19-Jul-2026 5 دقائق قراءة

دايهاتسو تعزز التحول الرقمي عبر الذكاء الاصطناعي وثقافة تبني التقنية داخل المصنع

يركز قسم التحول الرقمي في دايهاتسو على ترسيخ استخدام التقنية داخل المؤسسة، مع توظيف الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية لتحسين الجودة ورفع الكفاءة وبناء ثقافة ابتكار مستدامة في التصنيع.

من هندسة المحركات إلى قيادة التحول الرقمي

تسلط تجربة دايهاتسو الصناعية الضوء على مسار مهني غير تقليدي داخل الشركات الصناعية الكبرى، حيث انتقل أحد مهندسي تطوير أنظمة التحكم في المحركات إلى موقع قيادي في التحول الرقمي على مستوى الشركة. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير في الوظيفة، بل انعكاس لتحول أعمق في طريقة التفكير داخل المؤسسة: من التركيز على تطوير المنتج فقط إلى إعادة تصميم طريقة العمل نفسها عبر التقنية والبيانات.

المسؤول عن دفع هذه الجهود بدأ مسيرته في مجال التطوير المضمن والهندسة المرتبطة بالمحرك، وشارك عبر سنوات طويلة في أعمال تقنية دقيقة كما ارتبط بأكثر من مئة براءة اختراع. لكن التجربة الأكاديمية لاحقاً، خاصة في بيئة دراسية متقدمة خارج المسار الوظيفي التقليدي، فتحت أمامه باباً جديداً لفهم القيمة العملية للتقنيات الرقمية. ومن هنا تولدت قناعة واضحة بأن التقنية ليست أداة مساندة فحسب، بل رافعة لإعادة تشكيل المؤسسة من الداخل.

بناء ثقافة رقمية قبل توسيع الأدوات

في الشركات الصناعية الراسخة، لا تكمن الصعوبة عادة في شراء الأنظمة أو إدخال الحلول التقنية، بل في جعل الموظفين يتقبلونها ويستخدمونها بفاعلية. لهذا ركزت دايهاتسو على هدف أبعد من التشغيل التقني المباشر، وهو ترسيخ قناعة داخلية بأن الاستفادة من البيانات والأتمتة والذكاء الاصطناعي جزء من العمل اليومي وليس مشروعاً جانبياً.

هذا النهج اعتمد على الإقناع التدريجي بدل الفرض، وعلى إشراك الموظفين بدلاً من الاكتفاء بالتوجيه الإداري. وتشير التجربة إلى أن التغيير المستدام يحتاج إلى ما يشبه بناء مناخ مؤسسي جديد، يسمح للفرق المختلفة بتجربة الأدوات الرقمية واكتشاف قيمتها الفعلية في تحسين الأداء وتقليل الجهد المتكرر.

ولتحقيق ذلك، نظمت الشركة فعاليات وأنشطة داخلية حول الذكاء الاصطناعي والتعرف على الصور واستخدام الفيديو وتطبيقات البيانات، بهدف رفع الوعي وبناء لغة مشتركة بين الفرق التقنية وغير التقنية. وبهذه الطريقة، أصبح التحول الرقمي مساراً تشاركياً يتجاوز حدود قسم تقنية المعلومات.

الذكاء الاصطناعي في خطوط الفحص والإنتاج

أحد أبرز تطبيقات هذه الرؤية كان إدخال الذكاء الاصطناعي إلى عمليات الفحص في المصانع. في هذا السياق، لا يقتصر دور التقنية على أتمتة جزء من المراجعة، بل يمتد إلى دعم الجودة وتقليل العبء على العاملين وتحسين سرعة اكتشاف الأخطاء. وعندما تُدمج حلول الذكاء الاصطناعي في بيئة إنتاجية دقيقة مثل تصنيع السيارات، تصبح فائدتها مرتبطة مباشرة بالموثوقية والسلامة.

