21-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تقرير: الشركات الكبرى تسرّع الإنفاق على بنية الذكاء الاصطناعي أسرع من قدرتها على قياس التكلفة

مسح جديد يكشف أن المؤسسات تزيد استثماراتها في بنية الذكاء الاصطناعي، لكن معظمها لا يملك رؤية دقيقة لتكاليف الحوسبة أو معدل استخدام البطاقات الرسومية، ما يخلق فجوة تشغيلية واقتصادية واضحة.

يكشف مسح جديد شمل 107 مؤسسة أن الاستثمار في بنية الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الشركات على فهم كلفته أو التحكم فيها. وبينما تعتمد معظم المؤسسات اليوم على الحوسبة السحابية العامة وواجهات نماذج الذكاء الاصطناعي المعروفة، فإن خططها للاثني عشر شهراً المقبلة تشير إلى انتقال متزايد نحو بنية أكثر تخصصاً، لا تستخدمها الغالبية فعلياً بعد.

النتيجة الأساسية في هذا المشهد هي ما يمكن وصفه بـفجوة الحوسبة: الشركات تشتري موارد أكثر بسرعة، لكن أدوات القياس والمحاسبة الداخلية لا تنمو بالسرعة نفسها. وهذا يعني أن كثيراً من قرارات التوسع تُتخذ في وقت لا تزال فيه الرؤية الاقتصادية للبنية الحالية ناقصة، من نسب الاستهلاك إلى التكلفة النهائية لكل عبء عمل.

مرحلة النشر لا تزال مبكرة لدى معظم المؤسسات

على الرغم من تسارع الاهتمام المؤسسي بالذكاء الاصطناعي، فإن النضج التشغيلي لا يزال محدوداً. فقط 21% من المؤسسات المشاركة قالت إنها تشغل الذكاء الاصطناعي في الإنتاج على نطاق واسع، بينما تقع النسبة الأكبر بين من يختبرون الفكرة أو يشغلون أجزاء محدودة فقط من الأعباء في بيئة إنتاجية.

هذا التوزيع مهم لأنه يفسر لماذا تبدو قرارات البنية التحتية متحركة وغير مستقرة. المؤسسات التي ما زالت تبني قدراتها الأساسية تميل إلى إعادة النظر في المزودين والمنصات بوتيرة أسرع، لأنها لم تستقر بعد على معمارية واحدة نهائية أو نموذج استهلاك ثابت.

كما أن 4% فقط قالت إنها لا تشغل أي أحمال ذكاء اصطناعي بعد، ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد اختباراً هامشياً داخل هذه العينة، بل أصبح جزءاً من خطط التوسع لدى معظم الشركات المتوسطة والكبيرة.

البنية الحالية ما زالت تحت سيطرة المزودين الكبار

عندما سُئلت المؤسسات عن المنصات التي تستخدمها اليوم لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، جاءت الإجابة واضحة: الاعتماد الأكبر ما يزال على المزودين السحابيين التقليديين وواجهات النماذج الشائعة. وتصدرت Google Cloud الاستخدامات الحالية، تلتها Microsoft Azure وAWS وOracle Cloud بدرجات متفاوتة، بينما بقيت الحصص المرتبطة بالمزودين المتخصصين في الحوسبة الرسومية منخفضة للغاية.

على مستوى النماذج، برزت Gemini وOpenAI وAnthropic ضمن الخيارات الأكثر حضوراً، وهو ما يعكس اعتماداً واسعاً على الطبقة الجاهزة من الخدمات بدل بناء بيئة تشغيل مخصصة بالكامل. أما المراكز المحلية أو العناقيد الخاصة داخل الشركات، فحضورها محدود نسبياً مقارنةً بالحلول السحابية.

الأهم أن منصات الحوسبة المتخصصة للذكاء الاصطناعي، مثل الخدمات المبنية حول GPU فقط، لا تزال شبه غائبة عن الاستخدام الحالي لدى معظم المؤسسات. هذا لا يعني غياب الاهتمام بها، بل يعني فقط أن السوق لم ينتقل بعد من مرحلة التجربة إلى مرحلة الاعتماد التشغيلي الواسع.

خطط العام المقبل تتجه إلى بنية لم تعتمدها الشركات بعد

المفارقة الكبرى تظهر عند النظر إلى ما تخطط المؤسسات لتقييمه خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. فبدلاً من توسيع الاستخدام داخل البنية نفسها، تتجه الشركات بشكل متزايد نحو فئات جديدة من الحوسبة. وتصدر القائمة نية تقييم السحب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، وهي فئة لا تستخدمها أغلبية الشركات حالياً.

كما أبدت نسبة ملحوظة اهتماماً بتجربة مسرعات غير التابعة لإنفيديا، إلى جانب الجيل التالي من رقائق إنفيديا نفسها. وظهر أيضاً اهتمام، وإن كان أقل، ببنى الحوسبة الموزعة والخيارات السيادية أو الإقليمية، ما يشير إلى أن السؤال لم يعد مجرد زيادة السعة، بل اختيار الطبقة المعمارية الأنسب للمرحلة المقبلة.

هذا التحول يعني أن المؤسسات لا تفكر فقط في شراء المزيد من القدرة الحسابية، بل في إعادة توزيع عبء العمل نفسه بين أكثر من نوع من البنية. وبعبارة أخرى، المقبل من الإنفاق قد لا يذهب إلى نفس المزود أو حتى إلى نفس نوع الحوسبة الذي تعتمد عليه الشركات الآن.

وتيرة تغيير المزودين مرتفعة على نحو غير معتاد

من أكثر النتائج دلالة أن 64% من المؤسسات قالت إنها تنوي تغيير مزود بنية تحتية واحد على الأقل أو إضافة مزود جديد خلال 12 شهراً. والأكثر لفتاً هو أن 38% تتوقع تنفيذ هذا التغيير خلال ثلاثة أشهر فقط، وهي وتيرة مرتفعة لفئة أساسية مثل الحوسبة المؤسسية.

هذا لا يعني بالضرورة هجر المزودين الكبار لصالح الداخلين الجدد، بل قد يعكس إعادة ترتيب للأولويات داخل المنظومة نفسها. فالعناصر الأكثر جذباً للاهتمام في قرارات الانتقال أو الإضافة هي ما تزال المنصات الكبرى: Azure وGoogle Cloud وOpenAI وGemini، ما يوحي بأن جزءاً كبيراً من الحركة المقبلة سيكون إعادة توزيع للحصص بين اللاعبين الرئيسيين.

الرسالة هنا أن السوق لا يستقر على بنية واحدة، بل يدخل مرحلة مراجعة مستمرة لما إذا كانت المنصة الحالية ما زالت الأنسب من حيث التكامل والاعتمادية والكلفة النهائية.

التكلفة الإجمالية أهم من سعر الوحدة

عند سؤال المؤسسات عن معيار الاختيار الأهم لمزود بنية الذكاء الاصطناعي، لم يحتل السعر الظاهر صدارة القرار. العامل الأول كان مدى تكامل الحل مع البنية السحابية وطبقة البيانات الموجودة مسبقاً، يليه إجمالي تكلفة الملكية، ثم الأداء من حيث الكمون ومعدل المعالجة.

في المقابل، جاء معيار تكلفة المليون من الرموز في مرتبة متأخرة جداً. وهذا يكشف أن الشركات لا تتعامل مع بنية الذكاء الاصطناعي كخدمة سعرية مبسطة، بل كمنظومة تشغيل معقدة تتداخل فيها الكلفة مع الأداء والتكامل والموثوقية.

لكن المفارقة أن كثيراً من المؤسسات التي تقول إن تكلفة الملكية هي الأهم لا تملك بعد أدوات دقيقة لاحتسابها. وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين ما تريد الشركات قياسه وما تستطيع قياسه فعلاً.

الأجهزة الرسومية تعمل دون استغلال كامل

أحد أوضح المؤشرات على هذه الفجوة هو معدل استخدام وحدات GPU. فالغالبية العظمى من المؤسسات التي تدير هذه الوحدات تعمل عند 50% أو أقل من طاقتها، بينما قال عدد صغير فقط إنه يتجاوز هذا المستوى. كما أن نسبة ليست قليلة لا تقيس الاستخدام أصلاً.

