أغلقت شركة Tsuga الناشئة، المتخصصة في مراقبة الأنظمة الرقمية، جولة تمويل من الفئة A بقيمة 35 مليون دولار، وذلك بعد أقل من عام على خروجها من مرحلة التخفي. وتأتي الصفقة في وقت تواجه فيه المؤسسات تحدياً متصاعداً يتمثل في ارتفاع تعقيد وكلفة مراقبة التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
الجولة قادتها شركة Singular، وشارك فيها مستثمرون سابقون مثل General Catalyst، إلى جانب مستثمرين جدد من بينهم DST Global وQuantumLight، مع دعم إضافي من Picus وDatabricks Ventures. وتقول الشركة إنها حققت بالفعل إيرادات سنوية متكررة بملايين الدولارات، كما ضمت قائمة عملائها أسماء مثل Le Monde وCamunda وBuk وBlack Forest Labs.
وسيُستخدم رأس المال الجديد في توسيع الفريق ليصل إلى نحو 100 موظف، إضافة إلى تسريع تطوير المنصة وتحسين قدراتها التقنية. وتعكس هذه الخطوة قناعة الشركة بأن سوق المراقبة الرقمية يدخل مرحلة جديدة تتطلب أدوات مختلفة عن تلك التي صُممت للبرمجيات التقليدية.
مشكلة القياس عن بُعد تتضخم مع انتشار الذكاء الاصطناعي
تقوم منصات observability بجمع وتحليل البيانات التشغيلية مثل السجلات، والمؤشرات، وآثار التتبع، بهدف مساعدة فرق الهندسة على فهم أداء التطبيقات والبنية التحتية. لكن مع ازدياد اعتماد الشركات على وكلاء الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، ارتفعت كميات البيانات التشغيلية إلى مستويات غير مسبوقة.
هذا الارتفاع لا يخلق تحدياً تقنياً فحسب، بل يرفع أيضاً فاتورة التخزين والمعالجة لدى مزودي المراقبة. وفي كثير من الحالات، تجد الشركات نفسها أمام خيارين صعبين: إما تقليص حجم البيانات المجمعة عبر أخذ عينات أقل، ما يحدّ من الرؤية التشغيلية، أو قبول تكاليف متنامية قد تصبح غير مستدامة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.
إلى جانب الكلفة، برزت أسئلة تتعلق بحوكمة البيانات والامتثال، خصوصاً عندما تتضمن البيانات التشغيلية معلومات حساسة أو مرتبطة ببيئات خاضعة لمتطلبات سيادة رقمية صارمة. ومع دخول المزيد من المؤسسات في سباق بناء تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت observability نفسها جزءاً من بنية القرار التقني والمالي داخل الشركات.
نهج BYOC يضع البيانات داخل بيئة العميل
تأسست Tsuga في عام 2024 على يد مسؤولين تنفيذيين سابقين في Datadog هما Gabriel-James Safar وSébastien Deprez. ومنذ البداية، بُنيت المنصة على نموذج Bring Your Own Cloud، أو BYOC، وهو أسلوب يختلف عن البنية التقليدية التي تُرسل فيها البيانات إلى منصة يملكها المورّد.
في هذا النموذج، تُنشر المنصة داخل سحابة العميل نفسها، سواء على AWS أو Microsoft Azure أو Google Cloud أو حتى البيئات السحابية السيادية. وبهذه الطريقة تبقى بيانات القياس عن بُعد داخل البنية التحتية الخاصة بالعميل، مع تخزينها في مخازن الكائنات الخاصة به وتشفيرها وفق سياساته الأمنية.
وتقول Tsuga إن هذا التصميم يهدف إلى معالجة عدة مشكلات في وقت واحد، من بينها خفض الاعتماد على مزود خارجي، وتقليل مخاطر الاحتجاز لدى جهة واحدة، والامتثال لمتطلبات تنظيمية تتعلق بمكان وجود البيانات ومن يمكنه الوصول إليها. كما تدعم المنصة معايير مفتوحة مثل OpenTelemetry، وتستخدم صيغ بيانات مفتوحة تمنح الفرق التقنية قدراً أكبر من المرونة في إدارة معلوماتها.
