تتحرك شركة RHEI في نقطة تقاطع لافتة بين تقنيات الإعلام والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الإبداعي. فالشركة، التي تأسست قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً مركزياً من صناعة المحتوى، أعادت تشكيل نفسها حول فكرة بسيطة لكنها مؤثرة: تقليل العبء التشغيلي على صناع المحتوى، بحيث يبقى العمل الإبداعي في الواجهة بينما تتولى الأنظمة الذكية المهام المتكررة والمعقدة.
وتظهر هذه الرؤية بوضوح في المقاربة التي تقودها المؤسسة والرئيسة التنفيذية شهرزاد رفاتي، إذ ترى أن القيمة الحقيقية في هذا القطاع تنتقل باستمرار من مكان إلى آخر داخل المنظومة الإعلامية. البداية كانت مع إدارة الحقوق وتحديد المحتوى على نطاق واسع، ثم جاءت مرحلة تشتت الجماهير عبر منصات متعددة، قبل أن تصل الشركة اليوم إلى مرحلة تعتبرها رفاتي تحوّلاً نحو نظام تشغيل إبداعي مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
من إدارة الحقوق إلى منصة ذكية للإنتاج
في بداياتها، ركزت RHEI على تحديات حماية الملكية الفكرية وإدارة المحتوى الرقمي في بيئة تتوسع بسرعة. ومع نمو الفيديو الرقمي وارتفاع أحجام البيانات، أصبح من الضروري امتلاك أدوات قادرة على التعرف إلى الأصول الإعلامية وتنظيمها وتحقيق العائد منها ضمن قواعد واضحة.
هذا الأساس مكّن الشركة من بناء علاقات طويلة مع علامات إعلامية كبيرة ومبدعين مستقلين على حد سواء. لكن التحول الأكبر جاء عندما تغير سلوك الجمهور نفسه. فبدلاً من التمركز حول منصة واحدة أو قناة توزيع واحدة، أصبح المستخدم يتنقل بين YouTube وTikTok وInstagram وغيرها، ما فرض على صنّاع المحتوى تحدياً جديداً: كيف يحافظون على الوجود والاتساق والربحية في بيئة موزعة بهذا الشكل؟
هنا بدأت RHEI في توسيع حلولها لتشمل أدوات تساعد على رفع المشاهدات، وتخصيص المحتوى، وتطوير مصادر دخل إضافية، ثم انتقلت خطوة أخرى نحو بناء بنية تشغيلية أكثر ذكاءً تعتمد على الوكلاء الآليين بدلاً من الأدوات التقليدية فقط.
Made Multi-Platform: إعادة توزيع عبء العمل
أحد أكثر المنتجات تعبيراً عن هذا التوجه هو Made Multi-Platform، المصمم لتحويل فيديو طويل واحد إلى صيغ متعددة تناسب المنصات المختلفة، مثل المقاطع القصيرة والفيديوهات العمودية والصور المصغرة. الفكرة هنا لا تتعلق فقط بإنتاج المزيد من النسخ، بل بإزالة ما تصفه الشركة بالعبء التشغيلي غير المرئي الذي يستهلك معظم وقت فرق الإنتاج.
بحسب هذا المنطق، لم يعد صانع المحتوى مجرد راوٍ أو مخرج، بل أصبح مطالباً أيضاً بأن يكون محرراً ومديراً للمجتمع الرقمي ومحللاً للبيانات ومختصاً بالتصميم وخبيراً في المنصات. ومع هذا التوسع في الأدوار، باتت الكثير من الفرق تقضي أغلب وقتها في أعمال تحويل الصيغ، والقص، وإعادة التشكيل، بدلاً من العمل على الفكرة نفسها.
وتقول RHEI إن Made صُممت لمعالجة هذا الاختناق بالذات، عبر أتمتة العمليات المتكررة التي تستهلك الطاقة الإبداعية، وإعادة توجيه الجهد البشري نحو الأفكار، وسرد القصص، وبناء العلاقة مع الجمهور.
