتعلق باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ونماذج داخلية تساعد في محاكاة إنتاجية الموظف أو تلخيص أدائه.
وتذهب الشكوى إلى أن هذه الآليات قد تكون عاقبت موظفين كانوا في إجازات طبية أو عائلية أو إجازات مرتبطة بالحمل والولادة، وهو ما قد يشكل، إذا ثبت، انتهاكاً لقواعد تحمي هذه الفترات من أن تُستخدم سلباً في القرار الوظيفي.
اعتراض ميتا وحدود الجدل القانوني
تنفي ميتا هذه الاتهامات وتقول إن قراراتها المتعلقة بالقوى العاملة اتخذها أشخاص وليس أنظمة ذكاء اصطناعي. غير أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بمن أصدر القرار النهائي، بل بمدى تأثير البيانات والخوارزميات في تشكيل القائمة الأولية أو تضييق الخيارات أمام صناع القرار.
وهنا تبرز نقطة حساسة في بيئات العمل الحديثة: حتى عندما يكون الإنسان هو من يوقّع القرار، قد تكون النتيجة مبنية على تقارير آلية مختصرة أو مؤشرات أداء غير مكتملة، ما يجعل المراجعة البشرية شكلية إذا لم يكن لدى المسؤولين الوقت أو المعلومات أو الصلاحية الكافية للطعن في مخرجات النظام.
القضية تكشف أيضاً عن فجوة متنامية بين سرعة اتخاذ القرار التي توفرها الأدوات الذكية، وبين الحاجة إلى ضمان العدالة والشفافية، خصوصاً في القرارات التي تؤثر مباشرة في الدخل والصحة والاستقرار الأسري للموظفين.
لماذا يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية المخاطر
الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية ليس مشكلة بحد ذاته، لكنه يصبح شديد الحساسية عندما يتجاوز التوصية إلى التأثير الفعلي في مصير الموظف. فالنظام قد يلتقط أنماطاً في البيانات، لكنه لا يفهم دائماً السياق الإنساني أو الطبي أو القانوني المحيط بها.
على سبيل المثال، قد تُفسر فترة انقطاع عن العمل بسبب علاج طبي أو رعاية طفل حديث الولادة على أنها انخفاض في النشاط أو ضعف في الالتزام، إذا لم تُعرّف هذه الحالة بشكل صحيح داخل النظام. وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة دعم إلى مصدر خطر قانوني وتنظيمي.
ويحذر خبراء من أن الأتمتة قد تجعل القرارات أسرع، لكنها لا تجعلها بالضرورة أكثر عدلاً. كما أن اختصار السجلات أو تلخيصها قبل وصولها إلى الإدارة العليا قد يخفي تفاصيل مهمة، مثل الإجازة المحمية أو سبب التراجع المؤقت في الأداء.
ما الذي يجب أن تتعلمه الشركات من هذه القضية
القضية تسلط الضوء على ضرورة بناء حوكمة واضحة لأي نظام ذكاء اصطناعي يدخل في التوظيف أو التقييم أو التسريح. ويشمل ذلك تحديد من يملك حق مراجعة النموذج، وما إذا كانت هناك سجلات قابلة للتدقيق، وكيفية توثيق المصادر التي تغذي النظام، وما إذا كان يمكن إعادة إنتاج النتيجة نفسها عند المراجعة.
كما ينبغي ألا تُعامل البيانات الخاصة بالإجازات القانونية أو العلاج الطبي أو ظروف الأسرة على أنها مجرد غياب أو ضعف في التفاعل. فهذه معلومات محمية، ويجب أن تمر عبر مسار مراجعة مستقل يضمن عدم معاقبة الموظف على ممارسة حقه القانوني.
وتؤكد هذه القضية أن أي نظام يؤثر بشكل مباشر في الاحتفاظ بالوظيفة لا ينبغي اعتباره مجرد أداة موارد بشرية تقليدية، بل بنية عالية المخاطر تستلزم ضوابط تعادل خطورة القرار نفسه.
الدروس العملية للموظفين والمؤسسات
بالنسبة للشركات، تعني هذه التطورات أن استخدام الذكاء الاصطناعي في شؤون الأفراد يجب أن يظل مرتبطاً بمسؤولية بشرية فعلية، لا بإشراف شكلي. ويُفترض أن تكون هناك جهة قادرة على إيقاف القرار أو تأجيله إذا كانت البيانات غير مكتملة أو إذا ظهرت مؤشرات على انحياز غير مبرر.
أما الموظفون المتأثرون بقرارات مماثلة، فالتوصية الأساسية هي الاحتفاظ بالمراسلات والتقييمات والموافقات على الإجازات وأي وثائق متعلقة بفترة العمل والإنهاء. فالمشكلة في مثل هذه النزاعات ليست في الخوارزمية وحدها، بل في القدرة على إثبات ما حدث فعلياً داخل عملية القرار.
كما ينبغي طلب توضيحات مكتوبة حول المعايير التي استُخدمت في الاختيار، وما إذا كانت أنظمة آلية قد أثرت فيه، وكيف جرى التعامل مع الإجازات المحمية، وما إذا كانت البيانات المستخدمة قد تم التحقق منها قبل الاعتماد عليها.
وتأتي هذه الدعوى لتؤكد أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الشركات لم يعد مقتصراً على الإنتاجية والأتمتة، بل امتد إلى قضايا الحقوق المهنية والعدالة الإجرائية وحدود الاعتماد على الأنظمة في أكثر القرارات حساسية داخل بيئة العمل.