تشير بيانات جديدة من مسح شمل 101 مؤسسة إلى أن سوق تنسيق الوكلاء في الشركات يتجه بسرعة نحو منصات مزودي النماذج الكبيرة، لكن التنفيذ الفعلي لا يزال متأخراً عن الطموح. فبينما تهيمن Anthropic من خلال منصة Claude على الحصة الأكبر من الاستخدام، تكشف الإجابات أن أغلب ما يُسمى اليوم «وكلاء» هو في الواقع طبقات مبسطة فوق روبوتات محادثة، وليست أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة الخطوات بصورة حقيقية.
وتُظهر النتائج أيضاً أن المؤسسات لا تبحث فقط عن أفضل نموذج، بل عن أفضل مزيج بين الأداء والتحكم. فاختيار المنصة يتأثر بقوة بما يمكن وصفه بـ«جاذبية النموذج الأساسي»، أي اقتراب منصة التنسيق من النموذج الأقوى الذي تعتمد عليه المؤسسة. وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من الارتباط بمزود واحد، ما يدفع الشركات إلى بناء طبقة تحكم هجينة تجمع بين أدوات المنصة الأصلية وطبقة خارجية تضمن مرونة أعلى.
هيمنة منصات النماذج الكبرى على طبقة التنسيق
توضح الدراسة أن قرار المؤسسات لم يعد يدور حول بناء الأتمتة من الصفر بقدر ما يدور حول اختيار المنصة الأقرب إلى نموذج اللغة الذي تثق به فرق التطوير. ووفقاً للبيانات، تعتمد 40% من المؤسسات المشمولة على منصة Claude من Anthropic كمنصة رئيسية لتنظيم الوكلاء، وهي نسبة تتجاوز بوضوح أي منافس آخر.
وتأتي Microsoft في المرتبة التالية عبر أدوات AI Foundry وCopilot Studio بنسبة 18%، تليها OpenAI بنسبة 13% من خلال Agents SDK وResponses API. كما تسجل Google نسبة 8%، مع ظهور محدود لـAmazon Bedrock Agents بنسبة 2%، بينما يستخدم 6% فقط أدوات LangChain وLangGraph. أما التطوير الداخلي بالكامل فلا يزال في حدود 5%، في حين أن 3% فقط لا يطبقون أي شكل من أشكال التنسيق حتى الآن.
هذا التركز يعكس حقيقة أن المؤسسات تختار طبقة التشغيل الأقرب إلى النموذج الذي تعتقد أنه الأفضل من حيث الجودة والقدرة على تنفيذ المهام، حتى لو كان ذلك يعني الاعتماد على بنية مملوكة لمزود بعينه. لكن هذا الاختيار لا يعني قناعة نهائية؛ بل يبدو أقرب إلى رهان مؤقت قابل لإعادة التبديل خلال الأشهر المقبلة.
ما الذي يدفع المؤسسات إلى هذا الاختيار؟
عندما سُئلت المؤسسات عن العامل الأكثر تأثيراً في اختيار منصة التنسيق، جاء «الارتباط بالنموذج الأساسي» في المقدمة بنسبة 21%. ويعني ذلك أن الشركات تفضل المنصة التي تتكامل بشكل طبيعي مع نموذج متقدم بالفعل، بدلاً من اختيار أداة تنسيق مستقلة ثم محاولة ربطها لاحقاً بنموذج خارجي.
وجاءت المرونة عبر النماذج والأدوات، وسهولة التطوير، في المرتبة التالية بنسبة 17% لكل منهما. وهذا يشير إلى أن المؤسسات تريد في الوقت نفسه الاستفادة من قوة النموذج الأعلى جودة، وعدم فقدان القدرة على التحول لاحقاً إلى نموذج أو أداة أخرى إذا تغيرت المتطلبات. كما أن اعتبارات الأمن والصلاحيات سجلت 14%، في حين بلغ إجمالي تكلفة الملكية 11%.
أما الأداء الخام مثل زمن الاستجابة أو الذاكرة، فجاء في ذيل الأولويات بنسبة 4% فقط. وهذه إشارة مهمة إلى أن المؤسسات لا ترى طبقة التنسيق باعتبارها مسألة سرعة فحسب، بل باعتبارها مشكلة تشغيلية ترتبط بالموثوقية والمرونة والحوكمة.
