20-Jul-2026 6 دقائق قراءة

دراسة ترصد انقلاباً في انحياز أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التوظيف خلال ثلاث سنوات

أظهر تحليل لعدد من نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة أن أنظمة فرز السير الذاتية لم تعد تميل بالطريقة نفسها التي كانت عليها قبل عام 2024، إذ انتقل الانحياز من تفضيل المرشحين البيض والذكور إلى تفضيل مرشحين سود والنساء في كثير من النماذج الأحدث.

كشفت دراسة حديثة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في فرز طلبات التوظيف قد شهدت تحولاً واضحاً في اتجاه الانحياز خلال السنوات الثلاث الماضية، بعدما كانت بعض النماذج القديمة تميل إلى تفضيل أسماء مرتبطة بالبيض والرجال، قبل أن تظهر النماذج الأحدث ميلاً معاكساً أو أقرب إلى الحياد.

وبحسب التحليل الذي شمل 14 نموذجاً رائداً من الفئة المتقدمة، بينها إصدارات متعددة من ChatGPT وClaude وGemini وLlama وGrok وQwen، فإن النتيجة الأبرز ليست مجرد تغير طفيف، بل انعكاس شبه كامل في نمط القرار الآلي بين عامي 2023 و2026. هذا التحول يسلط الضوء على سؤال أكبر في صناعة الذكاء الاصطناعي: هل نجحت فرق التطوير في تقليل التمييز، أم أنها استبدلت شكلاً من الانحياز بآخر؟

من تفضيل مجموعة إلى أخرى

الدراسة توصلت إلى أن نموذج GPT-3.5-turbo الصادر في 2023 كان النموذج الوحيد تقريباً الذي أعاد إنتاج النمط الذي عرفته الأبحاث السابقة في سوق العمل، أي تفضيل السير الذاتية المرتبطة بأسماء بيضاء. أما النماذج التي جاءت بعد ذلك، وخصوصاً منذ 2024، فقد أظهرت في أغلب الحالات غياباً للأفضلية العنصرية الواضحة، أو اتجاهاً يفضل المرشحين السود بفروق إحصائية ملحوظة في بعض الاختبارات.

النتيجة نفسها ظهرت تقريباً على محور النوع الاجتماعي. فالنموذج الأقدم أظهر أفضلية للمتقدمين الذكور، بينما مالت معظم النماذج الأحدث إلى الحياد أو إلى تفضيل المتقدمات النساء. وبذلك، لا يبدو أن الخلل اختفى بالكامل، بل تبدل شكله واتجاهه مع الأجيال الجديدة من النماذج.

كيف اختبر الباحثون النماذج

اعتمد الباحثون على منهجية مستوحاة من دراسات ميدانية سابقة كانت ترسل طلبات توظيف متطابقة إلى شركات كبرى، مع تغيير الاسم فقط لتحديد أثر العرق أو الجنس على فرص الاستدعاء للمقابلة. وفي النسخة الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي، جرى استخدام آلاف إعلانات الوظائف الحقيقية للمبتدئين في الولايات المتحدة، ثم إنشاء سير ذاتية متطابقة في المؤهلات والخبرة والتعليم، مع تغيير الاسم فقط بحيث يحمل دلالة عرقية أو جندرية مختلفة.

هذا الأسلوب سمح بعزل المتغير الأساسي: هل يقرر النموذج بناءً على الكفاءة فقط، أم أن الاسم يغير الاحتمال بطريقة ما؟ وبإجمالها، اختبر الباحثون عشرات الآلاف من الأزواج المتطابقة من السير الذاتية، في بيئة تجريبية صممت لتكون ثابتة قدر الإمكان، بحيث لا يبقى إلا أثر الهوية المتوقعة من الاسم.

كما توسع الاختبار ليشمل أربعة أنماط من المرشحين في كل وظيفة: رجل أسود، امرأة سوداء، رجل أبيض، وامرأة بيضاء. وبذلك أمكن قياس الانحياز في مسارين متوازيين، العرق والجنس، داخل السياق نفسه ومن خلال الوظيفة نفسها ونفس الوصف المهني ونفس متطلبات الإعلانات.