التركيز على الجودة لا على التوليد الآلي
في سوق يشهد انتشاراً كبيراً للأدوات التي تنتج محتوى اصطناعياً بسرعة، تتمسك RHEI بخط فاصل واضح بين الأتمتة المفيدة وبين التوليد العشوائي. الشركة لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لابتكار أفكار من الصفر أو استنساخ هوية إبداعية جديدة، بل لتفكيك العمل الأصلي وتحويله إلى نسخ ملائمة من دون المساس بجوهره.
النهج الذي تتبناه الشركة يقوم على اعتبار الفيديو الطويل المصدر الأساسي للحقيقة الإبداعية. وبناءً على ذلك، تعمل المنصة على استخراج اللحظات الأكثر تأثيراً وإعادة تأطيرها بما يناسب كل منصة، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب والرسالة الأصلية. وبهذا المعنى، لا تحاول الأداة استبدال المبدع، بل تضخيم حضوره.
وترى الشركة أن هذا التمييز مهم أيضاً من منظور الأداء؛ فالمحتوى الذي يبدو مكرراً أو آلياً قد يفقد جاذبيته لدى الجمهور، وقد لا يحصل على الزخم المطلوب على المنصات التي تفضّل تفاعلاً حقيقياً واحتفاظاً مرتفعاً بالمشاهدين.
التحويل من فيديو أفقي إلى تجربة عمودية
من بين أبرز القدرات التي لاقت تجاوباً مبكراً، تبرز خاصية إعادة التشكيل التلقائي للفيديو بما يتناسب مع القوالب العمودية. هذا النوع من التحويل ليس مجرد تغيير مقاس الشاشة، بل يتطلب تتبع العنصر البصري والعاطفي الأهم داخل المشهد، حتى لا تضيع الرسالة عند الانتقال من صيغة 16:9 إلى 9:16.
بالنسبة لفرق الإنتاج، كانت هذه العملية تستنزف ساعات طويلة من العمل اليدوي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحتوى سينمائي أو حوارات معقدة بصرياً. أما الآن، فتسعى RHEI إلى جعل النظام قادراً على تحديد نقطة التركيز في المشهد وإعادة تموضعها بصورة فورية تقريباً.
كما أن إنشاء الصور المصغرة أثبت أنه أكثر تعقيداً مما يبدو. فالمسألة ليست جمالية فقط، بل ترتبط أيضاً بسلوك الجمهور واحتمالات النقر وسياق كل منصة على حدة. ولهذا، تعمل المنصة على قراءة بيانات الأداء السابقة لتوقع الشكل الذي قد يحقق تفاعلاً أفضل.
بيانات مرخصة تمنح الذكاء الاصطناعي ميزة تشغيلية
تعتمد RHEI على قاعدة بيانات ضخمة تتجاوز ثمانية بيتابايت من المحتوى المملوك والمرخص بالكامل، وهو عنصر تعتبره الشركة محورياً في بناء أنظمتها الذكية. فبينما تتعلم كثير من النماذج العامة من بيانات مفتوحة وغير منسقة، تقول RHEI إن بياناتها تأتي من مصادر منظمة ومرتبطة بنتائج تجارية فعلية عبر سنوات طويلة.
وتكمن أهمية هذه القاعدة في أنها لا تمنح النظام حجماً أكبر فقط، بل تمنحه أيضاً جودة أعلى وسياقاً أكثر ملاءمة لصناعة الإعلام. فالبيانات المهيكلة والمرخصة تساعد في تحسين دقة التوصيات، وتخفيف مخاطر الملكية الفكرية، ورفع موثوقية المخرجات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الذي يعتمد على هوية العلامة والارتباط بالجمهور.
وتقول الشركة إن هذا النوع من البيانات يسمح لبناء أدوات تفهم الإيقاع الإبداعي، وليس فقط اللغة أو الصورة. وهذه نقطة فارقة في قطاع لا يكفي فيه أن يكون النموذج “ذكياً”، بل يجب أن يكون أيضاً ملائماً لواقع المنصات وطبيعة الاستهلاك الرقمي.
