الذكاء الاصطناعي والتقنية 01-Jun-2026 6 دقائق قراءة

تقرير: مسؤولو تقنية المعلومات يبدلون تجارب الذكاء الاصطناعي إلى مشاريع قابلة لقياس العائد

يكشف تقرير State of the CIO لعام 2026 أن مسؤولي تقنية المعلومات ينتقلون من التجارب الواسعة في الذكاء الاصطناعي إلى اختيار حالات استخدام محددة تقاس بنتائج أعمال واضحة.

دخلت الشركات مرحلة جديدة في تعاملها مع الذكاء الاصطناعي. فبعد موجة طويلة من التجارب المفتوحة والمشاريع الصغيرة التي بدأت غالباً بدافع الفضول أو الضغط التنافسي، أصبح التركيز اليوم منصباً على سؤال واحد أكثر صرامة: هل يحقق المشروع قيمة تجارية واضحة يمكن قياسها؟

هذا التحول يضع مسؤولي تقنية المعلومات في قلب القرار. فهم لم يعودوا مجرد مشرفين على البنية التقنية أو أدوات الدعم، بل باتوا مطالبين بتنظيم الجهود، واختيار الاستخدامات الأهم، وبناء آليات تضمن أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ينعكس على الأداء التشغيلي والمالي.

من تجارب واسعة إلى أولويات محددة

النهج السائد سابقاً اعتمد على كثرة التجارب. كانت العديد من المؤسسات تسمح بتمرير أفكار متعددة في وقت واحد، من دون معيار صارم لاختيار الأنسب. لكن هذا الأسلوب بدأ يفقد جاذبيته مع ارتفاع التكاليف وتعقّد التشغيل، ومع اتساع الفجوة بين نجاح التجربة في المختبر ونجاحها داخل بيئة العمل الفعلية.

في المقابل، بدأت المؤسسات الأكثر نضجاً في الذكاء الاصطناعي بالتركيز على حالات استخدام محددة ترتبط مباشرة بأهداف الشركة. ويشمل ذلك تحديد المشكلات التي تستحق الحل أولاً، ثم اختبار الحلول وفق معايير واضحة، قبل الانتقال إلى النشر على نطاق أوسع.

الرسالة الأساسية هنا بسيطة: ليس كل مشروع ذكاء اصطناعي يستحق أن يستمر. القيمة لم تعد تقاس بعدد النماذج التي تم بناؤها، بل بعدد المشكلات التي تم حلها فعلياً.

عقبة العائد على الاستثمار

رغم الزخم الكبير، يظل إثبات العائد على الاستثمار تحدياً حقيقياً. فبحسب نتائج الاستطلاع الذي شمل مئات من قادة التقنية ووحدات الأعمال، قال أقل من خُمس المشاركين إن مبادرات الذكاء الاصطناعي لديهم حققت الأهداف المطلوبة أو تجاوزتها. كما أقرّت شريحة أخرى بأن أقل من ثلث حالات الاستخدام وصلت إلى مستوى التوقعات المحددة.

وتظهر المشكلة بوضوح أكبر عندما تغيب المقاييس الدقيقة. فبعض المؤسسات لا تمتلك تعريفاً واضحاً لما يعنيه النجاح أصلاً: هل هو خفض التكاليف؟ أم زيادة الإنتاجية؟ أم تحسين سرعة العمل؟ أم تقليل الأخطاء؟ من دون إجابة متفق عليها، يصبح تقييم النتائج أمراً معقداً، بل أحياناً مستحيلاً.

كما أن نقص الخبرة الداخلية يزيد المهمة صعوبة. فمشروع الذكاء الاصطناعي لا يحتاج فقط إلى نموذج جيد، بل إلى فرق تفهم البيانات، والعمليات، والتكامل التقني، والآثار المالية، وطريقة قياس النتائج بعد الإطلاق.

الحوكمة تبدأ قبل التنفيذ

أحد أبرز التحولات التي رصدها القادة هو إنشاء لجان توجيهية مشتركة أو فرق عمل متخصصة تتولى غربلة الأفكار وترتيبها حسب الأولوية. هذه الهياكل تساعد على توحيد الرؤية بين التقنية والإدارة والأمن والامتثال، وتمنع التشتت الذي ينتج عندما يسعى كل قسم إلى تنفيذ مشروعه الخاص بمعزل عن الآخرين.

لكن وجود لجنة لا يكفي وحده. المؤسسات بدأت أيضاً في وضع عمليات اعتماد رسمية لمشاريع الذكاء الاصطناعي، بحيث لا ينتقل أي استخدام من الفكرة إلى التنفيذ إلا بعد المرور عبر مراجعة واضحة تشمل الجدوى والمخاطر والموارد المطلوبة.

وفي الوقت نفسه، تتجه الشركات إلى بناء مؤشرات أداء رئيسية أكثر دقة. بعض المؤسسات تركز على تحسين الكفاءة التشغيلية وتبسيط العمليات، وأخرى تقيس أثر الذكاء الاصطناعي على إنتاجية الموظفين أو على خفض التكاليف. أما الزيادة في الإيرادات، فما زالت في كثير من الحالات هدفاً أقل حضوراً من الأهداف التشغيلية المباشرة.

