تدفع تيثر بفكرة أصبحت أكثر حضوراً في نقاشات الذكاء الاصطناعي: القدرة الحاسوبية لا ينبغي أن تبقى خدمة تُستأجر من السحابة، بل يمكن أن تتحول إلى قدرة مملوكة ومتنقلة تعمل محلياً على الأجهزة نفسها. وفي رؤية الشركة، فإن هذا التحول ليس مجرد خيار تقني، بل إعادة تعريف لطريقة توزيع الذكاء الاصطناعي والوصول إليه واستخدامه.
الفكرة الأساسية تقوم على أن الاعتماد الكامل على البنية السحابية يفرض قيوداً تتعلق بالتكلفة، وتوفر الموارد، والسيادة على البيانات، فضلاً عن المخاطر التشغيلية المرتبطة بوجود طرف ثالث بين المستخدم والنموذج. أما الذكاء المحلي، بحسب هذا التصور، فينقل تشغيل النماذج والتدريب والاستدلال إلى الجهاز أو البيئة القريبة من المستخدم، بما يجعل الذكاء الاصطناعي أكثر استقلالية وأقل ارتباطاً بمراكز البيانات العملاقة.
من نموذج الإيجار إلى نموذج الملكية
تقول تيثر إن الطريقة السائدة اليوم في تشغيل الذكاء الاصطناعي تشبه استئجار القدرة الحاسوبية عند الحاجة، سواء عبر خدمات سحابية أو عبر مزودي بنية تحتية متخصصين. هذا النموذج قد يكون عملياً في المراحل الأولى، لكنه يظل محدوداً عندما تتوسع التطبيقات ويزداد عدد المستخدمين والأنظمة المستقلة، خصوصاً إذا أصبح العالم أكثر اعتماداً على وكلاء ذكيين يعملون باستمرار.
في المقابل، ترى الشركة أن الذكاء المحلي يضع التقنية في يد المستخدم النهائي أو المؤسسة نفسها. أي أن النموذج لا يعود أداة مؤقتة تُستهلك عبر الإنترنت، بل جزءاً من الأصل الرقمي الذي يمكن تشغيله وتخصيصه وتطويره داخل البيئة نفسها التي يحتاجها المستخدم. وبهذا المعنى، يصبح الذكاء الاصطناعي أقرب إلى بنية إنتاجية دائمة منه إلى خدمة مؤقتة.
هذا التصور ينسجم مع اتجاه أوسع في قطاع التقنية، حيث بدأت شركات ومطورون في البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على الاتصال الدائم بالخوادم وتزيد من قدرة الأجهزة الطرفية على تنفيذ المهام المعقدة محلياً، من تحرير النصوص والبرمجة إلى التحليل الطبي وإدارة الأنظمة الذكية داخل المنازل والمكاتب.
قيود الحوسبة السحابية في عصر التوسع السريع
أحد المحاور الرئيسية في طرح تيثر يتعلق بحدود البنية السحابية نفسها. فمع تضخم الطلب على القدرة الحاسوبية، تتزايد الضغوط على مراكز البيانات، وتترتب على ذلك تكاليف رأسمالية كبيرة واستثمارات ضخمة في العتاد والطاقة والتبريد والشبكات. وتقدّر الشركة أن سباق التوسع هذا يرفع كلفة تشغيل الذكاء الاصطناعي ويجعل أسعار الاستخدام أكثر حساسية للتقلبات.
كما أن توزيع مراكز البيانات ليس متوازناً عالمياً. فالنسبة الأكبر منها تتركز في الولايات المتحدة، ما يخلق تفاوتاً واضحاً بين المناطق من حيث الوصول إلى البنية التحتية، والكلفة، وسرعة الأداء، والقدرة على حفظ البيانات داخل حدود جغرافية محددة. وبالنسبة للشركات التي تعمل عبر أسواق متعددة، فإن هذا التركيز قد يضيف تعقيدات جديدة تتعلق بالامتثال والتنظيم والسيادة الرقمية.
وتشير تيثر أيضاً إلى أن الاعتماد على مزودين خارجيين يضيف طبقة من الهشاشة التشغيلية. فالأعطال غير المتوقعة، أو التغييرات المفاجئة في شروط الاستخدام، أو ارتفاع الأسعار، كلها عوامل قد تؤثر في المطورين والمؤسسات وحتى المستخدمين الأفراد. وفي بيئة يعتمد فيها الذكاء الاصطناعي على الاستمرارية، فإن أي انقطاع في السلسلة التشغيلية يصبح ذا أثر مباشر على الخدمة نفسها.
الخصوصية وسيادة البيانات كعامل حاسم
إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية، تضع تيثر ملف البيانات في قلب النقاش. فكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي السحابي، زادت كمية المعلومات التي تمر عبر أنظمة مملوكة لأطراف خارجية، سواء أثناء التدريب أو الضبط أو أثناء الاستجابة لطلبات المستخدمين. وهذا يفتح الباب أمام أسئلة متكررة حول من يملك البيانات، وأين تُخزن، ومن يمكنه الوصول إليها.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر في بيئة تتصاعد فيها المخاوف الأمنية. إذ باتت تسريبات البيانات المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي من أبرز مصادر القلق لدى قادة الأمن السيبراني، متقدمة أحياناً على تهديدات الاختراق التقليدية. كما أن كثرة الحوادث المرتبطة بخرق البيانات تبرز هشاشة الاعتماد على أنظمة مركزية واسعة النطاق.
