19-Jul-2026 6 دقائق قراءة

إنفيديا تسرّع رهاناتها على السيارات ذاتية القيادة عبر منصة Hyperion والذكاء الاصطناعي

تشرح إنفيديا كيف تنتقل صناعة السيارات من البرمجيات المحددة إلى السيارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مع رهان متزايد على الحوسبة داخل السيارة، والبيانات الاصطناعية، وأنظمة السلامة لدفع القيادة الذاتية إلى الإنتاج التجاري.

تتجه إنفيديا إلى توسيع دورها في صناعة السيارات من مورد للرقائق إلى مزوّد لمنصة متكاملة للقيادة الذاتية، في وقت تحاول فيه شركات السيارات التعامل مع التحول المعقد من المركبات التقليدية إلى السيارات المعتمدة على البرمجيات ثم إلى السيارات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتستند الشركة في هذا التحول إلى مزيج من الحوسبة عالية الأداء، وأدوات المحاكاة، والبيانات الاصطناعية، وأنظمة السلامة المدمجة.

وخلال مناقشة مطولة حول مستقبل القطاع، قدّم رئيس قسم السيارات في إنفيديا، شينتشو وو، رؤية واضحة مفادها أن السيارة لم تعد مجرد منتج ميكانيكي مدعوم بالإلكترونيات، بل أصبحت منصة برمجية تُحدَّث عن بُعد، ثم تتحول الآن إلى نظام يتعلم ويستنتج ويُحسّن سلوكه باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي. وبحسب هذا التصور، فإن المرحلة المقبلة ليست فقط “السيارة المعرفة بالبرمجيات”، بل “السيارة المعرفة بالذكاء الاصطناعي”.

هذه الرؤية لا تنفصل عن السباق العالمي على القيادة الذاتية. فبينما تواصل بعض الشركات الاستثمار في أنظمة المساعدة المتقدمة، تحاول أطراف أخرى الانتقال إلى مستوى أعلى من الأتمتة، مع بقاء العقبات الأساسية نفسها تقريباً: الكلفة، والتنظيم، وتفاوت البنية التحتية، وصعوبة تغطية كل الحالات النادرة على الطريق. ويقول وو إن ما كان يبدو قبل سنوات هدفاً بعيداً أصبح اليوم أقرب إلى مرحلة التصنيع الفعلي، وإن الصناعة تتحرك تدريجياً نحو بنية حوسبية مركزية تحل محل الشبكات القديمة من وحدات التحكم المنفصلة.

من السيارات التقليدية إلى السيارة المعرفة بالذكاء الاصطناعي

يشرح وو أن تطور السيارة مرّ بثلاث مراحل رئيسية. الأولى كانت مرحلة ميكانيكية تقليدية تعتمد على أنظمة كهربائية متناثرة. ثم ظهرت مرحلة السيارة المعرفة بالبرمجيات، حيث أصبح بالإمكان تحسين الأداء والوظائف عبر التحديثات اللاسلكية. أما المرحلة الثالثة، وفقاً له، فهي مرحلة إعادة كتابة أجزاء كبيرة من منطق السيارة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تطوراً أسرع في الوظائف والقدرات.

في قلب هذا التحول يقف مفهوم الحوسبة المركزية داخل المركبة. فبدلاً من الاعتماد على عشرات أو مئات من وحدات التحكم الإلكترونية المنفصلة، تتجه الصناعة إلى استخدام عدد محدود من الحواسيب الأقوى، بحيث يدير كل منها أنظمة متعددة تشمل الترفيه، والمساعدة على القيادة، والوظائف الأساسية الأخرى. وتؤكد إنفيديا أن هذا النموذج لم يعد مجرد اتجاه نظري، بل أصبح مساراً تتبناه شركات ناشئة وبعض الشركات التقليدية أيضاً، وإن بدرجات مختلفة من السرعة.

ويعتبر وو أن الصين لعبت دوراً بارزاً في تسريع هذا التحول، لأن السوق هناك لم تكن مضطرة إلى إدارة إرث طويل من المنصات القديمة بالمستوى نفسه الذي تواجهه الشركات الغربية. كما أن البيئة التنافسية القوية دفعت المصنّعين إلى التحول السريع نحو البنى الموحّدة القابلة للتحديث، وهو ما أسهم في انتشار السيارة المعرفة بالبرمجيات بوتيرة أسرع.