النجاح يُقاس بإكمال المهام، لا بإظهار الواجهة
تُظهر الدراسة أن المؤشر الأهم لدى الشركات ليس الشكل الخارجي للوكلاء، بل قدرتهم على إتمام العمل عبر عدة خطوات دون انهيار أو تدخل يدوي. فقد اعتبرت 32% من المؤسسات أن المعيار الأساسي للنجاح هو موثوقية إنجاز المهمة، بينما رأت 28% أن القدرة على إدارة سير عمل متعدد الخطوات هي العنصر الحاسم.
بذلك، تتركز 59% من الإجابات حول معيارين يعبّران عن شيء واحد تقريباً: يجب أن يكون الوكيل قادراً على إنجاز المهمة من البداية إلى النهاية، لا مجرد الرد على سؤال. وفي المقابل، جاءت إنتاجية المطورين بنسبة 17%، وتجربة المستخدم النهائي 9%، والاستقرار التشغيلي 9%.
هذه النتيجة تكشف فجوة لافتة بين ما تسعى إليه فرق الهندسة وما تعتبره المؤسسات نجاحاً فعلياً. فبينما يدور النقاش التقني كثيراً حول الأدوات والأطر، تضع الشركات في الصدارة سؤالاً أكثر عملية: هل يستطيع النظام أن يُتم المهمة بكفاءة وبدقة وثبات؟
الانتقال من المختبر إلى الإنتاج يفرض قرارات بنيوية
على مستوى الخطط خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، تبدو المؤسسات في مرحلة انتقال من التجريب إلى التوحيد التشغيلي. فقد قالت 25% إنها ستزيد الاستثمار في طبقات تحكم داخلية تُبنى داخل المؤسسة، بينما تعتزم 24% التوحيد على إطار واحد مركزي، و23% نقل الوكلاء من بيئة الاختبار إلى الإنتاج. في المقابل، لا تتوقع سوى 4% عدم حدوث تغيير يذكر.
هذه الأرقام تعكس توجهاً واضحاً نحو تقليل التشتت. فالمؤسسات لا تريد العيش داخل بيئات متعددة ومعقدة لفترة طويلة، بل تسعى إلى تقليص عدد الأطر، ورفع مستوى السيطرة على الطبقة التي تربط النموذج بسير العمل، وتوسيع استخدام الوكلاء في بيئات حقيقية ذات أثر تشغيلي.
لكن هذا التوجه لا يعني الاعتماد الكامل على مزود واحد. على العكس، تشير البيانات إلى أن الشركات تريد بناء ما حول المنصة بقدر ما تريد الاستفادة منها. أي أنها تقبل بالمحرك الخارجي، لكنها تريد لوحة تحكم داخلية أو هجينة تتحكم في طريقة التشغيل والتوجيه والامتثال.
التحول الكبير: بنية تحكم هجينة لا تترك القرار للمزود
أحد أهم الاستنتاجات في المسح هو أن 51% من المؤسسات تتوقع أن تكون بنية التحكم الرئيسية في نهاية 2026 هجينة، أي تجمع بين قدرات مزود النموذج وطبقة تنسيق خارجية. كما أن 22% تتوقع بناء طبقة تحكم داخلية بالكامل، و15% تتوقع الاعتماد على منصات خارجية مجردة من ارتباطها المباشر بمزود النموذج. وفي المقابل، لا يتوقع سوى 6% تسليم التحكم بالكامل إلى خدمة يديرها المزود نفسه.
السبب الأبرز وراء هذا التوجه هو الخوف من الاحتكار التقني أو ما يمكن وصفه بـ«الارتباط القسري». فقد اعتبرت 35% من المؤسسات أن خطر الاحتكار هو أكبر تهديد إذا جرى وضع التحكم داخل منصة واحدة، بينما أشارت 28% إلى حدود الأمن والصلاحيات، و21% إلى ضعف المرونة عبر النماذج والأدوات.