المراقبة لم تعد تقتصر على السجلات والمؤشرات
مع انتقال المؤسسات إلى تشغيل تطبيقات ذكاء اصطناعي أكثر تعقيداً، لم تعد أدوات المراقبة التقليدية كافية وحدها. فإلى جانب السجلات والمؤشرات ومسارات التتبع المعتادة، تحتاج الشركات اليوم إلى رؤية أوضح لعمليات خاصة بالذكاء الاصطناعي مثل تنفيذ الأوامر النصية، واستهلاك الرموز، وتفاعلات الوكلاء، ودرجات الثقة، وسلاسل الاتصال بين عدة وكلاء.
ضمن هذا السياق، طورت Tsuga منصة تدمج هذه الطبقات في بيئة واحدة، مع الإبقاء على البيانات داخل حدود السحابة التي يملكها العميل. وتصف الشركة نفسها بأنها منصة “مراقبة مرنة أصلية للذكاء الاصطناعي”، في إشارة إلى أنها لا تتعامل مع AI كإضافة جانبية، بل كجزء أساسي من بنية المراقبة نفسها.
وتشمل قدرات المنصة الكشف الآلي عن الشذوذات، وتحليل السبب الجذري، ومراقبة عمليات النشر، ومتابعة أداء الوكلاء الذكيين. كما توفر Tsuga خادماً من نوع MCP وأدوات سطر أوامر تسمح للفرق الهندسية ببناء وكلاء ذكاء اصطناعي خاصة بها اعتماداً على بيانات المراقبة، من دون إخراج هذه البيانات خارج نطاق الأمان المؤسسي.
خدمة ميدانية إلى جانب البرمجيات
لا تعتمد Tsuga على البرمجيات وحدها، بل تجمع بينها وبين نموذج عمل يقوم على الهندسة الميدانية المباشرة مع العملاء. وبهذا الأسلوب، تعمل الشركة مع الفرق التقنية على تحسين بيئات القياس، وتقليل البيانات غير الضرورية، ورفع كفاءة المراقبة مع مرور الوقت.
ويعكس هذا النهج اتجاهاً أوسع في برمجيات المؤسسات، حيث لم يعد التميّز مرتبطاً بالمنتج التقني فقط، بل أيضاً بالقدرة على المساعدة في تشغيله وتكييفه مع واقع العميل. ومع ازدياد تعقيد أحمال العمل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تصبح الخبرة التشغيلية نفسها جزءاً من قيمة الخدمة.
وتراهن الشركة على أن هذا المزيج بين المنصة والخدمة سيجد صدى لدى المؤسسات التي بدأت تشعر بأن البنية التقليدية للمراقبة لم تعد مناسبة لحجم البيانات وتنوعها الحالي. فالمشكلة لم تعد مجرد جمع telemetry، بل معرفة ما يجب جمعه، وكيفية الاحتفاظ به، وأين ينبغي أن يبقى.
إشارة إلى إعادة تشكيل سوق المراقبة
تأتي جولة التمويل في لحظة تعيد فيها فرق البنية التحتية تقييم موقع أدوات observability داخل البيئات التي أصبحت أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي. فكلما توسعت التطبيقات الذكية، زادت الحاجة إلى أنظمة قادرة على فهم سلوكها، وفي الوقت نفسه ضبط الكلفة والامتثال والسيطرة على البيانات.
وبالنسبة إلى Tsuga، فإن الرهان يتمثل في أن الحفاظ على بيانات المراقبة داخل سحابة العميل قد يصبح ميزة تنافسية مهمة، لا سيما لدى المؤسسات التي تتعامل مع بيانات حساسة أو تعمل في بيئات تنظيميّة صارمة. ومع أن هذا النموذج لا يزال في طور إثبات نفسه على نطاق أوسع، فإنه يوضح كيف يدفع الذكاء الاصطناعي شركات البنية التحتية إلى إعادة التفكير في المسلمات القديمة.
ومع التمويل الجديد، تدخل Tsuga مرحلة توسع أكثر وضوحاً، في وقت تتزايد فيه المنافسة على تقديم أدوات قادرة على مواكبة الأنظمة الذكية الحديثة. وإذا استمرت أحجام البيانات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في النمو بالوتيرة الحالية، فقد يصبح توفير observability داخل الحدود السحابية للعميل أحد المسارات الأكثر جاذبية في السوق.