هندسة مفتوحة ومنصة تستهدف المصنعين المختلفين

لا تطرح إنفيديا نفسها بديلاً عن المصنعين بقدر ما تقدم طبقات مختلفة من الدعم. فالشركة، بحسب وو، تعرض منصة مفتوحة يمكن للعميل أن يختار منها ما يناسبه: من الرقائق الأساسية، إلى أنظمة التشغيل، إلى النماذج، إلى المحاكاة، وصولاً إلى إطار السلامة. هذا النموذج يتيح للشركات الأكثر قدرة أن تبني أجزاء من الحزمة بنفسها، بينما تحصل الشركات الأخرى على حل شبه متكامل يساعدها على الدخول بسرعة إلى مجال القيادة الذاتية.

وتشمل هذه المنظومة منصة Hyperion، وهي حزمة عتادية تستهدف توفير البنية اللازمة لتطوير السيارات ذاتية القيادة، بما في ذلك الحوسبة وأجهزة الاستشعار. وفي النسخ الموجهة للمستوى الأعلى من الأتمتة، ترفع إنفيديا عدد الكاميرات والرادارات وتضيف الليدار لتعزيز التكرار والاعتمادية. وتقول الشركة إن هذا التوازن بين الكلفة والقدرة هو ما يحدد شكل المنتج النهائي، وليس فكرة الاعتماد على استشعار واحد فقط.

كما تعتمد المنصة على Drive، وهي بيئة تطوير أوسع تشمل أدوات التدريب والمحاكاة والبنية التحتية. الفكرة هنا أن القيادة الذاتية لم تعد مسألة نموذج واحد داخل السيارة، بل منظومة ثلاثية: تدريب في مراكز البيانات، ومحاكاة كثيفة للسيناريوهات، ثم تشغيل فعلي داخل المركبة. وتعتقد إنفيديا أن من يملك هذه الحلقة الكاملة سيكون أقرب إلى سد فجوة البيانات التي ما تزال تعيق المنافسة في هذا القطاع.

البيانات الاصطناعية ودور المحاكاة في تقليص فجوة التعلم

أحد أبرز محاور المقاربة التي تعرضها إنفيديا هو الاعتماد الواسع على البيانات الاصطناعية. فبدلاً من الاكتفاء بالتقاط كل البيانات من الطرق العامة، تجمع الشركة بيانات من الأساطيل الحقيقية ثم تعيد بناؤها رقمياً لإنتاج آلاف أو ملايين الحالات البديلة. ويمكن عبر هذه العملية تعديل توقيت ظهور المشاة أو تغيير مسار المركبة أو إعادة تشكيل الخلفية، بحيث يتدرب النموذج على سيناريوهات أكثر تنوعاً من تلك التي قد يواجهها في العالم الحقيقي.

هذا الأسلوب، وفقاً وو، يخفف التكاليف على الشركات ويقلل الحاجة إلى تشغيل أساطيل ضخمة لجمع البيانات. كما يسمح بتبادل المعرفة داخل المنصة نفسها، إذ تساهم البرامج المختلفة في تكوين قاعدة بيانات أوسع يمكن استخدامها لتحسين النماذج. وترى إنفيديا أن هذه المشاركة ليست فقط خياراً مالياً، بل وسيلة عملية لتسريع اللحاق بالسباق العالمي في القيادة الذاتية.

وتولي الشركة أهمية كبيرة أيضاً للمحاكاة، لأنها تتيح اختبار النماذج في عدد هائل من الظروف قبل دفعها إلى الطرق الفعلية. ووفقاً لوو، تنفذ البرامج المرتبطة بالقيادة الذاتية ملايين الاختبارات يومياً للتحقق من الأداء وتقليل احتمال الخطأ أو السلوك غير المتوقع. ويستند هذا إلى مبدأ أن كل تحديث أو إصدار جديد يجب أن يمر بمستويات متعددة من التحقق قبل دمجه في السيارات.

السلامة والقيادة الذاتية بين النموذج الحديث والطبقة التقليدية

رغم الاندفاع الواضح نحو النماذج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، تؤكد إنفيديا أن السلامة تظل خط الدفاع الأول. ولهذا السبب، لا تعتمد الشركة على نموذج طرف إلى طرف فقط، بل تضع إلى جانبه طبقة تقليدية قابلة للتحقق وفق معايير هندسية معروفة. تعمل الطبقتان بالتوازي، بحيث تتولى الطبقة التقليدية مراقبة المسار المقترح من النموذج وتأكيد أنه يلتزم بمعايير السلامة في كل إطار زمني.

وتقول إنفيديا إن هذه الفكرة تصبح أكثر أهمية مع الانتقال إلى مستويات أعلى من الأتمتة، حيث لا يكفي أن تكون السيارة قادرة على اتخاذ قرار سريع، بل يجب أن تكون أيضاً قادرة على التعامل مع الأعطال وفقدان الإشارة أو غياب الاتصال. وفي هذا السياق، ترى الشركة أن نظم المستوى الرابع تحتاج إلى تكرار في الحساسات والحوسبة، وأن السيارة يجب أن تكون قادرة على الوصول إلى وضع آمن حتى عند تعطل أحد المكونات.