كما أولت الشركة اهتماماً بجعل العاملين في المصانع قادرين على استخدام هذه الأدوات بأنفسهم، لا أن يظلوا مجرد مستفيدين منها بصورة غير مباشرة. هذا التوجه مهم لأنه يرفع مستوى النضج الرقمي داخل المؤسسة ويحوّل المعرفة التقنية من فريق مركزي إلى مهارة موزعة على نطاق أوسع.

وفي الأقسام الإدارية، جرى توسيع استخدام أدوات ذكاء الأعمال وأتمتة العمليات الروبوتية، بما يساعد على تحسين سير العمل، وتسريع الوصول إلى المعلومات، ودعم اتخاذ القرار وفق البيانات بدلاً من الاعتماد على الإجراءات اليدوية المطولة. بهذه الصورة، أصبحت التقنية جزءاً من البنية التشغيلية اليومية، لا مجرد إضافة تجميلية.

القيادة الرقمية تحتاج إلى فهم الأعمال لا التقنية فقط

تجربة دايهاتسو تعكس أيضاً تغيراً في تعريف القائد التقني داخل الشركات الصناعية. فالمهارة التقنية وحدها لم تعد كافية، بل بات مطلوباً من قادة التحول الرقمي فهم نموذج الأعمال، واحتياجات الإدارات المختلفة، والقدرة على تحويل الرؤية التقنية إلى نتائج عملية قابلة للقياس. هذا النوع من القيادة يجمع بين اللغة الهندسية ولغة الإدارة، وبين التفكير المستقبلي والقدرة على التنفيذ.

وترى الشركة أن نجاح التحول الرقمي يعتمد على قادة قادرين على التعلم المستمر، وصياغة رؤية واضحة، ومشاركة هذه الرؤية مع العاملين بطريقة تجعلهم جزءاً من التغيير. كما أن الاعتماد على البيانات في اتخاذ القرار أصبح عنصراً أساسياً، لأنه يمنح المبادرات الرقمية أساساً موضوعياً ويقلل من الطابع التجريبي غير المنضبط.

ومن المهم هنا أن التحول في دايهاتسو لم يُقدَّم بوصفه سباقاً تقنياً مع الشركات الأخرى، بل بوصفه عملية بناء طويلة الأمد تستهدف رفع قدرة المؤسسة على التطور الذاتي. وهذا ينسجم مع واقع القطاع الصناعي، حيث لا يكون النجاح في إدخال أحدث الأدوات فقط، بل في ضمان استدامة استخدامها وتكاملها مع العمليات.

دروس للقطاع الصناعي الياباني

تعكس هذه التجربة اتجاهاً أوسع في الصناعة اليابانية، حيث تسعى الشركات إلى مواءمة الكفاءة التشغيلية مع الابتكار الرقمي دون فقدان هويتها المؤسسية. وفي مثل هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الجودة والإنتاجية، لكنه يحتاج إلى بيئة تنظيمية وتدريبية تسمح بتبنيه على نطاق واسع.

كما أن ربط التحول الرقمي بمفهوم «الإنسان أولاً» يمنح هذه المبادرات معنى عملياً. فبدلاً من النظر إلى التقنية كبديل عن العاملين، يجري التعامل معها كوسيلة لتوسيع قدراتهم وتقليل الأعمال المرهقة وفتح المجال أمام مهام أعلى قيمة. هذه الفلسفة تساعد على تخفيف المقاومة الداخلية، وتزيد فرص نجاح مشاريع التغيير داخل المؤسسات الكبيرة.

وتقدم دايهاتسو من خلال هذا النهج نموذجاً يقوم على أن التقدم الرقمي لا يبدأ من البرمجيات وحدها، بل من الثقافة التنظيمية التي تحتضنها. وعندما تُبنى هذه الثقافة على التعلم والتجريب والاعتماد على البيانات، تصبح الشركة أكثر استعداداً لمستقبل التصنيع الذكي، وأكثر قدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى جزء أصيل من عملياتها اليومية.