نتائج عكسية عبر أجيال النماذج

أحد أهم ما خرجت به الدراسة أن التحول لم يكن محصوراً في شركة بعينها أو في عائلة نموذجية محددة. فقد ظهرت الإشارات نفسها عبر مزودين كبار مثل OpenAI وAnthropic وMeta وGoogle وxAI وDeepSeek وAlibaba وZhipu. هذا الانتشار يوحي بأن ما يحدث ليس مجرد خلل محلي، بل اتجاه واسع قد يكون مرتبطاً بأساليب الضبط اللاحق للنماذج.

في النماذج الأقدم، كان الانحياز يتجه لصالح المرشحين البيض والرجال. أما النماذج الأحدث، فغالباً ما انتقلت إلى النقيض: تفضيل المرشحين السود والنساء، أو إظهار نتائج محايدة دون دلالة إحصائية قوية. وبحسب المؤلفين، فإن هذه الحركة من طرف إلى طرف قد تكون نتيجة جهود متعمدة من المطورين للحد من التمييز التاريخي الذي ارتبط بأنظمة الذكاء الاصطناعي في مراحلها الأولى.

لكن الدراسة تحذر من أن تقليل التحيز لا يبرر خلق تحيز معاكس. فالنظام الذي يفضّل مجموعة بشرية على أخرى، مهما كانت النية، يظل بعيداً عن مبدأ المعاملة المتساوية في التوظيف.

ماذا تعني هذه النتائج للقطاع

تأتي هذه النتائج في وقت توسع فيه الشركات اعتمادها على أدوات الذكاء الاصطناعي في مراجعة السير الذاتية وترتيب المرشحين وفلترة الطلبات الأولى. ويدفع ذلك إلى زيادة أهمية اختبارات التدقيق المستقلة، لأن أي انحياز، حتى لو كان صغيراً في كل قرار منفرد، قد يتراكم عبر آلاف الطلبات ليصنع أثراً كبيراً على فرص الوصول إلى المقابلات.

كما أن التباين بين النماذج القديمة والجديدة يفتح سؤالاً عملياً أمام المؤسسات: أي إصدار يمكن الوثوق به أكثر في سياقات التوظيف؟ فإذا كان النموذج نفسه قد ينتقل من انحياز سلبي إلى آخر معاكس خلال دورة تحديث واحدة، فإن سياسات الاعتماد على هذه الأدوات تحتاج إلى مراجعة دائمة، لا إلى افتراض ثابت بأن النموذج الجديد أصبح تلقائياً أكثر عدلاً.

وهنا تبرز مشكلة أوسع في تصميم أنظمة المراجعة الآلية. فالمطورون قد ينجحون في إزالة أثر واضح من البيانات أو من التوجيهات، لكنهم في المقابل قد يدفعون النموذج إلى تبني قواعد تعويضية غير مقصودة. وهذا يعني أن العدالة في الذكاء الاصطناعي ليست زر تشغيل أو إيقاف، بل عملية ضبط دقيقة تحتاج إلى قياس متكرر وتفسير واضح للنتائج.

الحياد ليس نتيجة تلقائية

تشير الدراسة إلى أن الوصول إلى نموذج حيادي فعلاً أصعب من مجرد تقليل انحياز معين. فالتاريخ التطوري للنماذج يبين أن السلوك الخوارزمي في التوظيف ليس صفة ثابتة، بل يتغير مع النسخة، وحجم النموذج، والشركة المطورة، ومرحلة المعايرة اللاحقة. وهذا يجعل الاعتماد على الانطباع العام بأن «النموذج الأحدث أفضل» أمراً غير كافٍ.

والأهم أن النتائج لم تثبت أن النماذج أصبحت قادرة على اتخاذ قرارات توظيف عادلة بالمعنى المهني الكامل، بل فقط أنها لا تتصرف بالطريقة نفسها التي كانت عليها في الجيل الأقدم. وبين هذين الأمرين فرق كبير؛ لأن التوازن بين إزالة التمييز ومنع الانحياز المعاكس لا يتحقق تلقائياً بمجرد تحديث البرمجيات.

لذلك، تبدو الرسالة الأساسية للدراسة واضحة: استخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف يتطلب مراجعة منهجية، واختبارات مستقلة، ومعايير شفافة، وليس فقط ثقة في أن التطوير التقني سيحل المشكلة وحده. وإذا كانت النماذج قادرة على تغيير اتجاه انحيازها بهذه السرعة، فإن الرقابة البشرية والتنظيمية تصبح جزءاً أساسياً من البنية التقنية نفسها، لا عنصراً ثانوياً خارجها.