اقتصاد المحتوى يتجه نحو فرق أصغر وأعلى كفاءة
تتوقع RHEI أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى قلب المعادلة الاقتصادية في صناعة المحتوى خلال السنوات المقبلة. فبدلاً من أن يرتبط التوسع بزيادة عدد المحررين والمنتجين والميزانيات التشغيلية، ستصبح القدرة على التوزيع متعدد المنصات أقل كلفة وأكثر مرونة.
وبحسب هذا التصور، ستتمكن فرق صغيرة نسبياً من تحقيق انتشار كان يتطلب سابقاً بنية تنظيمية كبيرة. عندها، ستنتقل القيمة الاقتصادية تدريجياً من الأعمال الروتينية إلى عناصر أكثر تميزاً مثل الملكية الفكرية، والرؤية التحريرية، وثقة المجتمع، والقدرة على بناء علاقة طويلة الأمد مع الجمهور.
هذا التحول قد يغير أيضاً نموذج العمل في الشركات الإعلامية الناشئة، إذ يصبح الحفاظ على الجودة والهوية أهم من زيادة حجم الفريق. كما أن الفائدة لا تقتصر على الشركات الكبيرة؛ فالمبدع الفرد أو الفريق الصغير قد يحصل على أدوات تمنحه سرعة النشر ومرونة التوزيع نفسها التي تمتلكها المؤسسات الأكبر.
الفرصة القادمة: التخصيص العميق والتفاعل مع الجمهور
لا تتوقف رؤية RHEI عند النشر أو التعديل أو التوزيع. فالمرحلة المقبلة، وفق ما تطرحه الشركة، تتمحور حول إدارة العلاقة مع الجمهور بصورة أكثر تخصيصاً. بمعنى آخر، الانتقال من التفاعل العام إلى تحفيز الجمهور وفق سلوكه واهتماماته وتاريخه عبر المنصات.
وتشير الشركة إلى أن الأنظمة متعددة الوكلاء يمكن أن تساعد لاحقاً في تشغيل حملات موجهة، أو عروض خاصة، أو دعوات تفاعل مصممة لفئات مختلفة من المتابعين، بما يحول الاهتمام السلبي إلى نشاط ملموس يعزز العائد ويقوي المجتمع الرقمي حول العلامة أو المبدع.
هذه الرؤية تعكس اتجاهاً أوسع في التقنية الإعلامية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة إنتاج، بل أصبح طبقة تشغيلية كاملة تربط بين الاكتشاف، والتفاعل، والتحويل التجاري.
حدود واضحة بين الأتمتة والإبداع
رغم الاعتماد المتزايد على الأتمتة، تضع رفاتي حدوداً واضحة بين ما يمكن للآلة أن تفعله وما يجب أن يبقى بيد الإنسان. فالمهام المتعلقة بالمنطق التشغيلي، وإعادة التشكيل، وتحليل البيانات، وتخصيص النسخ، يمكن أتمتتها بكفاءة. أما النية، والصوت، والرؤية، والشعور، وبداية الحكاية، فتبقى مسؤولية الإنسان.
هذا الفصل ليس فقط موقفاً أخلاقياً، بل أيضاً خياراً تجارياً. فحين تُستخدم الأدوات الذكية لتخفيف الأعباء لا لتزوير الإبداع، تصبح النتيجة أكثر صدقاً واتساقاً وأقل عرضة لفقدان الهوية. وفي سوق شديد التشبع بالمحتوى، قد يكون الحفاظ على الأصالة هو الميزة التنافسية الأهم.
وبهذا التموضع، تحاول RHEI تقديم نموذج يوازن بين الكفاءة التقنية والاحتفاظ بالروح الإبداعية. إنها ليست مجرد شركة تنتج أدوات نشر، بل منصة تبني بنية تحتية جديدة لصناعة المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي.