21-Jul-2026 5 دقائق قراءة

Nokia تطلق منصة AI-RAN مدعومة من NVIDIA لتعزيز كفاءة شبكات الراديو

أعلنت نوكيا منصة AI-RAN جديدة مبنية على anyRAN وNVIDIA Aerial، في خطوة تستهدف رفع كفاءة الطيف الترددي وتحويل شبكات الراديو إلى نموذج يعتمد على البرمجيات والذكاء الاصطناعي.

دخلت نوكيا مرحلة جديدة في سوق البنية التحتية للاتصالات مع إعلان منصة AI-RAN التي تجمع بين برمجياتها الخاصة anyRAN وتقنيات NVIDIA Aerial. وتقول الشركة إن المنصة تمثل أول منصة تجارية أصلية في الصناعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي داخل طبقة الراديو نفسها، في محاولة لإعادة تعريف طريقة إدارة الشبكات الخلوية وتحسين استغلال الطيف الترددي المتاح.

الطرح الجديد لا يقتصر على تحديث تقني محدود، بل يأتي ضمن رؤية أوسع لتحويل شبكات الراديو من بنية تعتمد على العتاد المخصص إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على البرمجيات والذكاء الاصطناعي والحوسبة المسرّعة. ووفقاً لنوكيا، فإن هذا التحول قد يمنح المشغلين قدرة أكبر على استخراج سعة إضافية من الطيف الذي يملكونه بالفعل، بدل الاعتماد حصراً على شراء نطاقات جديدة أو بناء مواقع إضافية.

وتستند المنصة في تصميمها إلى فكرة دمج وظائف الشبكة مع قدرات الحوسبة المتقدمة، بحيث يمكن تشغيل بعض المهام على معالجات الرسوميات بدل الاقتصار على البنية التقليدية لمحطات القاعدة. هذا النهج يفتح الباب أمام تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على مستوى أقرب إلى الشبكة، بما يساعد في تحسين الأداء، وإدارة الحركة، والاستجابة بصورة أسرع لتغيرات الطلب.

أرقام الأداء التي تراهن عليها نوكيا

قدمت نوكيا المنصة الجديدة مصحوبة بأهداف أداء طموحة. وتقول الشركة إنها حققت بالفعل تحسناً يزيد على 20% في كفاءة الطيف، بينما تستهدف الوصول إلى 50% بحلول 2027، ثم تجاوز 100% بحلول 2028. وإذا تحقق ذلك، فسيعني عملياً مضاعفة السعة التقريبية للطيف الحالي الذي تستخدمه الشركات المشغلة.

لكن من المهم التمييز بين النتائج الفعلية والأهداف المستقبلية. فالنسبة الحالية المتعلقة بتحسين الكفاءة هي أقرب إلى نتيجة أولية، بينما تمثل أرقام 2027 و2028 مؤشرات على الطريق الذي تريد نوكيا الوصول إليه لاحقاً. كما أوضحت الشركة أن التجارب الميدانية ستبدأ في نهاية العام الجاري، على أن تتاح المنصة تجارياً في 2027.

هذا الجدول الزمني يعكس طبيعة السوق نفسه، حيث تحتاج تقنيات البنية التحتية إلى اختبارات طويلة قبل تبنيها على نطاق واسع. فالمشغلون لا يكتفون بالوعود النظرية، بل يبحثون عن استقرار، وتوافق مع الشبكات الحالية، وعائد اقتصادي واضح مقارنة بالتحديثات التقليدية التي تتطلب استبدالاً مادياً مكلفاً.

نموذج الاشتراك بدل تحديث العتاد

أحد أبرز ما يميز عرض نوكيا هو طريقة التسويق والتشغيل. فبدلاً من الدفع نحو تحديث شامل للأجهزة، تطرح الشركة المنصة عبر اشتراك برمجي. وهذا يعني أن المشغلين قد يحصلون على قدرات AI-RAN دون إعادة بناء كاملة لبنيتهم الحالية، وهي نقطة قد تجعل التبني أسهل وأقل تكلفة في المرحلة الأولى.

وتقدم نوكيا ثلاثة مسارات للنشر. الأول يتمثل في بطاقة إضافية تعمل بمعالجات GPU ويمكن تركيبها في مواقع AirScale القائمة. الثاني عبارة عن عقدة AI-RAN مستقلة. أما الثالث فيعتمد على بناء قائم على الخوادم السحابية عبر شركاء تقنيين. هذا التنوع يمنح الشركات حرية اختيار النموذج الذي يتناسب مع حجم الشبكة، وميزانيتها، وخططها التطويرية.

ويكتسب هذا النموذج أهمية خاصة لأن شبكات الاتصالات عادة ما تتحرك ببطء مقارنة بقطاعات التكنولوجيا الأخرى، بسبب حساسية الخدمة واعتماد ملايين المستخدمين عليها. ومن هنا، فإن أي حل يقلل الحاجة إلى استبدال الأجهزة بالكامل قد يلقى ترحيباً أكبر لدى مزودي الخدمة.

لماذا تراهن نوكيا على هذا التحول الآن

إعلان المنصة الجديدة يرتبط أيضاً بحسابات تجارية داخل نوكيا نفسها. فشريحة الراديو كانت من أكثر أجزاء الشركة صعوبة في السنوات الأخيرة من حيث العائدات. ومع تولي جستين هوتارد قيادة الشركة في 2025، أصبح إصلاح أعمال الهاتف المحمول والبنية الخاصة بها واحداً من الملفات الأكثر إلحاحاً.