أما بالنسبة للجدل حول دور اللغة في نماذج القيادة الذاتية، فيوضح وو أن اللغة أصبحت جزءاً من النماذج الجديدة، لكنها ليست العنصر الوحيد الذي يحدد القرار. فالنموذج يعمل أيضاً على إشارات الرؤية، ويجمع بين الفهم اللغوي والإدراك البصري وإخراج المسار المناسب. ويقول إن الزمن المستغرق لاتخاذ القرار في هذه الأنظمة أصبح أقل بكثير من الأنظمة التقليدية، وقد ينخفض إلى أقل من 100 مللي ثانية في بعض الحالات.

هل تحتاج القيادة الذاتية إلى الليدار؟

واحدة من أكثر النقاط حساسية في هذا المجال تتعلق بالليدار، وهو مستشعر يرفضه بعض اللاعبين الكبار بينما يراه آخرون جزءاً ضرورياً من الحزمة الآمنة. موقف إنفيديا واضح نسبياً: الليدار مهم، خصوصاً عند استهداف المستوى الرابع من القيادة الذاتية. وتقول الشركة إن هذا المستشعر يعزز التكرار ويرفع مستوى الأمان، حتى لو كان من الممكن نظرياً الوصول إلى أنظمة متقدمة من دونه في نطاقات تشغيل محددة.

وتربط إنفيديا هذه النتيجة بمفهوم نطاق التشغيل التشغيلي، أو ODD، وهو المجال الذي تعمل فيه المركبة ضمن شروط محددة من الطرق والطقس والبيئة. ومن وجهة نظر الشركة، كلما كان الهدف هو التوسع خارج هذه النطاقات الضيقة، أصبحت الحاجة إلى الليدار أكثر وضوحاً. لذلك، تعرض Hyperion في نسختها الأعلى حزمة استشعار أكثر كثافة، فيما تكتفي النسخ الأقل تكلفة بعدد أقل من الحساسات المناسبة لأنظمة المساعدة المتقدمة.

الرهان التجاري: عائد لكل ميل

لا تخفي إنفيديا أن هدفها التجاري في السيارات الذاتية القيادة كبير جداً. فالشركة تتصور مستقبلاً يدر فيه كل ميل يتم قطعه ذاتياً قيمة اقتصادية في سلسلة تضم المصنعين ومطوري البرمجيات ومشغلي الأساطيل. ومن هنا تأتي فكرة “العائد لكل ميل”، وهي صيغة تتوقع الشركة أن تصبح مركزية في السوق، سواء عبر سيارات الأجرة الذاتية أو عبر السيارات الخاصة المزودة بأنظمة أتمتة متقدمة.

ويرى وو أن السوق لن يقتصر على نموذج واحد. فالمركبات الذاتية في أساطيل النقل ستنمو بالتوازي مع استمرار الطلب على السيارات الخاصة، لأن كثيرين سيظلون يفضلون الملكية الشخصية على المشاركة أو الاستئجار. ولهذا تتعامل إنفيديا مع الشركات المصنعة، وشركات النقل الذاتي، ومطوري البرمجيات في آن واحد، محاولةً أن تكون البنية التحتية المشتركة التي تستند إليها هذه النماذج كلها.

وفي الأمد القريب، تتوقع الشركة توسيع نشر تقنيتها في سيارات مرسيدس وبعض الشركاء الآخرين داخل الولايات المتحدة، قبل أن تتجه إلى أسواق أخرى. كما تعمل مع شركاء مثل أوبر على تطوير خدمات ذاتية القيادة ضمن أفق زمني يمتد إلى السنوات المقبلة. وتقول إن نسبة كبيرة من مصنعي السيارات الإنتاجية باتت بالفعل ضمن منظومة Hyperion الخاصة بها، ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه الشركة على هذا المسار.

وبالنسبة لإنفيديا، لا يتعلق الأمر بمنافسة على شريحة واحدة أو عقد توريد محدود، بل بمحاولة بناء طبقة تقنية أساسية قد تصبح معياراً في الجيل المقبل من السيارات. وفي صناعة تتغير بسرعة لكنّها تتحرك بثقل، يبدو أن الشركة تراهن على أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والحوسبة المركزية والسلامة والبيانات الاصطناعية هو الطريق الأقرب إلى السيارة الذاتية التي تستطيع العمل على نطاق واسع.