الطرح المحلي، من وجهة نظر تيثر، يقلل هذه المشكلة لأنه يجعل بيانات المستخدم على الجهاز نفسه، ويمنح صاحبها مساحة أكبر للتحكم في دورة حياتها. وبذلك لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد طبقة برمجية تعالج المدخلات في مكان بعيد، بل بيئة يمكن ضبطها داخل الحدود التي يحددها المستخدم أو المؤسسة.
QVAC وPear وHolepunch: لبنات البنية المحلية
لتجسيد هذه الرؤية عملياً، طورت تيثر مجموعة من الأدوات والمشروعات التي تركز على التشغيل المحلي واللامركزي. من بينها Pear runtime الذي يعمل على بنية شبكية ونظير-لنظير لتقليل الاعتماد على الخوادم المركزية، إلى جانب Holepunch الذي يهدف إلى دعم تطبيقات تعتمد على شبكات موارد موزعة.
كما أطلقت الشركة QVAC، وهو إطار وبحث وتطوير مخصص للذكاء الاصطناعي المحلي والأطراف الطرفية. الفكرة هنا ليست مجرد تشغيل نموذج على جهاز متواضع، بل بناء منظومة تسمح بالتدريب والضبط والاستدلال في بيئات مختلفة، بما فيها الأجهزة اليومية ذات الموارد المحدودة أو الأنظمة غير المتجانسة.
وتقول تيثر إن هذا العمل أدى إلى تطوير مكونات متعددة، من بينها إطار لضبط نماذج كبيرة على أجهزة عادية، ومنصة QVAC Fabric LLM التي تحول الأجهزة العادية إلى وحدات حوسبة قادرة على تنفيذ مهام الذكاء الاصطناعي محلياً، إضافة إلى أطر تدريب دقيقة تستهدف التشغيل على الحافة بدل الاعتماد على وحدات معالجة الرسوميات العملاقة فقط.
وتشمل المنظومة أيضاً QVAC Genesis لتوليد بيانات اصطناعية في مجالات علمية، وWDK لتطوير محافظ رقمية جاهزة للعمل مع الوكلاء الأذكياء، وQVAC MedPsy كنماذج محلية في المجال الطبي، إلى جانب QVAC Workbench الذي يتيح مهام البحث والبرمجة والتنفيذ على الأجهزة الطرفية. كما يجمع QVAC SDK هذه المكونات في حزمة واحدة توفر أمثلة استخدام وطبقات دمج جاهزة للمطورين.
تأثير مباشر على المطورين والشركات
إذا نجح هذا الاتجاه في التوسع، فقد يعيد تشكيل الطريقة التي تبني بها الشركات تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من إرسال كل طلب إلى سحابة خارجية، يمكن لبعض الوظائف أن تُنفذ داخل الجهاز أو داخل البنية المحلية للمؤسسة. وهذا قد يخفف الكلفة، ويحسن زمن الاستجابة، ويزيد من التحكم في تدفق البيانات.
بالنسبة للمطورين، يعني ذلك أن تصميم المنتجات سيصبح أكثر ارتباطاً بقدرات العتاد المحلي وبالتوازن بين الأداء واستهلاك الموارد. أما بالنسبة للمؤسسات، فإن التشغيل المحلي قد يكون أكثر ملاءمة للقطاعات الحساسة مثل الصحة والمالية والصناعة، حيث تتداخل متطلبات الخصوصية والاعتمادية والامتثال مع الحاجة إلى الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا التحول ليس بسيطاً. فبناء ذكاء اصطناعي محلي قابل للتوسعة يتطلب هندسة مختلفة على مستوى النموذج، والذاكرة، وتوزيع الأعباء، وتجربة المستخدم. كما أن تقليل الاعتماد على السحابة لا يلغي الحاجة إلى بنية تحتية قوية، بل يعيد توزيعها بشكل أكثر قرباً من المستخدم النهائي.
رهان على ذكاء اصطناعي أكثر إنسانية وانتشاراً
في جوهر موقف تيثر، هناك قناعة بأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون واسع الإتاحة، لا محصوراً في مراكز البيانات أو محكوماً بقيود الاشتراك والطلب المتغير. وتربط الشركة بين هذا التوجه وبين مستقبل تتزايد فيه الأهمية اليومية للأنظمة الذكية، من الأجهزة الشخصية إلى البنى الصناعية وحتى المكونات الصغيرة داخل الأجهزة المنزلية.
هذه الرؤية تقوم على أن المستخدمين ينبغي أن يمتلكوا الذكاء الاصطناعي الذي يعتمدون عليه، وأن يحددوا بأنفسهم كيفية استخدامه وما إذا كانت بياناتهم تعالج محلياً أو عبر طرف خارجي. وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقلالية الآلية، ترى تيثر أن الذكاء المحلي قد يكون الطريق الأنسب لجعل التقنية أكثر قابلية للتبني وأكثر انسجاماً مع احتياجات البشر الفعلية.
وبينما لا يزال الجدل مفتوحاً حول أفضل نموذج لتشغيل الذكاء الاصطناعي، فإن الرسالة التي تطرحها الشركة واضحة: القيمة الحقيقية لن تتحقق إذا ظل الذكاء مجرد خدمة مؤجرة، بل عندما يصبح قدرة قابلة للحمل والتشغيل والتملك داخل كل جهاز وبيئة يحتاجها المستخدم.