وفي إطار إعادة الهيكلة، ضمت نوكيا أعمال الهاتف المحمول ضمن قطاع جديد أوسع للبنية التحتية المتنقلة، بالتوازي مع إجراءات خفض تكاليف إضافية. لذلك لا يمكن قراءة منصة AI-RAN باعتبارها منتجاً منفصلاً فحسب، بل بوصفها جزءاً من محاولة أوسع لاستعادة الزخم في نشاط كان يحقق نتائج أقل من المتوقع.

التحالف مع NVIDIA يأتي في قلب هذا التوجه. فبدلاً من الاستثمار المكثف في تصميم شرائح مخصصة خاصة بها، تتجه نوكيا إلى الاعتماد على الحوسبة المسرّعة التي توفرها NVIDIA وبرمجيات CUDA المرتبطة بها. هذا الخيار يسمح للشركة بتقليص جزء من أعباء البحث والتطوير الداخلي، وإعادة توجيه الجهد نحو البرمجيات والخدمات، وهو تحول يتماشى مع ما تسعى إليه شركات البنية التحتية الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي.

شراكة استراتيجية مع NVIDIA وتبدل في فلسفة التطوير

العلاقة مع NVIDIA ليست تفصيلاً جانبياً في هذه القصة. فالشركتان أعلنتا في وقت سابق عن استثمار ضخم من NVIDIA بقيمة مليار دولار في نوكيا، مقابل حصة تقارب 3%. هذه الخطوة تعكس رهانا متبادلاً على مستقبل الشبكات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وعلى إمكانية خلق طبقة جديدة من القيمة خارج نموذج العتاد التقليدي.

وفي الوقت نفسه، تمثل هذه الشراكة تغيراً في فلسفة التطوير لدى نوكيا. فالشركة لا تحاول منافسة عمالقة الشرائح في سباق تصنيع المعالجات الخاصة بها، بل تفضّل استخدام منصة NVIDIA بوصفها طبقة حوسبة جاهزة ومهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي. بهذه الطريقة، يمكنها التحرك أسرع في السوق، حتى لو كان ذلك يعني اعتماداً أكبر على مورد خارجي رئيسي.

هذا الرهان له مزايا واضحة، لكنه يحمل أيضاً حدوداً. فكلما زاد ارتباط الأداء بالنظام البيئي لـNVIDIA، زادت صعوبة الفصل بين مزايا المنصة وارتباطها بالعتاد المحدد الذي تعمل عليه. ومع ذلك، يبدو أن نوكيا ترى في هذه المعادلة طريقاً عملياً للخروج من ضغوط سوقية تراكمت لسنوات.

هل هي بالفعل الأولى في السوق

أحد الأسئلة التي صاحبت الإعلان يتعلق بمسألة الأسبقية. نوكيا تصف منصتها بأنها الأولى من نوعها تجارياً في مجال AI-RAN الأصلي، لكن المنافسة لم تكن غائبة. فإريكسون، على سبيل المثال، طرحت في وقت سابق اشتراكاً برمجياً تجارياً للذكاء الاصطناعي داخل الراديو، وذكرت أنه يعمل على العتاد الحالي من دون الحاجة إلى GPU، مع نتائج أداء معلنة في شبكات عاملة بالفعل.

هنا تظهر أهمية الدقة في الوصف: نوكيا لا تتحدث فقط عن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الشبكة، بل عن بنية AI-RAN قائمة على الحوسبة المسرّعة من NVIDIA. لذلك، قد تكون أسبقيتها مرتبطة بتعريف أضيق للمعمارية نفسها، لا بفكرة الذكاء الاصطناعي في الراديو بشكل عام. هذا التفريق مهم لأنه يوضح أن السباق في هذا المجال لا يدور حول منتج واحد، بل حول أكثر من طريق تقني للوصول إلى الهدف نفسه.

كما أن الاختلاف بين نوكيا وإريكسون يكشف انقساماً أوسع في الصناعة. بعض الشركات تفضل مساراً يعتمد على الحياد تجاه نوع الشريحة المستخدمة، بينما تختار أخرى ربط المزايا الجديدة بمنصات حوسبة محددة لتحقيق أداء أعلى. وفي النهاية، سيحسم السوق أي النهجين أكثر قابلية للتوسع التجاري.

ماذا يعني ذلك لقطاع الاتصالات

من الناحية الاستراتيجية، يعكس إطلاق AI-RAN تحولاً في طريقة تفكير قطاع الاتصالات بالكامل. فالشبكات لم تعد تُقاس فقط من خلال عدد الأبراج أو سعات التردد، بل أيضاً بمدى قدرتها على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة وتخفيض التكاليف ورفع العائد من الأصول القائمة.

إذا نجحت نوكيا في تحويل هذه المنصة إلى منتج تجاري واسع، فقد يفتح ذلك الباب أمام موجة جديدة من الاستثمار في الشبكات الذكية، لا سيما مع ازدياد الحديث عن الجيل السادس والاعتماد المتقدم على الأتمتة. أما إذا بقيت الوعود بعيدة عن التطبيق العملي، فستظل المنصة خطوة مهمة من حيث الاتجاه، لكنها لن تغيّر قواعد السوق بسرعة.

في المحصلة، تمثل منصة نوكيا الجديدة محاولة جادة لإعادة تموضع الشركة في واحدة من أكثر ساحات الاتصالات تنافسية. وهي أيضاً إشارة إلى أن مستقبل الراديو قد لا يُحسم فقط داخل غرف الهندسة التقليدية، بل عبر التقاء الذكاء الاصطناعي مع الحوسبة المسرّعة والبرمجيات المرنة ونماذج الأعمال الجديدة.