هذه النتيجة مهمة لأنها تعني أن هناك سعة مهدورة داخل البنية الحالية. وإذا كانت الشركات تخطط لشراء المزيد من الحوسبة المتخصصة بينما أجهزتها القائمة لا تعمل بكفاءة عالية، فإن التوسع قد يزيد الهدر بدل أن يحسنه ما لم تصحبه أدوات أفضل للإدارة والتخصيص.

بمعنى آخر، المشكلة ليست نقصاً خاماً في الأجهزة فقط، بل غياباً في الرؤية التشغيلية التي تسمح بتشغيل الموجود قبل شراء المزيد.

القياس المالي يتأخر عن الإنفاق

في جانب آخر، قالت 44% فقط من المؤسسات إنها تتبع تكلفة وبالعائد على الاستثمار بشكل صارم، بينما تكتفي 39% بتتبع جزئي، ولا تزال 20% غير قادرة على تقدير الكلفة بعد. وهناك 6% لا تعتبر ذلك أولوية حالياً.

هذه الأرقام تشرح لماذا تبدو قرارات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي سريعة أحياناً أكثر من اللازم. فالمؤسسة تشتري، ثم تحاول لاحقاً بناء الآلية التي تشرح لها ما الذي اشترته فعلياً، وما إذا كان يحقق قيمة تتناسب مع إنفاقه.

ورغم أن مستوى الرضا العام عن البنية الحالية ليس سلبياً، فإنه ليس مرتفعاً بما يكفي لتبديد القلق حول العائد. وتظهر أضعف النتائج عادة في الجوانب المرتبطة بسهولة التطبيق والقيمة مقابل المال، وهما عنصران يرتبطان مباشرة بقدرة المؤسسة على القياس.

الموجة التالية قد تكون في الذاكرة وليس في المعالجة

تلفت الدراسة أيضاً إلى أن الجيل المقبل من التحديات قد لا يكون في المعالجة الرسومية نفسها، بل في الذاكرة وعرض النطاق، مع توسع الاستدلال على نطاق واسع. هذه النقلة قد تعيد تشكيل معادلة التكلفة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن معظم المؤسسات لا تزال في بداية التفكير فيها أو لم تعالجها بعد.

وعندما سُئلت الشركات عن الجهة التي يمكن أن تعتمد عليها لمواجهة هذا التحول، تناثرت الإجابات بين مزودين في التخزين والبنية ومشاريع برمجية مفتوحة ومقاربات على مستوى النموذج نفسه. هذا التشتت يشير إلى أن السوق لم يستقر بعد على معيار واحد أو حل مهيمن في هذه الطبقة الجديدة من التحديات.

الأهم أن نسبة ملحوظة من المشاركين قالت إنها لا تعرف هذا التحدي بعد أو لم تبدأ التعامل معه. وهذا يعني أن فجوة الإدراك قد تسبق فجوة الاستثمار نفسها.

الخلاصة: الإنفاق يتسارع والرؤية لا تزال متأخرة

المشهد العام الذي ترسمه هذه النتائج واضح: المؤسسات تنفق على بنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، لكنها لا تزال تملك رؤية محدودة عن الكلفة الفعلية لما تشغله اليوم، فضلاً عن لما تنوي شراءه غداً. وبينما تتوسع الخطط نحو سحب متخصصة ومسرعات بديلة وبنى أكثر تعقيداً، تبقى أسئلة الاستخدام والتكلفة والعائد أقل حسماً مما ينبغي.

هذه ليست مجرد مسألة سعة حوسبة إضافية، بل مسألة حوكمة تشغيلية. فالشركات التي لا تعرف بدقة كم تستخدم، وكم تدفع، وأين يهدر الأداء، ستجد نفسها تدخل الطبقة التالية من الاستثمار وهي لا تزال تحاول فهم الطبقة السابقة.

وبناءً على ذلك، فإن الفجوة الحقيقية في السوق ليست بين الطلب والعرض فقط، بل بين الرغبة في التوسع والقدرة على قياس ما يعنيه هذا التوسع اقتصادياً. وهذا ما يجعل إدارة بنية الذكاء الاصطناعي اليوم تحدياً مالياً وتشغيلياً بقدر ما هي مسألة تقنية.