أمثلة من المؤسسات الكبرى

بعض الشركات بدأت بالفعل في إرساء قواعد أكثر صرامة. ففي قطاعات مثل النقل والخدمات المالية والتعليم، يجري التعامل مع الذكاء الاصطناعي على أنه برنامج مؤسسي يحتاج إلى مجلس أو لجنة واضحة، ومراجعات متكررة، وقرارات مبنية على بيانات مالية وتشغيلية.

في إحدى الشركات العاملة في النقل المدرسي، جرى ربط مشاريع الذكاء الاصطناعي بأهداف عمل محددة ومراجعتها عبر لجنة تضم قيادات من داخل المؤسسة. هذا الأسلوب سرّع الانتقال من التجربة إلى التطبيق، لأن كل مشروع كان يخضع منذ البداية لسلسلة اختبارات وتقييمات مالية قبل الوصول إلى بيئة الإنتاج.

وفي مؤسسة مالية كبيرة، انتشر استخدام منصة داخلية للذكاء الاصطناعي بين معظم الموظفين، لكن القادة هناك أشاروا إلى أن النجاح لا يعتمد على تبني الأدوات فقط. فحتى عندما تكون البنية التنظيمية قوية، وتتوفر برامج التدريب والحوكمة، تبقى التكلفة التشغيلية عاملاً حاسماً قد يقلل من العائد المتوقع إذا لم تتم مراقبته بدقة.

التكلفة الخفية وراء النجاح الظاهري

من الأخطاء الشائعة التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه نجاحاً تلقائياً بمجرد أن يثبت فاعليته في اختبار أولي. الواقع أكثر تعقيداً. فالتجربة التي تبدو واعدة قد تتحول إلى عبء عندما تبدأ المؤسسة في تشغيلها يومياً، لأن التكلفة الحقيقية لا تقتصر على تطوير النموذج أو شرائه، بل تشمل التشغيل المستمر، وإدارة البيانات، وحركة المرور، واستهلاك الموارد، وتكاليف التكامل مع الأنظمة الأخرى.

ولهذا السبب، بدأت بعض القيادات التقنية التركيز على ما يسمى بالتكلفة الكاملة للحل، وليس فقط تكلفة بنائه. فالنجاح الحقيقي لا يتحقق عندما يعمل المشروع مرة واحدة، بل عندما يمكن تشغيله بكفاءة وعلى نطاق واسع من دون أن يبتلع الميزانية.

كما أن تصميم التجربة نفسها يلعب دوراً مهماً. فإذا كان مخرج النموذج مفيداً نظرياً لكنه بعيداً عن الاستخدام اليومي للموظف، فلن يتحول إلى سلوك فعلي داخل المؤسسة. القيمة لا تأتي من قوة النموذج وحدها، بل من سهولة دمجه في العمل اليومي.

دور جديد لرئيس تقنية المعلومات

النتيجة الأوسع لهذا التحول هي اتساع دور رئيس تقنية المعلومات. فالشركات لم تعد تتوقع منه إدارة الأنظمة فقط، بل تنظر إليه بوصفه منسقاً رئيسياً بين التقنية والأعمال والمخاطر. هذا الدور يتطلب فهماً أعمق للعمليات، وقدرة على التفاوض بين المصالح المختلفة، ومهارة في ترجمة الأهداف التجارية إلى قرارات تقنية.

كما أن الذكاء الاصطناعي دفع هذا المنصب إلى مزيد من الالتصاق بوظائف أخرى مثل الأمن السيبراني، وإدارة البيانات، والتحول الرقمي. وفي كثير من المؤسسات، أصبح رئيس تقنية المعلومات يحمل أكثر من مسؤولية قيادية في الوقت نفسه، ما يعكس اتساع التوقعات وارتفاع مستوى التعقيد.

لكن هذا الاتساع لا يعني مجرد زيادة في الأعباء. فهو يشير أيضاً إلى أن التكنولوجيا لم تعد منفصلة عن الاستراتيجية، وأن القرارات المتعلقة بها أصبحت جزءاً أساسياً من إدارة الشركة نفسها.

ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل

المشهد الحالي يوحي بأن مرحلة الذكاء الاصطناعي التجريبية تقترب من نهايتها داخل الشركات الكبرى. المرحلة المقبلة ستكافئ المؤسسات التي تعرف كيف تختار، وتقيس، وتوقف ما لا يعمل، وتوسع ما يثبت قيمته. وهذه المعادلة تتطلب انضباطاً أكبر من مجرد الحماس التقني.

في النهاية، لا يبدو أن السؤال الرئيسي بات: ما الذي يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي؟ بل: ما الذي يستحق فعلاً أن تُنفق عليه الشركة وقتها وميزانيتها وبياناتها؟ هذا التحول في السؤال هو ما سيحدد شكل المنافسة في السنوات المقبلة، ودور مسؤولي تقنية المعلومات في قيادتها.