بمعنى آخر، المؤسسات لا ترفض منصات المزودين، لكنها ترفض أن تصبح أسيرة لها. وهذا يفسر لماذا يتزايد الحديث عن البنى الهجينة: فهي تمنح الشركة فرصة الاستفادة من قوة النموذج، مع الإبقاء على القرار النهائي داخل طبقة تملكها هي.
أغلب «الوكلاء» لا يزالون في الحقيقة مساعدات دردشة
أكثر النتائج دلالة في الدراسة هي اعتراف الشركات نفسها بأن ما نُشر حتى الآن لا يمثل نضجاً حقيقياً للوكلاء الذكيين. إذ قالت 62% من المؤسسات إن ما بين 1% و25% فقط من وكلائها المنشورين يُعد تنسيقاً حقيقياً متعدد الخطوات، بينما قالت 19% إن النسبة تتراوح بين 26% و50%.
وفي الطرف الآخر، قالت 9% فقط إن جميع نشراتها تقريباً مجرد روبوتات دردشة أو طبقات توجيه بسيطة، بينما وصلت النسبة إلى 7% فقط لدى المؤسسات التي تستخدم خطوط عمل معقدة متعددة الوكلاء، و3% فقط لدى من يملكون أنظمة شبه ذاتية متقدمة. وعند جمع الفئات الأدنى، يتضح أن 71% من المؤسسات ترى أن ربع وكلائها أو أقل فقط يندرج تحت التنسيق الحقيقي.
هذه الفجوة تشرح كثيراً من العناوين الأخرى في المسح. فالمؤسسات تستثمر في البنية، وتعيد ترتيب المنصات، وتبني التحكم، لكنها لا تزال في مرحلة مبكرة من تحويل هذه الخطط إلى وكلاء فعليين. ولهذا يبدو أن الضجيج المحيط بالمصطلح أسرع بكثير من نضج المنتج نفسه.
التحكم في التكلفة ما زال متأخراً عن الاستخدام
جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بضبط تكلفة استهلاك الرموز داخل بيئات الوكلاء. ففي حين تنمو التجارب بسرعة، لا تزال أدوات التحكم المالي في أغلب المؤسسات محدودة. فقد قالت 32% إنها تعتمد على القيود الأصلية التي توفرها المنصة نفسها، بينما اعترفت 27% بأنها تملك مراقبة تفاعلية فقط من دون آلية توقف فورية عند الخطر.
كما تستخدم 23% طبقات وسيطة أو بوابات مخصصة لاعتراض التشغيل غير المنضبط، وتلجأ 19% إلى التوجيه الديناميكي بين النماذج لتخفيف التكلفة عبر توزيع الأحمال على نماذج أقل سعراً. لكن اللافت أن أكثر من ربع المؤسسات لا تملك حتى الآن طريقة لحظر وكيل يخرج عن السيطرة قبل وصول الفاتورة.
وتوضح الدراسة أيضاً أن الشركات الأصغر من 2500 موظف تميل إلى مستوى أقل من الرقابة الفورية على الإنفاق مقارنة بالشركات الأكبر حجماً. وهذا يعني أن النضج التشغيلي لا يتوزع بالتساوي، وأن المؤسسات المتوسطة هي الأكثر عرضة لنشر وكلاء أقل نضجاً مع أدوات ضبط تكلفة أضعف.
خلاصة المشهد
المشهد العام الذي ترسمه البيانات واضح: المؤسسات قررت أن الوكلاء الذكيين سيكونون جزءاً من بنيتها المستقبلية، لكنها لم تحسم بعد الشكل النهائي لهذه البنية. فهناك تركز حول منصات النماذج الكبرى، وتفضيل متزايد للبنى الهجينة، واستثمار في أدوات سير العمل والصلاحيات، مع استعداد لإعادة ترتيب المنصات خلال عام واحد تقريباً.
لكن في المقابل، تكشف الدراسة أن معظم النشر الحالي لا يزال أقرب إلى مساعدين حواريين منه إلى وكلاء حقيقيين، وأن التحكم في التكلفة والحوكمة لم يلحق بعد بسرعة التبني. ولهذا يمكن القول إن طبقة التنسيق موجودة بالفعل، لكن الوكلاء الذين يفترض أن تعمل عليهم هذه الطبقة ما زال معظمهم في طور التكوين.